بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 16 أبريل 2014

غالب المسعودي - شالا وغليوني وخمري

قصص قصيرة جداً-عادل كامل

قصص قصيرة جداً





عادل كامل


مقدمة:
قال الجنيد:
     " فقد حكي عن الجنيد انه رأى رجلا ً مصلوبا ً وقد قطعت يداه ورجلاه ولسانه. وعندما استفسر عن سبب ذلك قيل له كان ديدنه السرقة فقطعت يده في السرقة الأولى والأخرى في الثانية، فثابر على السرقة برجليه فقطعتا على التوالي، فاخذ يسرق بلسانه فقطع لسانه، واستمر بالسرقة إلى ان آل به القضاء إلى القتل! آنذاك اقترب منه وقّبله، فقيل له:
ـ تقبل جسد لص مصلوب؟ّ!
ـ إنما أفعل ذلك لثباته!"
وقال الجنيد أيضا ً: " الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة!"
وقال ألنفرّي: " كل جزيئة في الكون موقف"
وقال محي الدين بن عربي: "لا يؤاخذ الجاهل بجهل، فإن جهله له وجه في العلم" وقال أيضا ً:" لا يصح الترادف في العالم، لأن الترادف تكرار وليس في الوجود تكرار"
وقال أبو علي الدقاق: " الإرادة لوعة في الفؤاد، ولدغة في القلب، وغرام في الضمير، وانزعاج في الباطن، ونيران تتأجج في القلوب"


[35] وصايا
ـ لا أريد الذهاب إلى مدينة فيها لصوص، وأثرياء.
ـ لن تجد.
ـ ولا أريد الذهاب إلى مدينة فيها أرامل، وفقراء، وثكالى، وأيتام..
ـ لن تجد.
ـ فأنا ابحث عن مدينة لا يوجد فيها عقلاء، ووعاظ، وأمراء حرب.
ـ لن تجد.
ـ إذا ً دعني اقبع خلف جدران بيتي، لا أرى أحدا ً، ولا يراني احد، فلا الجدران تتنصت علي ّ، ولا أنا افضح عويلها.
ـ هل وجدت..؟
ـ إن لم أجد، يا صديقي، فالجدران ستجدني. لكن، قل لي، ما هو شأنك بي، وأنا اسكن هذا الفراغ..؟!
[36] صفقة
   طلب من بائع الحمير ان لا يتدخل، بعد ان أمضى ساعات، وهو يراقبها، فاختار، أخيرا ً، احدها. لم يتدخل البائع، بعد ان قبض ثمن الحمار.
ـ والآن عليك ان تذهب حيث تشاء، أيها الحمار الطيب!
   تسمر الحمار في مكانه، ولم يكترث لكلماته. فخاطبه، بعد قليل:
ـ أنا لا امتلك مكانا ً اذهب إليه.
هزّ الحمار رأسه الكبير، فقال الآخر يخاطبه:
ـ لهذا قررت ان تكون دليلي.
لم يستجب، ولم يتحرك، ولم يهز رأسه حتى.
ـ يبدو انك فقد السمع، فهل فقدك النظر..؟
لم يجب.
ـ سأعيدك إلى إسطبلك، بحثا ً عن آخر.
  هز الحمار رأسه، وأومأ له بالركوب. فعل. وعندما وجد نفسه وسط الحمير، لم يتذمر، ولم يفكر بشراء حمار آخر. فقال يحدث نفسه: الآن لم يعد لديك ما تأسف عليه!






[37] سؤال
   ذات مرة، وفي طريق عودته إلى البيت، سأل عادل كامل، حمار جاره:
ـ أنا اعرف انك أكثر مني حكمة، وأكثر مني معرفة، واعرف انك أكثر مني صبرا ً، وأكثر مني خبرة، وهدوءا ً، وانك لا تعتدي، ولا تؤذي، ولا تتذمر ...، فقل لي، لماذا مكثت معنا طوال هذه القرون...؟
أجاب الحمار بصوت خفيض:
ـ لو كنت أعرف لكان عليك ان تجد الجواب!
[38] جسد
   آفاق بعد ان رأى سلسلة من الأحلام، بعضها غاب، وبعضها ترك صورا ً وجدها غامضة ومتداخلة: جسور، نجوم، طرق، أعمدة، أبواب، وثمة صور لها طراوة ندى الفجر، وأخرى لها عطور زنابق البحر، وأخرى كأنها ندوب، غيوم، وحفر، إلى جانب: قطارات، وعلب، ومخلفات حرائق، وأشجار...
   جلس أمام النافذة يحدق في عتمة الليل، ثم حدق في المرآة: مازلت معي!
    آنذاك عاد إلى سريره، ليجد جسده قد سبقه إلى السرير، وعندما تأمل محياه، رآه غافيا ً، مثل رأس تمثال من الشمع، فلم يجد صعوبة، وهو يلامس حافات جسده، من العودة لاستكمال بقايا سلسلة الأحلام، بعد ان حشر جسده تحت الغطاء.
[39] أصابع
  في بادئ الأمر، لم يكترث، ولم يشغل ذهنه، إذا ما كان هناك من يرعى نباتات الحديقة، ويسقيها، فهو، منذ أشهر، لم يغادر غرفته. إنما، وجدها مناسبة للتفكير. آ ....، فالورود برهنت إنها مازالت تمتلك قدرة مقاومة الغبار، وارتفاع درجات الحرارة، والجفاف. كانت الورود بيضاء، وبجوارها، ورود حمراء، وأخرى بلون أشعة الشمس. لا يتذكر ان أحدا ًزاره، لا من الغائبين، ولا من المعارف، ولا من الجيران. فمكث لا يغادر غرفته، إلا بحدود التوقف خلف النافذة، لمراقبة الحديقة. لم يبد أية علامة تعجب، عندما اكتشف، أخيرا ً، وهو يتفحص أعضاء جسده، ان أصابعه كانت تتركه، بهدوء، وتتسلل إلى الحديقة. آ . فاخذ يمشي خلفها، وعندما لمحته أصابعه يراقبها عادت إلى مكانها، وعندما بدأ يتأملها، رآها مازالت طرية، مبللة، ومازالت تحمل عبق رائحة الورود عليها، وقد اصطبغت بالاحمرار، والبياض، مستنشقا ً رائحة طالما سمحت له، في أوقات مختلفة، بالطيران. آفاق، فوجد انه أتم جزءا ً من كتاب لم ينجز بعد: صفحات كاملة اشتغلها بإحكام، خاتمة لكتاب أضناه.
    ود لو قبل أصابعه، إنما وجدها تداعب خصلات شعر رأسه المتناثرة، وتمر، برفق فوق محياه، وتلامس فمه. متابعا ً، في ذلك الفجر، أعاد تأمل حديقته، كأنها مساحة تداخلت الألوان فيها، والنهايات بالجذور.
[40] بعد نصف قرن
  رآها مصادفة، بمحاذاة ساحل البحر، وقد استقبلته بحفاوة. عندما لامس أصابعها، تجمد لبرهة، ثم آفاق:
ـ نصف قرن ..
ـ تماما ً، نصف قرن، ثم ..
ـ فجأة..
  امتد الصمت قليلا ، قال متابعا ً:
ـ كانت هناك كلمة..
ـ .....
ـ بالضبط، كنت أود ان أخبرك ِ
ـ كنت منشغلا ً بالفقراء، وأنا كنت خائفة..
ـ نصف قرن ..
    ولم تسأله ما الذي جاء به إلى ساحل البحر، ولم يسألها ـ هو ـ عن أسباب وجودها في المكان ذاته، إنما تابعا الحوار، قالت:
ـ تم عقد قران ابنتي، بالأمس ..
