بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 4 أكتوبر، 2013

قصص قصيرة جدا ً-عادل كامل

قصص قصيرة جدا ً


عادل كامل
[1] نباتات
    عندما فتح الباب، ودخل إلى البيت، وجد شجرة صغيرة تنحني له. إنها زوجته. فأسرع يبحث عن أفراد أسرته، فرأى الجميع قد تحولوا إلى نباتات، ملأت الدار، متشابكة الأغصان، والجذور. وعندما حاول التراجع، تجّمد، وأحس بألم في نهايات أصابعه، وبأزيز يحدث في داخل رأسه، فتريث، لبرهة، وهو يرى أن ثمة براعما ً كانت  تتحول إلى وريقات، والى أوراق ذات أشكال متنوعة، تمتد من أعلى جسده، وان أصابع قدميه سرعان ما أصبحت جذورا ً، هي الأخرى، كانت تمتد، وتتداخل، مع الأغصان والأوراق والجذور، آنذاك لم يجد ضرورة للبحث عن الكلمات، أو التفكير ما اذا كان أغلق باب البيت، أم لا.
[2] طيور
   وهو يبحث عن مكان يتوارى فيه، صدم عندما رأى المشهد ذاته: الطيور تهبط بأقصى سرعتها من الأعلى مصطدمة بالأرض. كان يراها تتلوى، وتتوجع، لبرهة من الزمن، ثم تكف عن الحركة. لم يمتلك قدرة رفع رأسه والنظر إلى السماء، فقد كان يصغي إلى أصوات ارتطام أجساد الطيور، يأتيه، من جهات متفرقة، منكمشا ً، حتى وجد نفسه قد تحول إلى كرة صغيرة، رخوة، لينة، وعندما حاول ان يوقف تدحرجها، نحو مكان ما يجهله، عجز عن ذلك، فقط كان لا يتذكر إلا كلمة دارت بخلده، راح يكررها: حتى انك لم ترتفع قليلا ًعن ... الوحل.
[3] ولادة
    ماذا كنا فعلنا لو لم نعالج الأمر بكتمان، وحكمة، قال الأب لنفسه وهو يراقب شرود نظرات القابلة وهي تقلب مكعبا ً صغيرا ً له ثقوب عديدة، رآها، فابتعد بلا إرادة منه نحو زاوية مظلمة توارى فيها داخل الغرفة. لم تصدم القابلة بالوليد المكعب، فقد سبق لها ان رأت أجنة شبيهة بالسحالي، والضفادع، والخنازير، ولكنها لم تر مكعبا ًلم يفقد حرارته، بل ومازالت تتحسس دقات منتظمة تلامس أصابعها، فيما ترى الثقوب تتوسطها عيون شاردة النظرات.
   ولم تكن خبرتها محدودة أو مبتسرة للتأويل، أو إبداء أراء مجافية للأسباب التي أدت إلى التباسات، وخلط، وتشويهات للمواليد الجديدة، بعد الحرب، ولكنها ان ترى مكعبا ً بعيون زرق تحدق فيها، فقد صدمها حتى إنها لم تجد قدرة للإجابة على تساؤلات الأم، التي بدورها مدت أصابع يدها اليمنى وسحبت ولديها المكعب نحوها: آ ....! ولم تستطع النطق. مدت القابلة يدها وحملت الوليد الذي مازال شارد النظرات، وسمعته يتفوه بصوت خفيض واهن: أين أبي..؟
    عندما بحثت عن الوالد، لم تجده، آنذاك لم تجد ضرورة لإخبار الوليد بالأمر، ـ لا لأن والده اختفى، بل لأنها رأته يتحول إلى أثير، وهو يتناثر إلى ذرات ملأت فضاء الغرفة.
[4] اندماج
   عندما غادر بيته متجها ً إلى دائرته، لم يصدم برؤية أجساد تمشي، من اليسار إلى اليمين، وأخرى تهرول، من الشمال إلى الجنوب، وثالثة توقفت حتى بدت له كأعمدة تلغراف، إلا أنها جميعا ً كانت خالية من الرؤوس، لم يصدم، بل شرد ذهنه لبرهة من الوقت، وحرك أصابعه باحثا ً عن رأسه. وجده، فشعر انه يتلمس مربعا ً استطال فتحول إلى اسطوانة، والأخيرة استحالت إلى كرة صغيرة. غاب عن الوعي، وآفاق ليجد احدهم يشير له بأصابعه ألا يتوقف، فمشى، فلاحظ آخر يدله على مسار عليه ان يتجه إليه، فاتجه، من غير اعتراض، مصغيا ً إلى آخر يأمره بالإسراع في الحركة، فأسرع، وعندما بلغ نهاية الشارع، رأى حشدا ً كبيرا ً منتشرا ً يملأ الساحة حتى نهايتها. وسمع من يقول له: التحق. إلا ان احدهم اعترض عليه بسؤال: عجبا ً ان رأسك مازال في موقعه! فقال من غير تفكير: أهذا هو رأس، أم فراغات ممتدة...؟ ضحك الآخر، هامسا ً: حسنا ً، آن لك ان تندمج.