ـ غريب، فولدي، هو الآخر، عثر على شريكة له أيضا ً وعقدنا قرانهما يوم أمس ..
  وساد الصمت لبرهة، قالت:
ـ أنت سافرت إلى البعيد، ولم أرك، وأنا سافرت أيضا ً، ولم ترني، خلال هذه السنين الطوال التي ...
    وجد صوتها ينتهي بوقفة، ثم تتدفق بالكلمات.
ـ غدا ً أسافر، ارجع إلى مدينتي.
ـ في الساعة العاشرة صباحا ً.
ـ تماما ً، موعد إقلاع الطائرة.
ـ بعد نصف قرن..
[41] كتب
   عندما مد يده لشراء كتاب، تذكر الكتب التي استعيرت منه وفقدها. سحب يده. لم يأسف، لم يأسف انه فقد الكتب التي لم تعاد إليه، إنما سره، انه لم يعد يتذكر أحدا ً منهم.
فجأة سمع البائع يخاطبه:
ـ أستاذ، قرأت كتابك الأخير..
ـ هل تعرفني؟
ـ الست مؤلف كتاب الممرات؟
ـ لا!
   وكم ود لو اخبره انه سيعيد كتابة كتابه تحت عنوان آخر، إنما الممرات، هي ذاتها، تذهب ابعد من العابرين، لكنها لن تسد الدرب. وتوارى.
[42] حمامة
   قال للبنت التي أصبحت زوجه لولده، وهو يشاهد احد المواقع:
ـ انظري، هذا هو أنا، في الشهر السادس من ..
ـ آ ....، لم تتغير!
  دار بخلده، وهو يراقب دهشتها، انه لا يتذكر ما دار بخلده، قبل سبعة عقود، لحظة التقاط الصورة. سمعها تقول:
ـ مثل حمامة.
فقال بصوت مرتبك يخاطب نفسه:
ـ آ .....، لم أتغير.
ـ أقسم انك لم تتغير!
ـ أعرف، واقسم لك أيضا ً ان تلك الحمامة لم تمت، لكن أين تراها غابت؟
[43] الجنرال
   في المقهى، جلس بجواره، وراح يراقبه، رآه ينهض، يبحث عن عامل المقهى، ثم يعود يجلس في مكانه. عندما لمحه، لم يعرفه، فسره الأمر. لكن الجنرال نهض مرة ثانية، ومشى باتجاه العامل، همس في آذنه وعاد إلى مكانه. بعد دقائق، جاء العامل بالشاي. " كنت أود أن أسألك، أيها الجنرال، كيف نجحت بإدارة معاركك، فانا لم أرك مرتبكا ً، طوال سنوات الحرب، إلا مع هذا العامل...، الذي لا يعرف انك كنت لا تقاتل إلا في الخطوط الأمامية مع جنودك، وكانت البلاد تردد اسمك، على مدى سنوات، وسنوات...
   نهض، وذهب إلى بائع الورد، وعاد ليقف أمام الجنرال، ووضع وردة بيضاء أمامه:
ـ لا تكترث!
  رفع الجنرال رأسه ونظر بشرود، وهو يتمتم:
ـ أنا أيضا ً أضع الورد، لكن عند القبر!
   لم يخبر الجنرال انه، في واحدة من أقسى المعارك، كان السبب ببقائه على قيد الحياة، وانه الآن لا يمتلك قدرة على النطق، إنما الوردة وحدها لا تكتم إلا سرها. واختفى.
[44] طائرة
    شاهد الطيور تحّوم فوق الأمواج، ترتفع، تدور، ثم تهبط، وشاهد، رغم البرد، بضعة فتيات يهرولن فوق رمال الساحل، كانت السماء زرقاء، وفي البعيد ثمة سفينة تعبر، وثمة طائرة بدت له تقترب...، فجأة دفع رأسه إلى الخلف، وترك أصابعه تحمي محياه.لا. إنها ليست طائرة مقاتلة، والحرب انتهت!
لكن فمه نطق: إنها الحرب.
   فعاد يرى الطيور تحّوم فوقه تماما ً، ترتفع، تدور، وتهبط، والفتيات مازلن يهرولن، وفي البعيد كانت السفينة تتحرك ببطء، لكن الطائرة  لا وجود لها في السماء.
[45] معرفة
   قبل ان يستعد للعودة إلى مدينته، سأل نفسه: ما الذي تعلمته..؟ لم يجب. إنما سمع الكلمات ـ داخل رأسه ـ تخبره: انك مازلت تتعلم.
[46] فنان
   " ليس لأحد، ليس لنفسي، ليس لأنني بلا عمل، ليس للمباهاة، ليس للتدريب، ليس للحصول على مال، أو دعاية، أو مجد، ليس لأن الخامات متوفرة، وليس لأنني احلم اعتادت أصابعي الدخول في حوار، ومشاكسة، ومصالحة، وليس كي لا اجن، أو كي استعيد سكينتي، لا اعرف ..." ووجد انه يعترض على كلماته:
ـ " ربما لهذه الأسباب مجتمعة، تابعت صياغة المجسمات، وكأن أرادة ما فرضت سطوتها علي ّ، حتى بت لا أجد في حريتي أكثر من اندماج شبيه بسجين يأبى مغادرة زنزانته، أو مثل حيوان يخشى الهلاك ما ان يغادر حفرته ..."
  نهض ووضع تماثيله في صندوق، وذهب إلى الحديقة، حفر لها حفرة، تحت الشجرة، ودفنها، من ثم عاد إلى غرفته، وترك أصابعه تعمل، بعد ان أغلق الباب بإحكام.
[47] مرافعة
    قال المحامي لموكله: مبروك، سيطلق سراحك قريبا ً، فقد أزحت عنك الاتهام الأول، فلم تعد يساريا ً، كما استبعدوا شبهات علاقتك مع اليمين، واليمين الوسط، ولا مع اليسار المتطرف، ولا مع الغلاة، إنما، احد المحققين لديه تقارير سرية سأعمل على تفنيدها، لأنها تتحدث عن إشاعات قديمة، ترجع إلى أيام صباك، وفتوتك، وكهولتك، وسأعمل على براءتك من الوشايات الأخرى، ومن الشكوك التي اجهل مصادرها، حول تصوّرات لا أساس لها، وقد ألصقت بك، ولكن، للآسف، هناك إشارات متفرقة تتحدث عن أسماء طالما استشهدت بها، وكلت لها الثناء، مازالت مجهولة لدي السادة المحققين، فانا نفسي لم اعثر عليها، وما مدى خطورتها، كأسماء علماء في الهندسات الجينية، والمنقرضات، وحول نشأة بذور الخلق، واقترانها بما بعد الزمن...، أكرر: مبروك، انك لم تعد خطرا ً على احد، ولا حتى على نفسك، وسأعمل، خلال هذا الشتاء، للبرهنة بسلامة سلوكك، خلال العقود الأخيرة، وانك جدير بالعودة، معنا، لبناء حياة جديدة"
رفع رأسه قليلا ً، وقال للمحامي:
ـ شكرا لهذا الجهد، ولكن أرجوك، أرجوك، ألا تدعهم يطلقون سراحي، فانا تعلمت، خلال هذه السنين الطويلة، أنني لم أكن سمسارا ً، ولا قوادا ً، كي أتمتع بالحرية! لا تدعهم، أرجوك، ان يطلقوا سراحي، كي أعود إلى الحظيرة ذاتها، ويعثروا لي على أسباب مناسبة، ويعيدوني إلى السجن، مرة أخرى. فانا، هنا، امتلك نافذة صغيرة، استطيع ان أرى عبرها مرور الأزمنة، بل وأسكنها، فلا أرى حافات الظلمات، فهذا الضوء الشحيح، يسمح لي بالذهاب بعيدا ً في الاتجاهات كافة، ومن غير محاسبة، وأخطاء. كما لا أجد أنني قد تورطت بوهم من الأوهام، ولا بأمل من الآمال، لأن الزمن، قبل ان نولد، وبعد ان نرحل، هو الآخر، مثلي، ومثلك، تستطيع ان تضعه في القفص، وتستطيع ان تطلق عليه النار، أو تكتمه بكاتم، لكنه ـ هذا الزمن ـ سيذهب ابعد من البراءة، وابعد من هذه الآثام أيضا ً.
[48] طيور
   كان مولعا ً بالطيور، وفي سفرته الأخيرة، جلب معه احد الطيور البيضاء، وقد عرضه، في وسط سوق المدينة، لكن لا احد كان يعرف إذا ما كان يغرد، أم ينوح. إلا ان احد خبراء اللغات، قام بالترجمة. فقال: الطائر يقول انه سعيد، سعيد لأن صاحبه وضعه في قفص محكم، كي يحميه من الأشرار. والطائر يؤكد انه سعيد، وفرحان، ولا حدود لمسرته!
   صفق الجميع، عدا احدهم، وكان يتكلم بصوت مضطرب:
ـ انه يشتمنا، لأننا، بنظره، الأشرار! وهو يمتدح صاحبه، لأنه حماه منا، ومن شرنا، ويا لها من سعادة!
[49] مغادرة
   بحث عن مدينة خالية من الأسلحة، فلم يجد. لقد وجد مدينة اخفت أسلحتها بعيدا ً عن الأنظار. فسأل:
ـ ولكن لمن تستخدم هذه الأسلحة..؟
ـ للدفاع عن النفس!
   فغادر المدينة، متابعا ًالبحث، عن مدينة خالية من الأسلحة، فلم يجد. فقيل انه عاش في مغارة نائية، في مكان مجهول، مغارة تحرس مدخلها الطيور. وانه، في ذات يوم، اختفى، هو، والمغارة، والطيور، عندما ارتفع، في السماء، عمود دخان ابيض، وما ان خمدت النيران، وتسربت الأشعة، حتى تحولت الأرض إلى مساحة من الغبار.
[50] دليل
ـ جئت كي لا تصل!
 وأضاف الدليل الذي اصطحبه:
ـ أنت تستطيع ان تتقدم الجميع، بل وتصبح قدوة، ولكنك لن تصل!
ـ من أنت..؟
ـ أنا عملي هو ان أساعد هؤلاء الذين هم، من أمثالك، يبحثون عن النهاية التي لا يصل إليها احد.
ـ ومن أخبرك بما أريد ..؟
ـ لأنك منذ استأجرتني، دليلا ً، طلبت مني ان أدلك على المكان الذي لا وجود له، في هذه الغابة. لأنك، مثلي، لا تمتلك إلا ان تبحث حتى يدركك الموت، بعد ان تفقد بصرك، وبعد ان لم تعد روحك تحتمل إلا الإقامة في الظلمات. فأنا هو النور الذي لا حافات له، ولا نهايات!
[51]   مفارقة
  في القرية النائية، التي وجد نفسه منفيا ً فيها، كانت وسيلته الوحيدة في النقل، حمار أهداه له صاحب الدار، فكان الأخير يقله من البيت إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى المقهى، ومن الأخيرة إلى البيت..
   وها هو يجلس وحيدا ً يلخص خاطرة طالما شغلته، وعمليا ً، وبعلمه، كانت السبب في نفيه من المدينة، بعد ان ترك الحمار عند باب المقهى:
ـ " صراع أدوات، من الحجر إلى المعادن، صراع إرادات، من القرى إلى المدن، صراع مخترعات، من البارود إلى الليزر، ومن الميكانيك إلى الإلكترون، صراع قوى تسحق بعضها البعض الأخر، من غير رحمة، وفي الوقت نفسه، تمهد لمصائر يصعب تخيلها....، فما ـ هو ـ موقعنا، وما هو موقفنا .....؟"
ـ أستاذ، حمارك هرب!
ـ آ.....، آسف، سألحق به!
[52] ظلال
   " هل حقا ً لا معنى، لا معنى، لا معنى لهذا اللا معنى ...، وأنا لا أجد سوى هذا الذي لا اعرف أأنا أتتبع ظله، أم هو الذي يتتبع ظلي...؟ إنما، دار بخلده، وهو أمام النهر، ألا معنى في نهاية المطاف لهذا الذي كاد يدفع بخطاه إلى الماء...، متابعا ً: فالموت لم يكن ـ هو ـ من يلحق بي، ولا أنا كنت ـ هو ـ من امشي خلف خطاه، انه ـ هو ـ أنا، وكلانا واحد.."
      عندما بحث الكاتب عن أصابعه، كي يمسك بالقلم، لإلغاء رداءة العبارة، في معناها، وفي صياغتها، شاهدها تطلب منه ان يخرس. بحث عن فمه، فوجده استطال فوق الورقة، وعندما بحث عن رأسه، وجده غاب مع جسده، آنذاك لم يجد أحدا ً خلفه، كي يهرب منه، مثلما لم يجد أحدا ً أمامه، كي يتتبع خطاه.
[53] عن بعد
  لمحه عن بعد، يجلس وحيدا ً في ركن مظلم، فيما كانت المقهى تزدحم بالفتيات، والفتيان. ماذا تراه يفعل ـ هنا ـ تساءل، وجلس في الركن الآخر، يراقبه، عن بعد.
     لا يفعل شيئا ً. قال في نفسه، عدا انه ـ أنا وهو ـ افترقنا منذ زمن بعيد. هو عمل معهم، وأنا تواريت عن الأنظار.
قلت لك، دار بخلده، إنها لعبة. فهل صدق إنها لعبة، كي يحكم علي ّ بالموت. ولم أمت. هو الآخر هرب إلى بلد بعيد. وها هو ـ مصادفة ـ يراه وحيدا ً يراقب الفتيان والفتيات، الجميع لا علاقة لهم بما مضى، ولا ـ هو ـ له علاقة بما سيأتي.
    أنت أصبحت معهم، وقلنا لك: إنها لعبة، فلا تترك أصابعك تتلوث، ولا ضميرك يغيب.
    نهض، عندما نادته ابنته، وغادر المقهى، ولم يعد منشغلا ً بما رأى.
[54] تفكير!
    عند نقطة التفتيش، سأله الضابط:
ـ لماذا ترغب بمغادرة مدينتك..؟
ـ لأنهم، ببساطة، لا يعملون ولا يدعوني اعمل، لا يزرعون ولا يدعوني ازرع، لا يفكرون ولا يدعوني أفكر، لا يحلمون ولا يدعوني احلم!
ـ ولكنك فكرت..؟
ـ هنا يكمن سر شقائي. قال الضابط:
ـ لكن ثرواتنا كبيرة، حد الكفاية، فلماذا العمل، ولماذا نشقى..؟
ـ تقصد مواردنا التي منعتنا من العمل، ومن التفكير، وحتى من الأحلام..؟
ـ ولماذا تعمل، ولماذا تفكر، وأنت لديك هذه الثروات..؟
ـ آ ... أعدني إلى مدينتي، فلو كنت تفكر لكنت بحثت عن مدينة لم تمض حياتك في حراستها.