[5] سعادة
  لم يرغب بالكلام، لو لم يسأله الطبيب، وهو يلفظ آخر ما تبقى له من الأنفاس:
ـ أراك سعيدا ً ..؟
   فقال المريض ـ 80 عاما ًـ بسلاسة:
ـ كيف لا ...، فبعد ان أمضيت حياتي ابحث عن إجابة تفسر لي: ما الوعي، ولماذا أصبحت لا أفكر إلا في ماهية التفكير...، ولم أجد إجابة شافية، تمنحني الرضا، أو الآمان، فانا سعيد الآن بعودتي إلى المكان الوحيد الذي لا يُسمح لي فيه بارتكاب الآثام!
[6] لا توجد مشكلة
    بعد ان شخص الطبيب حالة مريضه، أخبره باستحالة الإنجاب. فطلب المريض ـ رغم ذلك ـ ان يجري فحصا ً للسيدة زوجته. أجرى الطبيب اللازم، واخبره بأنها تعاني من العقم أصلا ً.
    نظر الزوج في عيني زوجته، وقال لها:
ـ لا أنا هو السبب، ولا أنت هي السبب أيضا ً، مع إننا أنجبنا هذا العدد الكبير من الأولاد ومن البنات!
فقال الطبيب بصوت مرتبك:
ـ أرجو ألا أكون أنا هو السبب، وأرجو ان لا تتهماني بالتقصير!
  فقال الزوج لنفسه، بصوت مسموع: حقا ً، المشكلة التي لا حل لها، ليست مشكلة!
[7] عطر
    رائحة الكاردينيا سمحت له بتحسس وريقات نباتات حمراء لا مست محياه، وأخرى لنباتات طالما اعتنى بها، لم يصدم انه وجد جسده غدا محاصرا ً بالسيقان، بل بجذورها أيضا ً. فترك بصره يغادر متأملا ً جسده النحيل في الغرفة ذاتها التي طالما اشتغل بمكافحة الآفات الزراعية، وتحسين أنواع الأجناس المركبة، دامجا ً الجينات، من صنوف متنوعة، لمقاومة الحر والغبار والدخان والضوضاء. كانت قدرته مرهفة بعزل نسمات الفجر وإرجاع كل عطر إلى مصدره، تلك الشجيرات الناعسة الظلية وهي تحتمي بنبات الدفلى، والياسمين، والجوري، وذات الفم المتذبذبة الحركة، وذات الاستدارة، والشتلات المربعة بألوانها الداكنة تجاور الزهور البرية، راحت تنث حبيبات ناعمات سمحت لبصره ان يعود، محتفظا بألوان الأوراق البيض، والذهبية، مع ما جاورها من الأوراق الابرية، والمدببة، والمقعرة، حتى استطاع ان يميز عطر شتلات استجابت لنواياه، وهي تقاوم غيابها.
    مرة أخرى، والى الأبد ـ دار بخلده ـ انه لم يعد وحيدا ً، كما حلم، تاركا ً جسده يقاوم أية محاولة للحركة. إنها المرة الأخيرة  التي استنشق بلذّة ما العطر وقد رآه يتلاشى في الفضاء.
[8] ولادة
  وأخيرا ً أعلنت القابلة أنها أفلحت، بعد ساعات شاقة من معالجة العسر الذي تعرضت له السيدة، والذي كاد يودي بحياتها، عن الولادة. لم يستفسر الأب، ولا الأم، ولا باقي أفراد العائلة، والجيران، والأصدقاء، عنها، بل ساد شعور بالرضا، والطمأنينة مهد لهم، جميعا ً، إغفال نوع المولود، والامتنان لسلامة الأم.  فقد أعلنت القابلة ـ همسا ً ـ إنها لا تريد لأحد ان يرى  الكائن ـ وقد ولد حيا ً، كسمكة، لكن حياته لم تدم طويلا ً. فهمست الأم في أذن زوجها، كاتمة لوعة دفينة، إنها أخبرته ـ منذ زمان ـ ان السيد دارون ترك الحلقة المفقودة جديرة بالبحث، فليس من الصعب تصور إننا ننحدر، نحن التعساء، عن نوع ما من الأسماك، وليس ـ بالضرورة ـ عن القردة. فلم يعترض الزوج، السعيد بسلامة زوجته، بعد فشل الأخيرة في إنجاب كائنا ً شبيها ً بالآباء، أو الأجداد، عليها، بل اخبرها ـ وبصوت لا يخلو من الدعابة ـ ان الأمر قد يخص سلطة الأسلاف، فهي ـ قال بصوت مسموع ـ: تنحدر من المياه الضحلة، وقد مزجت بالوحل. إلا ان السمكة التي نفقت، قبل قليل، سرعان ما راحت تحدق في الوجوه، ففزعت، مذعورة، مرتجفة، لبرهة، ثم توارت، تاركة خلفها رذاذ ماء بلوري، راح الجميع ـ ولسنوات ـ يتحدثون عن تجانس ألوانها، وشفافيتها.