[55] اختيار
    " عندما تقول ما شأني بالمليارات السبعة، وهو عدد سكان الأرض اليوم، فهذا يعني انك أول الضحايا، كي يتتبع خطاك كل من يقول: ما شأني، أي: ليذهب الجميع إلى الجحيم، ما دمت انتزعت طعامك من فم الآخر.." ووجد نفسه وحيدا ً داخل جدران السجن، بانتظار من يطلق سراحه، بعد ان قال مع نفسه: إن لم أجد من يساعدني، حقا ً، فلا احد يعرف إنني وحدي اخترت الدرب اللعين!
[56] ديمومة
ـ أمش، أمش، لا تتعثر..
    "لم يعد للموت الهيبة ذاتها التي شغلتني لسنوات طويلة ..."
ـ فأنت جدير بالموت...
   " ولكنني لم أتعثر، أو تلعثمت، أو ترددت، بل كنت اسأل نفسي: من منحهم سلطة تدمير هذا الشعب، وقتل الناس، فلا أجد إجابة. فانا لم أدافع عن نفسي، ولا عن ذنب لم اقترفه. فقلت: الحكاية لا يدوّنها إلا القاتل، فيما الآخر، يكون في عداد الغائبين. وإذا كنت ـ أنا ـ هو هذا الآخر، فان ما دار برأسي، ويدور، لا يمنحني شجاعة مواجهة مصيري، أو برد فعل يناسبه. فالآخر محض أجير، يقتلني، كي يُقتل. وعندما لم يكن مجديا ً مثل هذا الحوار مع أدوات عمياء، مهمتها التنفيذ، ثم التنفيذ، جمعّت قواي كي ألوذ بالفرار. هربت. ومنذ آلاف السنين وأنا اسمع صوته يرن داخل رأسي:
ـ امش، أمش، لا تتعثر، فأنت جدير بالموت.
[57] حافات
    ـ " هل اختلطت علي ّ الحقائق: من كان الجاني، ومن كان يحتمي به، ومن هو الضحية، ومن كان يرتدي قناع الضحايا، أم لا تداخلات، ولا مسافات بينهما، فلو حذفنا أي طرف، لم يبق للآخر ظل أو فعل أو حتى صدى.."
  لمح أصابعه تضاء بلون ذهبي، فثمة حزمة من أشعة الشمس لامستها، مع لسعات برد، وهواء مشبع برائحة أشجار الغابة، سمحت له بالمتابعة:
ـ " هذا يعني ان هابيل لم يترك إلا ظله، فيما القاتل، دوّن هذا الذي يتابع استكمال ديمومته...، لكن قابيل لم يرتو من العثور على ضحايا تعمل مديته فيها، فالأطياف، هي الأخرى، لا يمكن حذفها من المشهد .."
     اختفت أشعة الشمس، وهو يراقب قطرات  المطر فوق أصابعه، وفوق الورقة، حيث ـ بعد دقائق ـ لم يعد يرى الكلمات، ولا الورقة، ولا أصابعه.
ـ " كن ماذا عن الزمن، الزمن الذي ذهب بعيدا ً..في المحو...،وفي: ابتكار مشاهد لا تعرف فيها من كان الغائب، ومن كان يمكن قهر حضوره، إن كان جانيا ً، أو محرضا ً، إنما ـ في الأخير ـ لا مسافات باستطاعتك ان تضع نهاية لها، وأنت ترى الضوء غدا بلا حافات، ومن غير نهاية؟
[58] سؤال
    سأل التلميذ معلمه:
ـ أنت قلت إننا ننحدر من المكان الذي أدت فيه العوامل لظهور بذور الخلق ...، وهي، إن كانت مصادفة أم لا، فإنها بدأت...، فهذه النهايات لها مقدماتها، والسؤال، هنا، هل للمقدمات خاتمة، أم لكل نهاية، ما هي مقدمات في سلسلة  لا نهاية لها من الحلقات ...؟"
ـ من أنت..؟
ـ أنا هو من وجد نفسه لا يمتلك إجابة أخيرة...؟
   اقترب المعلم منه، وسط دهشة الطلاب، وقال:
ـ ألا ترى انك ارتكبت إثما ً لا يغتفر ...؟
ـ لهذا كلما عثرت على جواب اعثر على سؤال يتطلب إجابات لا وجود لها!
ـ حقا ً انك لا تستحق إلا الرحمة، فغفرانك يا ربي!
ـ صحيح، لأن الموت لم يعد إلا حكاية عتيقة، والى رعاية لن تزدهر إلا في هذه الظلمات.
     ومنذ ذلك اليوم لم ير احد التلميذ، عدا ان المعلم، وحده، أكد استحالة غيابه.
[59] حدود
ـ ألا تخاف، وأنت تشهر بالفاسدين، واللصوص، والـ .....؟
ـ ألا ترى هذا الملاك..؟
ـ أراه!
ـ أنا لا اعرف من يحتمي بالآخر، تارة أقول: يا ملاكي، فاحتمي به، وفي الغالب، يقول لي: من يقص حكاياتهم لولاك! فهو يحتمي بكلماتك!
ـ ومن يمدك بالشجاعة..؟
ـ تقصد، من يمد بعمرنا..؟ آ ....، الجواب لا ينتظر فطنة: اللصوص والفاسدين والقتلة! لولانا، لما كان لهم هذا التاريخ. الم أخبرك ذات مرة: لولا هذا النور، لكان من المستحيل إدراك كم الظلمات بلا حدود!
[60] علاقة
    لا يعرف متى فقدت بصرها، فلم يكن يعنيه أمرها. كانت جارته تغادر بيتها، بصحبة كلب، وثلاث قطط، وسبعة طيور، فكان يحرص ان يراها تغادر، بانتظار عودتها. وها هي لم تعد، في موعد عودتها، في الساعة السادسة مساء ً. انتظرها، ومضت ساعة، لم تعد، وهو يجلس أمام البيت، كأنها ـ دار بخلده ـ ذهبت في رحلة ما، أو أصابها مكروه. ومضت ساعة ثانية، استعاد خلالها مشهد الكلب، يتقدم الجميع، تتبعه القطط الثلاث، بحركاتها البهلوانية، فيما الطيور ترفرف، والبعض منها، يدلها على الدرب. لم يشعر بفراغ كالذي تجاوز الفضول، بالرغم من انه لم يتحدث معها، وإنما اكتفى بوجودها جارة تجاوزت الستين من عمرها، وأحيانا كان يحدث أفراد أسرته، في البعيد، عنها، فكانوا، هم أيضا ً، يتساءلون: ماذا حدث لها..، وكأنها جارتهم.  ومضت ساعة أخرى، امتدت، واستطالت، كدهر.  أفراد أسرته كانوا يطلبون منه ان لا يهمل غيابها، فلعلها بحاجة إلى المساعدة. اتصل بجارها، فطمأنه، لأنها، ستعود، بعد قليل. كما اخبره.  بالفعل اقتربت منهما، يتبعها الكلب، والقطط، والطيور.  فقد عاد بصرها إليها، وللمرة الأولى، منذ سنوات،  شاهدها تبكي، فقد أفصحت عن سرورها الغامر بمشاعرها إزاء جار مجهول، أصبح، بعد ذلك اليوم، واحدا ً من أسراها.
[61] ما العمل؟

ـ أنا ذهب زمن فرحي.
فقال الزوج الذي يقف بجوار زوجته:
ـ وهل للفرح زمن...؟
نظر العجوز إلى شريكة حياته، وقال لها.
ـ إذا ً لدينا القليل الذي علينا ألا نفقده.
[33] ديمومة
ـ ألا تعتقد ان زمن الكلام مضى ..؟
ـ هذا إذا كان زمن الإنسان قد بلغ ذروته!
ـ وماذا عن زمن الكتابة..؟
ـ هو الزمن الذي يدوّن عبوره ليغوينا بمواجهة المحو.
ـ لكنك طالما قلت ان هناك ما لم يدشن بعد!