[9] قبلات!
  بماذا يخبرها، وهو يراها تقترب منه، هل يبوح لها بأنه لا يمتلك إلا أسئلة؛ أسئلة تتكّوم، لا ترتد، ولا تتراجع، بل تتناسل مثل ديدان ما ان ترى النور حتى تفقد رشدها وتتلهف للبحث عن زيادة، أم يخبرها إنه، مثلها، لا يمتلك إلا إجابات غامضة..؟
   مدت أصابعها النحيلة، نحوه، وما ان لامست محياه، حتى لم يعد يجد كلمات للتفكير، وليس لديه قدرة حتى على النطق. وجد إنها تأخذه معها، داخ، فكف عن النظر إليها. لم يستسلم تماما ً لشفتيها، بل وجد انه لا يمتلك موضوعا ً يفكر فيه. كان، دار بخلده، لا يود ان يبحث عن رغبة في الحوار، معها، مكتفيا ً، متابعا ً مع نفسه، ان الصمت ما هو إلا خاتمة مناسبة للاستغاثات، والعويل. لم يخبرها انه شاهد عشرات القتلى، وعشرات الجرحى، وانه نجا من الإصابة، بسبب المسافة، المسافة ذاتها التي أصبحت صفرا ً بينها، وبينه.
[10] زيارة
ـ أراك لا تريد ان تقول كلمه، عند ضريح الإمبراطور..؟
ـ ماذا أقول عند فخامته..؟
ـ وتقول فخامته ..؟
ـ لأنني لا اعرف سواها، فعندما أمر بسجني، لم اصدق أنني سأرى النور مرة أخرى..
ـ هذا صحيح، لأن فخامته أمر بإطلاق سراحك ما أن يذهب إلى العالم الآخر.
  هزّ رأسه، متمتما ً:
ـ اعرف، اعرف، اعرف ...، كي التحق به!
[11] براءة
   عندما طلبوا منه ان يدخل إلى مملكة الموتى، بعد ان فارق الحياة، وجد الموتى بانتظاره، سأل الدفان:
ـ غريب، لماذا لم يعقدوا صلحا ً في حياتهم الأولى..؟
فقال الدفان:
ـ ليس هذا هو الغريب، بل لأن جرثومة الموت ستعمل مع أحفاد أحفادهم، حتى يوم تقوم الساعة.
ـ لماذا ..؟
ارتبك الدفان، لبرهة، وسأله:
ـ أراك مازلت ترغب بالعودة إلى ..
فصرخ:
ـ لا ...، فانا كنت ضحيتهم.
ـ لكنك قط لم تكن بريئا ً..!
[12] دليل
  شاهد الجنود الغرباء يقتربون من بيته، فدار بخلده، إنهم لم يتركوا شيئا ً على حاله، لا حجرا ً فوق حجر، ولا بابا ً مغلقة، ويقولون لنا: جئنا نحرركم، ونعلمكم الديمقراطية!
نظر إلى جاره الذي كان يعمل مع الغرباء، وهمس في أذنه:
ـ لماذا أصبحت دليلا ً لهم..؟
اقترب الضابط الأمريكي منه وسأله:
ـ هل لديك سلاح..؟
ابتسم العجوز، ولم يجب. فقال جاره لهم:
ـ ألا تراه شيخا ً هرما بانتظار الموت!
فقال الضابط يخاطبه:
ـ غريب، الميت يوشى بالموتى!
[13] عطر
   كان، في فجر كل يوم، يذهب يزور قبر حبيبته، في المقبرة، يضع وردة ـ لدقائق ـ فوق ضريحها، ويعود إلى بيته حاملا ً الوردة ذاتها معه. فسأله جاره:
ـ غريب، لماذا لم تدع الوردة لها، وتصطحبها معك ..؟
فقال العجوز:
ـ بالوردة استنشق ما تبعثه لي من عطر، من ثم، لا ادعه معها تحت الأرض، فانا مازلت حيا ً لهذا السبب..!
ابتسم الآخر، وسأله:
ـ أراك تبتسم، هل حكيت طرفة!
ـ لا، إنما تذكرت هؤلاء الذين يحرقون موتاهم ..
فقال بصوت خفيض:
ـ كي تبقى ذكراهم أبدية في الريح!
[14] خيانة
سأل زميله في العمل:
ـ لماذا خنت شعبك..؟
ـ أنا، بالعكس، شعبي هو من علمني الخيانة..!
  فقيل، انه منذ ذلك اليوم، لم يذهب إلى العمل، ويقال، انه لم ينطق بكلمة.

6 أيلول 2013


آخر قصص بلقيس الدوسكي*-


آخر قصص بلقيس الدوسكي*



الحاسة العاشرة

ـ بين حين وآخر، أرى هذا الرجل يمشي على رأسه، ولا احد يعرف سر هذه الوسيلة المدهشة في المشي!
ـ أنا الوحيد الذي اعرف السر!
ـ ما هو السر..؟
ـ لا استطيع البوح به.
ـ لماذا ..؟
ـ لأن هذا الرجل صديقي، وشريكي في الصفقة القادمة.
ـ أية صفقة تقصد..؟
ـ صفقة كبيرة تجعلونني من أغنى أغنياء الأرض، وكذلك بالنسبة لشريكي.
ـ ولماذا لا تجعلوني شريكا ً ثالثا ً لكما..؟
ـ لأنك ستخبر  السلطان عنا، وتأخذ جزءا ً من الصفقة منه.
ـ يبدو لي انك لا تثق بي.
ـ نعم، لأنك ظلمت الكثير من الناس بنفاقك وأباطيلك بدافع من أطماعك.
ـ لكنني أعاهدك على الوفاء وحفظ الأمانة.
ـ اقسم بالعقل والضمير.
ـ اقسم ولا مانع عندي ولن اخبر عنكما!
ـ إذا ً، سأبوح لك بالسر.
ـ يسعدني هذا ..
ـ ان جد السلطان دفن ثروته في مكان ما من هذه الأرض داخل أربعة صناديق من الحديد!
ـ وهل لحفيد السلطان معرفة بهذا الأمر؟
ـ نعم، وقد بحث عن هذه الصناديق لمدة سنة ولم يعثر عليها، وأخيرا ً يأس منها وترك عملية البحث.
ـ إذا ً، كيف ستعثرون عليها..؟
ـ بواسطة صديقي الذي يمشي على رأسه!
ـ لم افهم قصدك.
ـ في رأس صديقي الحاسة العاشرة التي تعرف ماذا تحت الأرض بعمق أربعة أمتار!
ـ يا للغرابة، ويا للدهشة.
    خلال ساعة من الزمن وقف الرجل على قدميه وراح يرقص فرحا ً فوق مساحة صغيرة من الأرض، فعلم صديقه بأنه قد عثر على المكان الذي دفنت بداخله الصناديق.
ـ اعرف لماذا رقصت يا صديقي.
ـ لنحفر هنا، أنا وأنت فقط.
ـ ولكن أصبح لنا شريكً ثالث، اقسم لي بضميره ان لا يخبر السلطان عنا..!
ـ اشك به.
ـ على أية حال، ليشاركنا في الحفر وإخراج الصناديق.
    وبعد الحفر وإخراج الصناديق قال شريكهما الثالث:
ـ لي ثلاثة صناديق، ولكما صندوق واحد.
ـ بدأت الخيانة!
ـ أنا أحق منكما بهذه الثروة.
ـ لماذا ..؟
ـ لأنني سأحافظ على رأسيكما من القطع بسيف حفيد السلطان.
     في الليل دفنوا الصناديق في مكان آخر من غير علم الشريك الثالث وقالوا له في صباح اليوم التالي:
ـ لقد سرقت الصناديق، وماتت الحاسة العاشرة!