ـ هو هذا الذي لم تستطع الكلمات مجتمعة من حجب ومضاته!
ـ حيث لا كلمات، ولا كلام.
ـ لكنه ليس الصمت، ففي الأخير، تنبت الوردة بما يمنحها سر ديمومتها.

[34] اعتراف
  
    وهو بانتظار صديق لم يره منذ غادر مدينته، قبل عقود، انشغل بإحصاء عدد المقاهي، فوجدها تمتد، مع امتداد الشارع، وثمة أخرى، تلتصق بعضها بالبعض الآخر، من غير نهاية. ماذا يفعلون ...؟ نهض وعانق صديقه:
ـ اجلس، دعني أراك..
 فتساءل الآخر:
ـ ماذا فعلت بنا السنين..؟
ـ تقصد ماذا فعلنا بها!
ـ مازلت مشاكسا ً، ولنبدأ من النهاية ..
ـ هل تعلم لماذا حرصت ان أراك...، تحديدا ً ..؟
ـ .....
ـ ليس لأنك كنت عزيزا ً علي ّ، وتحرص على أداء واجبك، وتضحي بزمنك من اجلنا، فحسب، بل لأنك كنت ترى العالم قرية صغيرة الناس فيها خلية نحل!
امتد الصمت قليلا ً"
ـ أخبرني ماذا تعمل الآن ...؟
ـ تقصد...، بعد مرور هذه السنين، لم يعد لدينا ما نعمله!
ـ بدأنا حياتنا، هل تتذكر بسؤال: ما العمل..؟ والآن لا معنى للآسف، لأننا نختتم حياتنا بـ: ماذا فعل بنا السؤال..؟
[62] مرة ثانية
    " وهل كنت سأتجنب لوم نفسي، لو تجرأت، وأعربت لها عما دار بخاطري....، كم أنت ِ غير قابلة للتلف..."
ودار بخلده، وهو يراها مع المشيعين، تشارك بالدفن.
   لم يقترب،اكتفى بمراقبها عن بعد، إنما أصغى: كانت، كما كنت تقول، مثل فضة الفجر...، لا هي إلى الأرض، ولا هي إلى السماء!
   لم يفتح فمه. قال لنفسه، انه تركها تغيب ابعد من موتها. مصغيا ً إلى الصوت: طالما شبهتها بحزمة ضوء ذاهبة إلى المجهول.
  ولم يكن يود ان يخبرها، انه، انه لو كان قد اقترن بها، فربما كانت قد ذاقت مرارات لا تحتمل...، إنما، وهو يتوارى، كان لا يقدر على إغفال كلمات دارت داخل رأسه: أهي مصادفة ان أرى هذا كله، في هذا الصباح، وكأنه يرجع إلى يوم ما، قبل سنين بعيدة.
[63] لقاء آخر
ـ الم ْ تكن موهوبا ً بلعبة الشطرنج؟
ـ لا اعرف!
ـ كنت حزت المركز الأول، في بطولة الجامعات..؟
ـ وما يهني هذا ..؟
  لم ارغب ان أربكه، فقد كان وحيدا ً يجلس يراقب الزوارق، بعد ان هاجر، قبل نصف قرن، ولم نره بعد ذلك. فسالت نفسي/ وما ـ هي ـ علاقتي بالأمر؟ لكن الرجل نهض واقترب مني، واستأذنني الجلوس. قال:
ـ أنا لم أتخل عن لعبة الشطرنج، بل عن .. سكت، فقلت أتساءل:
ـ لعبة؟ وأنت كنت تتحدث عنها كأنها تدريب ببناء أهرامات جديدة!
ـ جميل.
ـ فماذا حدث..؟
ـ ما كنت اشرع في إكمال أي دست، حتى أجد الموقف فقد بريقه ..، ولا مناص ان تكون النهايات مغايرة لمقدماتها، أي للذي حلمت ان تكون عليه الذروة..
ـ وماذا عن الحرية التي كنت نذرت حياتك لها...؟
ـ يكفي انك، مثلي، تتعكز على هزائمك!
ـ عندما رايتك سألت نفسي، لماذا لم يسطع نجمك؟
ـ آ .....، عندما لا يترك غبار المحو إلا هذه العلامات!
[64] موقف
   بدت له، والضوء يلامس بشرتها الوردية، مثل تمثال لفينوس، يغادر البحر، ثمة زرقة مشوبة بالبياض سمحت له ان يستعيد نساء تتيان، وليس نساء روفائيل، دنيوية نساء فيلاسكيز، ووحشية نساء جوجان، وشفافية نساء بونار، إنما ـ وهي تقترب منه ـ لم يعد يرى شيئا ً. كانت تقف أمامه راغبة ان تقول شيئا ً، قال:
ـ ليذهب الزمن ...
وطلب منها ان تجلس من غير كلمات، بعد ان اخبرها انه لم يأت للمتعة، ولا للسياحة.
ـ اعرف!
ـ من أخبرك؟
ـ حديثك عن الضوء، والزمن، وليس عن فتاه تقف أمامك منذ الفجر!
[65] مفارقة
ـ عندما يرى احدنا الآخر، يتساءل: ماذا حل بك، كيف اجتزت وعورة الدرب، ووحشته، وماذا جنيت؟
ـ هذا إذا حصل ذلك.
ـ صحيح، كدت أنسى، فانا لم ابتعد عن الناس، ولا عن المدينة، بل ....
ـ فقد تسأل: ماذا حل بالآخرين، سأخبرك: أينما تذهب، إن لم تشغلك الأسئلة، تكون الإجابات قد بلغت ذروتها.
ـ آ ...، لم تتغير...، ألم تكن تعلن، بلا تردد: من ينشغل بالوحل لا يرى ابعد من الغبار، ومن ينشغل بالفضاء، تصبح حياته جزء من الضوء! فلا الأول عرف شيئا ً عن الآخر، ولا الآخر رأى شيئا ً!
[66] الأخير
    دعته إلى فنجان قهوة، بعد معرفة لم تمتد أكثر من بضع دقائق. كانت بعمر حفيدته. تذكر  رواية قديمة قرأها وتوارت في قاع ذاكرته، لكنه ليس متصابيا ً. قال لها:
ـ عصر عبور، خاطف، لا يمتد أكثر من زمن زواله..
ـ وهل كان زمنكم مختلفا ً؟
ـ كان كل شيء يشبه سفينة تجرها رجال أشداء.
ـ واليوم؟
ـ الكل يبحث عن هذا الذي يقع وراء هذا ... الأفق!
ـ بل ...، في الأفق.
    قال لنفسه، انه غير قادر للدفاع عن اللا معنى...، بعد ان بدت المعاني له قبض ريح، فما جدوى أرباك مشاعر بيضاء؟
ـ لست فتاه عابرة، أنا فتاة حرة!
   قال للنادل ـ وهي فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها ـ ان تأتي بالحساب، ولم يخبرها ـ وقد غاب ـ ان شيئا ً ما لم يتغير: هناك من يكون في المقدمة، هناك الصياد، وآخر، غير معني ان كان الأخير.
[67] مخفيات
   الهوايات التي وجدها تبعث فيه النشوة، لم يتركها، حتى لو أصبحت تسبب له الأذى والمرارة. فما جمعه من صخور، ومتحجرات، وثلم معادن، وعملات، ومخطوطات،وطوابع بريدية، وعلب سكائر، وفراشات، وأوراق أشجار، وساعات، ونياشين، ولوحات، وتماثيل، ومنسوجات، وصور نادرة ..الخ، تكدست، وملأت البيت، بعد ان وضعها في صناديق، وحماها من الرطوبة، والحشرات، والغبار.