معذرة سيدي الربيع



    استلمت برقية من مجهول يدعوها لحضور حفلة سيقيمها الربيع لمناسبة أعراس الزهور. ولم يذكر لها أين ستقام هذه الحفلة، فالربيع له حضوره في كل أرجاء الدنيا. فإلى أية مدينة تذهب..؟  قررت ان تزور المدن كلها.. كل القرى، والأرياف. فالحفلات التي يقيمها الربيع لا نظير لها، ثم ان الحفلة تقام لمناسبة أعراس الزهور وهي مولعة بحب الزهور.
    تعبت من السفر،. أرادت ان ترى طيرا ً لتسأله عن موقع الحفلة ولكن من غير جدوى. جلست أمام حمامة كسيرة الجناح وهي تبكي فسألتها عن سر بكائها، قالت:
ـ أنا الوحيدة التي حرمت من حضور الحفلة، لأنني لا استطيع الطيران.
ـ وأين باقي الطيور..؟
ـ كلها ذهبت إلى الحفلة. البلابل والنوارس وغيرها من الطيور، بل وكل الناس.
ـ وأين تقام الحفلة..؟
ـ لا ادري، فلم يخبرني احد عن مكان إقامتها.
ـ أنت كسيرة الجناح وأنا كسيرة القلب، ولو اعرف مكان الحفلة لحملتك معي إليها.
     قلت مع نفسي: سيعاقبني الربيع لعدم تلبية الدعوة، لكن عذري معي، فالبرقية خالية من العنوان، وأنا آسفة جدا ً.. فهذه أول حفلة احرم منها.
   مر طائر وبرفقته طائر ابيض لم أر مثله طيلة حياتي لجماله الرائع. هبط الاثنان إلى جانب الحمامة المكسورة الجناح، فرحت كثيرا ً لأنني سأعرف مكان الحفلة عن طريقها، سألت احدهم:
ـ أريد ان اعرف مكان الحفلة منكما، وهذا فضل لن أنساه.
ـ لا ادري أين تقام، فأنا منشغل بأمي وقد جلبت هذا الطبيب لمعالجاتها عسى ان يشفى كسر جناحها، ولكن لماذا أنت ِ متأخرة..؟
ـ لا اعرف مكان الاحتفال.
ـ إذا ً فنحن الأربعة الذين تخلفنا عن الحضور، أنت وأمي وأنا والطبيب، وهذا من سوء حظنا. فاليوم تزغرد الطيور كلها وتبارك الزهور بأعراسها، وسينثر السيد الربيع أشذى العطور على جميع المدعوين هناك، لقد ضاعت فرصة ذهبية لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل عام. قلت له:
ـ ألا تعيرني جناحك لهذا اليوم فقط..؟
ـ لا استطيع يا سيدتي، فربما يرسلني الطبيب لجلب دواء لامي من صيدلية النرجس، وهي بعيدة جدا ً.
    عدت إلى البيت كسيرة القلب، حزينة النفس، وبعد منتصف الليل، وصلتني برقية ثانية وهي تحمل العنوان ....، فكدت أطير من الفرح لكنني سرعان ما عدت إلى حزني، فالبرقية كانت جاءت متأخرة، لان الحفلة كانت ممتعة للغاية، حيث رقص العشاق والعرسان فيها، وكان احد العشاق منزويا ً لأنه كان ينتظر وصولك ليراقصك، ولكن للآسف قد انفض الحفل وتفرق الجمع وقد استغرب الربيع عدم حضورك كما في المواسم السابقة.
   لم انم في تلك الليلة، لكنني احتفظت بالبرقيتين، لموسم العتاب القادم، ومعذرة لك يا سيدي الربيع!




العزف على قيثارة المساء


    هناك، خلف تلك السحابة الزرقاء التي ترقص على جسد الأفق البعيد، هناك تحلق الفرحة بأجنحة القلق لكنها تحتمي بتلك السحابة وتمسك بأذيالها كلما تعبت أجنحتها، وعندما يستفيق الليل ويتناول فطوره على مائدة الصباح، فان وجبته المفضلة هي أجنحة الفرحة، لكنها كانت تختفي في ثياب السحابة الزرقاء وتلوذ بها من قبضة الليل.
    ان جدتي تقول حطت السحابة الزرقاء فوق سطح دارنا قبل ألف عام وشربت ماءنا ثم حلقت ثانية وتقيأت الماء فوق حديقة ابنة السلطان العثماني، فتفتحت بها أجمل ألوان الزهور الشذية، منها الزهور الخضراء والزرقاء بل والسوداء أيضا ً.
     لاشك انه فعل الماء.. لماذا لا نصنع حديقة في بيتنا ونسقيها من مائنا أيضا ً..؟ جدتي ترفض، تقول لا يحق لنا التدخل في شؤون السحابة الزرقاء.   ولكن لماذا لا نطلب من السحابة الزرقاء ان تعطينا الفرحة المجنحة التي تلعب بجناحيها..؟ تقول جدتي ان الفرحة ملك الجميع ولا يحق لنا احتكارها. دعك من هذه الأنانية، ان جدتي إنسانة ناكرة لذاتها، تحب للجميع ما تحب للنفسها، لهذا فإنها لا تحب مشاكسة السحابة الزرقاء التي مازالت ترقص على جسد الأفق.
    ويغفو الليل على فراش النجوم ويطلب من القمر ان يكف عن مغازلة الشمس.
   تقول جدتي، قبل ألف عام صعدت على سطح الدار فوجدت الشمس والقمر يتعاتبان، ثم تعانقا بشوق وحنان وافترقا. وفي اليوم التالي تحول سطح الدار إلى حديقة جميلة فيها العديد من الأزهار الملونة، وعندما قطفت منها زهرة خضراء، اختفت الحديقة فجأة ولم يبق منها أي اثر فوق السطح، ومازلت اجهل السر.
   ربما قد غضبا لقطفك زهرة من حديقتهما يا جدتي، ربما ...
  والآن داعبني النعاس يا جدتي: هل أنام في مهد طفولتي أم انه لم يعد يسعني؟ لا لن أنام، سأصنع لي جناحين احلق بهما نحو السحابة الزرقاء لأمرح هناك مع الفرحة المجنحة، وعندما اشعر بالتعب سأرتاح بين أحضان السحابة الزرقاء، واعزف على أوتار الليل!