   رفع رأسه وتأمل المارة، أمام غابة ممراتها تفضي إلى البحر، ان الحرب التي دمرت بيته، لم تترك له إلا ان يبحث عن مكان بعيد، يمتد بالرمال، والأمواج، والزمن.
     نهض، وترك أصابعه تلتقط ما وجده من نفايات، شبيهة بالتي انتهى بيته إليها كتل من الرماد، والأنقاض.
     ولم يسأل نفسه: من فعل ذلك...، بل، لذّ له ان يفكر بما يخفيه البحر، وما تخفيه التلال، وما يستحق البحث عنه في الريح.
[68] لقاء
ـ لا اعرف أين رأيتك، فمحياك ليس غريبا ً علي ّ؟
قال الآخر بهدوء:
ـ أنا من ألقى القبض عليك، قبل نصف قرن.
ـ آ ....، لم نلتق، منذ ذلك الزمن، ولكنني لم أغادر بلدي، وأنت ..ماذا تعمل الآن، في المنفى..؟
ـ مازلت اعمل في الجهاز نفسه!
ـ حسنا ً، دعني أراك ....، بعد نصف قرن آخر، فانا سأرجع إلى بيتي، وأموت فيه!
[69] استجداء
   اقتربت امرأة مسنة منه، وسمعها تطلب ما يسد رمقها. أعطاها. ولم يقل لها: أنت لديك وطن تستجدين فيه، أنا كان لدي ّ وطن أيضا ً، لكن الغزاة هدموا بيتي، والمليشيات قتلوا أولادي. أنا أيضا ً لدي ّ وطن لم استطع ان استجدي منه حتى البقاء فيه!
[70] دم العذراء
  جدتي الكبرى، كما قالت وأصبحت كلماتها تكررها الأجيال، كانت تعرف ان حفيدتها ستغتصب، وتقتل، وتدفن في الغابة. ولكنها أوصت ان تقام لها مناحات، لا تتوقف، حتى يوم القيامة. لكنني وجدت الأسطورة لا تدعنا نغادرها. فإذا كانت تعلم حقا ً فلماذا  سمحت للاغتصاب ان يقع، ولماذا لم تحذر حفيدتها منه، ولماذا ـ وكلنا ميتون أو في طريقنا إليه ـ علينا ان نلطخ مصائرنا بتراب دم العذراء التي ستبقى تغتصب حتى قيام الساعة؟
ـ تقصد إننا نقول ما لم تقله جدتنا الكبرى، وإننا نغوي الناس بالأساطير، والأوهام؟
ـ لم اقل ذلك، سيدي، بل أصبحنا نحن نؤدي دور الحفيدة التي عليها ان تبقى عذراء إلى الأبد!
[71] غابة
  سأل نفسه، قبل ان يتقدم خطوة في الغابة: "هل أنا حقا ً في مدينة لا يسألني فيها احد من أين جئت والى أين أنت ذاهب، ما هو اسمك، من هم أسلافك، وأنسابك، وشجرتك، وماذا تريد، وماذا تحمل،...؟" 
    تقدم خطوة أخرى. كانت الغابة تمتد بامتداد ساحل البحر، والسماء بيضاء تلامس حفاتها الماء، لا احد باستثناء الطيور يحوّم عاليا في الفضاء، وعدد قليل من الأطفال يلعبون ...
    لكنه، في الخطوة التالية، وجد سواد الغابة كثيفا ً وهو يحيط به من الأعلى ومن الأمام ومن الجانبين، لا أصوات، ولا ألوان حادة، ولا حركة. فعاد يسأل نفسه: هل أنا في زنزانة انفرادية، أم وقعت أسير كمين احد المليشيات، أم عدت إلى جدران الرحم؟ ولكنه أجاب بلا تردد: سيان! فما ان تغادر السجن حتى تبدأ رحلة المطاردة، والأسئلة، والظنون، والاختباء، والحذر....، فيما تبقى براءتك معك وأنت بحماية ظلمات الرحم!
    توغل، تاركا ً الأسئلة، كل يجد انه آفاق:  كأنها صدمة الولادة، وكأنها تماثل لحظة الانعتاق من الحكم بالموت، أو الفرار من قاتل، لكن كي تعرف كم هذا الضوء سمح لك ان ترى لا حافات هذه الظلمات، وتركك وحيدا ً في المحنة.
   على انه لم يتردد ان استعاد شيئا ً ما طالما دار بخلده،  ان اسمه وعنوانه وماضيه وما دار برأسه يرجع إلى هذه الغابة. وكم ود لو انغلقت ظلمات الغابة بصمتها إلى الأبد بدل ان يرى الطيور مازالت ترفرف فوق البحر، وتحت السماء البيضاء، من غير كلل.
[72] رسالة
   " إن لم تمت فعليك ان تمضي حياتك الآن متنقلا ً بين الأطباء "  وقرأ كلمات الرسالة التي وصلته من صديقة الساكن في نهاية الأرض، مرة ثانية، وهو يجهل ما الموت، وهل باستطاعته ان يقترب منه ويطلب منه الرحمة.  فكتب إلى صديقه " عندما لم أكن أخشى الموت، كنت منشغلا ً بالبحث عن حياة ما أخرى، فلم أجد الموت ولم أجد الحياة إلا وأنا الآن استدرج الموت الذي لا اعرفه كي يخبرني ما الحياة  التي كان علينا ان لا ندعها  تذهب، فالموت وهبني ما هو أقسى منه: انه كان يتركني كلما تعثرت كي ازداد رغبة بالتوغل في هذا الذي لم تعد معرفته تعني شيئا ً يستحق الذكر.."
[73] حوريات
     خرجن من البحر وتجمّهرن من حوله. تقدمت واحدة منهن وخاطبته:
ـ تعال معنا.
ـ إلى أين؟
ـ إلى عالمنا الكبير.
قال بصوت واهن: وماذا افعل هناك في العالم الكبير بعد ان هربت من الأرض؟
ـ ولكن ماذا تفعل وحيدا ً أمام البحر..؟
ـ كنت أظن ان حافات الأرض هي نهاية الدنيا، فجلست انتظر نهايتي!
   آفاق، فلم ير سوى صفحة بلورية تمتد إلى البعيد، وعند الساحل، شاهد صبية يلعبون. وعندما دبّت فيه رغبة المشي، سمع دويا ً آخر، لكن احدهم طمأنه انه مازال على قيد الحياة، ولم يتناثر جسده إلى أشلاء، فتضرع يخبره ان يدعه يرى كيف يعدّن إلى البحر، بسلام.
[74] لقاء
    في المرة الأولى، عندما غادرنا، قبل سنوات بعيدة، رأيت ظله يغيب. وها أنا أرى محياه يقترب مني، يقترب كثيرا ً، وعبر، حتى غاب مرة ثانية.
    هرولت خلفه وأنا استعيد الومضات التي تركها فينا، أخي الأكبر، ذهبت إلى مديري وأخبرته بالأمر...، أطلق سراحه. ثم ـ بعد أيام ـ غاب. وها أنا أراه، بعد عقود، أمامي، كي يغيب مرة أخرى.
ـ تكلم..؟
حدق في ّ ولم ينطق.
ـ تكلم..