ظل وممرات



    خاطبت نفسها بصمت: الزمن يهذي، أم الواقع؟ يا له من زمن مجنون؛ كل الطرقات مفروشة بالثرثرة، وكلنا مزدوجين، وأكثرنا يشّجع الشر ببقائه في الأعماق!. أسألكم جميعا ً: من منكم لا يسكنه الشيطان؟ إنكم تكرهون الصدق، وتكرهون الصراحة، ويحلوا لكم الرقص فوق الموت!
   كفى..، لست مستعدة للمزيد من الثرثرة، فانا ارفض النشاز، وارفض مواعظكم، وإرشاداتكم، لأنها ليست من رحم المعاناة. حين تغير الأنهار مجاريها، تتضرعون لنزول المطر، وتلك هي حالة الاتكال، والخمول، أما أنا فعطشي أعظم من ذلك!
    انتم، يا كل الذين من حولي، أفكاركم ليست هي أفكاري، انتم تفكرون بما يزول، وأنا أفكر بما يمتد، ويدوم. انتم ـ يا أحبتي ـ تفكرون بالمال، والملذات، والرفاهية في البذخ، وأنا أفكر بالأبعد، والأبعد!
انه العطش، فانا لا اطمع بسلسبيل أنهاركم. عطشي اكبر. عطشي الدنيا برمتها. الماء لا يروي العطشى، حتى لو انهمر من الأعالي. أنا يا سادتي ابحث عن الانهمارات النائية، لماذا...؟ لأنها ليست عابرة. فلماذا كل هذا الصمت..؟ الزمن ـ هو الآخر  ـ لاذ بالفرار، كعادته، ولفظ السؤال آخر أنفاسه على الشفاه. هرب القلم من بين أناملي، ورفع العطش إصبع الاتهام، أشار لي. فقلت بصراحة صماء: لا عطش! فانا البريئة في القفص، والزمن هو الشاهد. فقال الآخر المجهول: ذبلت الزهرة عندما غيرت مجراها، وأنت المسؤول عن ذبولها، وجاء البلبل مدافعا ً عنها، ثم غاب. ها أنا الحضور بين غائبين، والغائبة ابعد منه، بلا ماء، ولا هواء، ولا كلمات. أنا الصمت أتعكز بجدول لا وجود له، ولا أجد ما ابحث عنه، ولا يجدني من يبحث عني! أنا الغائبة بين غائبين، لا أجد من يصغي إلي ّ، لا أرى من يتكلم كي أصغي إليه. فالكلمات رماد من غير نار، والنار محض كلمات من غير رماد. لقد أصبحت امشي بمعزل عن ظلي، لا صوت لي، ومهرجانات الكلمات وحدها لا تدعني اصمت! فأغيب، وأنا لا انتظر من يرد لي ما فقدته، فما أريد، غدا وحده يعمل بعيدا ً عني، فانا جئت كي لا أصل، وهو غاب لأنه لم يأت ْ!  




القنديل


   ارتدى عباءة الليل ومضى يبحث عن قنديل يضيء به ظلمة نفسه. اصطدم بكثير من الصخور التي اعترضت طريقه، إلا انه كان ضعيف الذاكرة ولم يتذكر عدد الحفر التي سقط فيها خلال رحلته، بل نسي المهمة التي خرج من اجلها.
     الريح هي التي كانت تسيره، فتارة تدفعه بقوة إلى الأمام وتارة أخرى تعود به إلى نقطة الابتداء. لا يدري عدد السنين التي مرت منذ بدأ الرحلة. كان يتوقف أحيانا ً ويتوهم بان ظله إنسان آخر يفترش الأرض السوداء ويحاول ان يوقظه ليرافقه الرحلة. رفع يديه، فرفع الظل يديه. رقص فرقص الظل معه وبنفس الحركات. قال مع نفسه، لا شك انه واحد من الجن! فدب فيه الخوف، فركض مذعورا ً وتضاعف شعوره بالخوف عندما ركض معه ظله. اختفى وراء شجرة خريفية فراى شجرة سوداء ممتدة على الأرض، قال مع نفسه، ربما إنها أخت هذه الشجرة وقد استعادت من الليل عباءة أخرى. حاول ان يوقظها فتحرك معه ظله. تراجع فتراجع معه ظله. تسلق الشجرة الخريفية فتراءى له ظله وهو يجثم على صدر أخت الشجرة. شعر بشيء من الخجل المصحوب بالخوف. نزل من الشجرة وهو يرتعش من رأسه إلى قدميه، وضع جزءا ً من عباءة الليل على وجهه وانطلق مهرولا ً، سقط أكثر من مرة لكن الخوف شجع ساقيه على الركض، ولو لم ينتبه في اللحظة الحاسمة لسقط في هاوية لم يصل إلى قعرها إلا بعد أكثر من سنة ضوئية. لقد توقف فجأة عند الحافة الأخيرة من الأرض.
     انه مازال يرتدي عباءة الليل. تراجع قليلا ً إلى الوراء فراى حافة أخرى تريد ان تبتلعه. جلس بين الحافتين شارد الذهن، فكر بالعودة، لكن ذاكرته كانت غائبة في تلك اللحظة الرهيبة!
   لقد مر بألوف الطرق المتشعبة والمليئة بالحفر والأشباح والليل مازال يجثم على صدر الشمس، والأرض مازالت تصلي وتنام على وسادة القمر.
    قال مع نفسه: لماذا لا اسرق قبسا ً من ضوء القمر واستعين به في عودتي إلى مضجعي القديم، لكي أتجنب الحفر التي سقطت فيها عبر رحلتي الشاقة الطويلة؟ تسلق جبلا ً كان يظنه جارا ً للقمر، وحين بلغ القمة رأى ان القمر مازال بعيدا ً، فانحدر إلى السفح المليء بالأفاعي والذئاب، وانطلقت من أعماقه صرخة رددت صداها كل الأودية، وهربت من هولها كل الأفاعي والذئاب. فانطلق على أجنحة الريح إلى زمن غير زمنه، ومازال يرتدي عباءة الليل التي تهرأت فوق جسده الذي أكل التعب أكثر من نصفه.
   رأى من بعيد بصيصا ً من الضوء، فحث خطاه المتعبة نحوه، وحين اقترب، وإذا بالضوء عيون ذئب جائع، قرر  ان يلغي عقله ومشاعره ويتجه كما تشاء قدماه. وغير رأيه بعد ان أعياه البحث عن القنديل، وعلى هامش الطريق هتف هاجس في أذنيه:
ـ انك تبذر سنوات عمرك عبثا ً، اخلع عنك عباءة الليل يا هذا الضائع في أزمنة الظلام، واعد عقلك إلى راسك، وعندها ستجد القنديل الذي تبحث عنه منذ سنين طوال!
   استعاد عقله وطلب منه ان يسير كما يشاء. وفي طريق عودته رأى امرأة تجسدت فيها كل محاسن الجمال والأنوثة. هام بها. اقترب منها وسألها بشيء من الدهشة والإعجاب:
ـ من أنت ِ يا أروع ما خلق الله..؟
ـ أنا القنديل الذي تبحث عنه!
قلبك معي