   عدت ابحث عنه، كما في المرة الأولى، لعلني اخبره بما حدث لنا، لامه، وللعائلة التي ـ مثلي ـ  انتظرت عودته. أردت ان اخبره ان صورته مازالت ـ بجوار الساعة الخشبية التي ورثناها عن جدنا ـ لم يرفعها احد: ماذا فعلتم بنا..؟
[75] رائحة
  اقتربت منه كثيرا ً، كي اعرف ما إذا كان هو جاري ـ الذي توارى قبل سنوات ـ أم هو آخر:
ـ يا سيدي، الم يكن بيتك بجوار بيتنا، ووالدك صديق والدي، وأمك كانت تزورنا، وكنا ـ أنا وأنت ـ نلعب، وذهبنا إلى المدرسة معا ً، وحاربنا في خندق واحد، وأنت هو من أنقذني من الموت؟
     لم يجب. بالأحرى لم اعد أراه، إنما كان صوته يرن في آذني: الم ْ تر كيف قتلوا أولادي، واختطفوا بناتي، وفجروا البيت علينا، الم تكن تراهم ...، أم كنت ـ مثلي ـ لذّت بالفرار؟
ـ كيف حصل ذلك ؟
    وجدت ظلي يتوارى، هرولت خلفه، كي لا أجد إلا ما تبقى مني حفنة رماد حملتها الريح إلى البعيد.
   عندما أفقت، وأنا لا اعرف متى تحولت إلى صخرة عند ساحل البحر، سمعت جاري يسألني:
ـ متى ستعود؟ قلت:
ـ وهل غادرت؟
    عندما رفرفت أجنحته، استنشقت الرائحة ذاتها التي سكنتني، فلم أجد إلا وأنا احمل الريح معي إلى الدار.
[76] طيور
    ولد لسرب الطيور الأسود، مولود بلون رمادي، مائل للاحمرار، فكان ذلك وحده قد حفز الجميع للتقدم، بمناقير حادة، للهجوم وتمزيق جسد المولود إلى أشلاء، باحتفال دام فترة غير قصيرة.  إنما، بعد عقود، دوّن احدهم، ان سرب الطيور الذي تغير لونه إلى اللون الأبيض، المشبع بالسواد، شهد ولادة مولود بلون ابيض، لقى المصير نفسه.
   ثم ـ بعد عقود ـ غدا السرب  ملونا ً، إنما أيضا ً، ان لا يكون له محدد.
   عندما نظر احدهم في المرآة، في ذات صباح، رأى أسلافه يحومّون بأجنحة لا لون لها، وأخرى مختلطة الألوان، يتقدمون نحوه، من الأعماق، بمناقير حادة، حيث توارى جسده، قبل ان يعرف أي لون كان  عليه.
[77] لوعة
ـ " لا اعرف لماذا ـ وأنا انظر إلى الغابة ـ استعدت اللحظات ....، التي كانت كأنها   خاتمة الدرب!"
ـ " أنا أسمعك، وأنت تريد البوح بشيء ما...." وأصغت الفتاة التي التقاها، قبل أيام، له:
ـ " وأنا في الثالثة من عمري، رأيت فتاة عند الوادي، كانت جميلة مثل نجمة في سماء شتاء بارد، أوقفتني، وسألتني: من أنت؟ تأملتها شارد الذهن، وقلت: من يراك لا يمتلك إلا ان يغيب! صاحت: كم أنت ساحر مثل ومضات هذا الفجر"
ـ " وماذا حدث لكما أيها الشيخ الوقور؟"
ـ " مدت أصابعها وقطّفت زهورا ً برية ووضعتها بين يدي وقالت لي:لا تدع أحدا ً يسرقها منك، وازرعها في الأرض التي ستستقر فيها. زرعتها، أيتها الفتاة الحلوة مثل رذاذ هذا النهار..."
ـ " وماذا ...، بعد ...، ذلك؟"
ـ " وهل ثمة كلمات باستطاعتها ان تبوح بالمعنى، والغابة أمامك، تمتد مع الساحل، تحت سماء مزدحمة بغيوم بيضاء، وطيور ترفرف، وهواء يكتم كل ما كنا نبحث عنه!"
ـ " لم أفهمك..؟"
ـ " وماذا باستطاعة إنسان قديم قدم الدهر إلا ان يكتم اللوعة التي كتمته!"
[78] توازن
بعد نصف قرن، سألني جاري:
ـ كيف خرجت منها..؟
ـ لم اخرج منها إلا وقد سلبت مني كل ما كنت أراه فائضا ً.
ـ وماذا أبقت لك؟
ـ لم تبق إلا الذي تركته لها! وأنت؟
ـ أنا أخذت منها كل ما كنت أريده.
ـ كل الذي لا فائدة منه لها؟
ولا اعرف أكنت أخاطبه أم أخاطب نفسي:
ـ أنا أعماني النور فأبصرت في الظلمات، وهو أعماه الدرب فظن انه رأى شيئا ً..!
[79] جذور
   عندما سمعت ضربات ناعمة فوق زجاج النافذة، وجدت أنني لا امتلك قدرة الانفصال عن الأرض التي رقدت فوقها، ليلة أمس، بعد العودة من الغابة. مددت أصابعي فلم تمتد، رفعت رأسي فكان ثقيلا ً، وعندما حاولت استبصار ضوء الفجر رايته أصبح حجاباً. 
   هل مُت؟ دار سؤال بيني وبين نفسي، فقالت روحي:
ـ دع نفسك بعيدة عنك!
     فمددت أصابعي مرة ثانية أتلمس جسدي كي اكتشف ان جذورا ً نبتت لي وشدتني إلى الأرض، فانا تحولت إلى شجرة! لم يكن لي فم كي انطق، ولم تكن لدي ّ كلمات ابحث لها عن فم، فانا إذا ً لم أولد أيضا ً.
   عاد الفجر يلامس زجاج النافذة، من الخارج، كأنه يغويني بالمغادرة، إنما رأيت السماء تتوهج بإشعاعات لها ومضات فسفورية حادة، فقلت ربما عادت الطائرات تقصف مدينتي، فالعدو مازال يعمل على محونا. قالت روحي تخاطبني:
ـ أنت في مكان امن!
  بدأت الكلمات تدّب لتلامس شفتي، فانا لم أمت بعد، والفجر تحول إلى نهار، بعد ان هربت إلى الغابة ولذت بها فارا ً من الموت، الذي طاردني في مدينتي.
ـ ماذا حدث بالضبط..؟
ـ وهل يعنيك الأمر..؟
    من ذا يخبرهم أنني وجدت جسدي تحول إلى شجرة صغيرة، راحت أوراقها تمتد نحو الضوء، وان جذوري أعتقتني من الهزيمة؟
[80] فراغات
  ما بعد الموت، خاطب نفسه، كالذي ما قبلها، كلاهما لا اعرف عنهما اكثر مما في هذه الكلمات: ما قبل، وما بعد ... الموت.
ـ إنما ليس لدي ّ ما أقوله عن هذا الفرا.......غ، وهو يمتد بالفراغات.
     كان المنتدى مكتظا ً بالرواد، جلهم من النساء، والمنتدى المجاور، هو الآخر، لم يعثر له على مكان للجلوس. اقترب من عاملة المنتدى، وسألها:
ـ أي شيء هو هذا الذي يشغل المسافة بين ما قبل، وما بعد ....
ـ عن أية مسافة تتحدث أيها السيد المحترم؟
ـ لو كنت اعرف لكنت في عداد الأحياء!
[81] خسائر
   توقف يراقب مسيرة احتجاج، ولو كان يستطيع تجنبها لفعل، فالطرق اكتظت بالمحتجين، وسدت عليه المنافذ. همس احدهم في آذنه:
ـ أراك تراقب بلامبالاة.  لم يجب.
ـ إننا نطالب بالحرية.  لم يجب أيضا ً.
ـ أراك غاضبا ً علينا؟ فقال بصوت خفيض:
ـ منذ زمان بعيد قتلتني الحرية، فانا لا ابحث عنها، ولا اعتقد إنها تبحث عني!
ـ حتى الحرية لا تريد ان تربحها؟
ـ أنا سعيد أنني كسبت خسائري، فأرجوك، لا تدعهم يسرقوها مني!