    كان غائبا ً حتى عن نفسه. يكره الأشياء الجميلة، ويغضب ان رأى ابتسامة على شفاه الأطفال، أو على شفاه شابة حلوة. يغلق نوافذه عن الشمس والنسيم، ويلعن اليوم الذي ولد فيه بلا مبرر. كان يهرول بلا هدف، وينام تحت الأرض، ويظل يثرثر إلى درجة انه كان يبحث عن سكين لقطع لسانه. يكره ان يرى زهرة يانعة في حديقته، لأنه يعشق المسامير! يفضل صوت البوم على تغريد البلابل. وقد حكم بالموت على نفسه أكثر من مرة. انه ليس مجنونا ً كما ظن البعض، وليس عاقلا ً كما اعتقد البعض الآخر، ليس فيلسوفا ً كما تصوره البعض، وليس رجلا ً عاديا ً كما قال البعض الآخر. فقد رأيته بالأمس، وهو يضع في فمه أكثر من سيجارة، ويضع رماد السجائر في جيبه!
قلت له لماذا..؟ قال إنها منضدتي المفصلة، فالرماد هو نهايتي. وبصراحة، ظننته فيلسوفا ً! ثم رايته يقرأ كتابا ً بالمقلوب، وسألته لماذا ..؟ قال:
ـ المقلوب هو الأصح، فالزمن يسير إلى الوراء.
   وذات يوم رأيته يبكي. فقلت له لماذا تذرف دموعك الغالية؟ أجابني:
ـ الدموع هي التعبير عن اصدق مشاعري، فانا ابكي على طائر ضاع في ليلة عاصفة.
قلت له: ربما تجد غيره..؟ قال:
ـ وهل تعود الروح إلى جسدها بعد ان تغادره..؟  قلت مع نفسي، ربما انه أديب فقد عقله. ثم رايته أخيرا ً يضحك من الأعماق. فاقتربت منه وقلت له:
ـ أراك سعيدا ً..! قال:
ـ اضحك على دموعي التي تبكي على من حولي، وعلى قلبي الذي لا يعرفني، ولا اعرفه. فقلت له:
ـ ان قلبك معي!

________________________________________________________________
 * آخر كتابات القاصة والفنانة الكوردية د. بلقيس الدوسكي، التي وفاتها المنية، مؤخرا ً، وكانت قد خصت بها الموقع.