[82] عطر
    مكث يمشي، بلا توقف، متتبعا ً العطر ذاته الذي أعاد له بصيرته في ذات يوم. كان ذلك قبل ـ دار بخلده ـ ولادته، بقرون.
   مضى النهار وحل نهار آخر، ومضى الليل ليتبعه ليل آخر، وخطاه تتبع العطر، من غير كلل، أو وهن، أو فتور.
   وعندما لمح البرق في السماء، ولمح تدفق الغيوم، واشتداد العاصفة، خاف ان يفقد قدرته على الاستنشاق، إنما، ترك بصيرته، بلا تعثر، تتقدم، فكان يمشي خلفها، من ركن إلى زقاق، ومن شارع إلى ساحة، ومن مكان واسع إلى مكان أوسع، ومن حي إلى حي، ليرى انه توقف عند صخرة!
      أشرقت الشمس، وغابت، وحل الشتاء، وجاء الصيف، هبت العواصف، وعاد الربيع، بعد البرد ...، ليكتشف، وهو يتلمس جسده، من الجهات كلها، قد غدا العطر الذي لم يعد يبحث عنه!
[83] إلى الأبد
     لم يغب عنه مشهد الطفلة التي لم تمت جوعا ً، ولا تلك التي قتلوا والدها أمامها، ولا تلك المشردة التي كانت تبحث عن طعام في المزابل، بل الطفلة التي اغتيلت برصاصة كاتم للصوت، كانت مازالت تبتسم، ومحياها مدمى، وشعرها الأسود غطى الأرض...، وهو....، يصطدم، بعدد من الملثمين. شعر ان الدنيا تترنح، وجسده يفقد توازنه، ونظره يغيب، لكنه قاوم رخاوة جسده التي كادت تسقطه أرضا ً. ابتعد خطوات قليلة، ليسمع احدهم يناديه:
ـ يا ....هذا، أتعرف لماذا فعلنا هذا؟
ـ لا!
ـ كي تغلق فمك إلى الأبد!
[84] شاهد
   عندما حشرت جثته بين الجثث الأخرى، تساءل مع نفسه: أكل هذا يحصل من اجل شعب آخر يتشبث بالحياة، وآخر عليه أن يموت؟
   آفاق، غير مصدق، انه ـ رغم الإصابات ـ يمتلك قدرة على التنفس، بل والمشي، بعد ان نهض، من بين الموتى، في ظلام الليل.
ـ أكل هذا من اجل....
 سكت وهو يشاهد عربة نقل الموتى تقترب، وتتوقف في المكان الذي غادره، وترمي بجثث جديدة.
[85] رد
    " لماذا لم تعد ترتجف، أو تتذمر، أو تخاف من .....، البرد، والفاقة، والعزلة ...؟ بل لم تعد تحذر حتى ان تموت ولا احد يعرف بموتك كي ترجع إلى المكان الذي خرجت منه..؟ لم تعد ساخطا ً لا على من أحببت وغدا يحفر لك، ولا على من عمل على دفنك حيا ً..؟ هل لأنك لم تعد تأمل ان تجد موقدا ً للتدفئة، نافذة صغيرة تطل على فضاء عبر جدار يحكيك من الغرباء، والغبار، كسرة خبز تسمح لك بالبقاء حيا ً...، أم لأنك بلغت ذروة الهزيمة، مع انك لم تحلم ان تنتصر إلا على ذاتك، كي تجلس وحيدا ً تراقب الطيور، والغيوم، وأنت ستعود إلى زنزانتك، لا تجد من يدلك على سريرك، ويذكرك بمواعيد الدواء، ويسمح لأصابعك ان تمسك بالقلم، كي تتعلم، انك أمضيت حياتك تحلم ان ترى الحلم يبلغ ذروته....، والسلام!"
     قرأ الرسالة، مرة ثانية، وعندما بحث عن أصابعه كي يكتب، وجدها تقوده إلى رمال الساحل، وعندما بحث عن جسده، وجده يتقدم، خطوة اثر أخرى، نحو الأعماق. وعندما بحث عن الحلم الذي راوده، خلال حياته، وجده قد بلغ الذروة.
[86] جنرال
      عرفه من ظله الرمادي فوق الأرض:
ـ صديقي الجنرال ..
ـ من أنت؟
ـ أنا...، أنا ...، أنا ..
   تلعثم، ثم قال:
ـ أنا من كتب سيرة حياتك!
ـ آ ....، وماذا تريد، والحرب لم تبدأ بعد؟
ـ جميل.
   ولم يقل له، انه بصدد كتابة الخاتمة، بل قال:
ـ لم تبدأ، أم مازالت مستمرة...، أم بلغت ذروتها...، أم ... كانت شبيهة بتلك الحروب التي لم تترك إلا مساحات من الرماد...؟
ـ قل لي، أولا ً: من طلب منك ان تكتب سيرة حياتي، وقل لي، ثانيا ً: من قال لك أنني أريد ان ارويها، وقل لي، ثالثا ً: من أنت، وماذا تريد، وأنا محض عجوز بالكاد امتلك دفع ثمن الجلوس في مقهى ....؟
ـ أيها الجنرال..
    وسكت الكاتب، ودار بخلده، انه لم يأت ليكمل فصلا ً بانتظار نهايته، لم يأت ...، إلا لأنه، هو أيضا ً، بمحض المصادفة، استعاد ومضات أصبحت نائية ..قال:
ـ كنت ـ ومازلت ـ ابحث عن كتابة قصة حقيقية!
ـ وبعد..؟
ـ ألا يكفي هذا ..؟
   ساد الصمت لدقائق. فجأة سأل الجنرال الكاتب:
ـ كيف نجوت؟
ـ بصراحة، كان الموت هو الذي تركني، كي اروي مجدكم!
هز رأسه:
ـ نباهة! إجابة غير متوقعة، لكنك أوصدت الأبواب كلها.
ـ أيها الجنرال، هل بدأت الحرب؟
ـ قل لي: ما معنى ان تعيد كتابة حياة ديناصور لم يخسر حروبه، عدا انه...، وجد نفسه، في الذروة، لا يمتلك حتى شيئا ً يخسره..؟
ـ أنا أيضا ً أقول: كانت حياتي مثل كلمة في عبارة، في ورقة، في كتاب، في خزانة، في بلاد، في بشرية، في ....، إزاء فضاء بلا حافات.
ـ إذا ً دوّن.
ـ لم تبدأ الحرب، كي تنتهي، وعندما تبدأ، اكتب: لن يكسبها احد..!
ـ هذا له علاقة بالحروب ما بعد  الحروب النووية..؟
ـ هذه هي حروب الفقراء!
ـ عدنا إلى القانون الأول: الصياد والطرائد!
ـ ذلك لأن ديمقراطية عصرنا، لا تعني قتل الأب ـ المستبد ـ بل تقتل الأبناء في الأصل!
ـ ومن سيكسب الخاتمة؟
ـ لا احد، قلت ذلك.
ـ لماذا الحرب إذا ً...؟
نهض الجنرال، واقترب من الكاتب، وقال:
ـ أنا الآن مشغول بمراجعة عدد من الأطباء، واحد للقب، وآخر للفقرات، وثالث للأمعاء، ورابع للبصر، وخامس للذاكرة ....، وسادس للمناعة، وسابع ...
ـ كفى!
  وخاطب الكاتب لا احد، بعد ان توارى الجنرال: يتركني الموت عن طيب خاطر! لهذا أرادني ان أكون شاهدا ً، له، أم ضد نفسي، هذا ما سأبقى اجهله، وكلماتي تحجب عني رؤية كل الذي كنت أتتبع خطاه، في الطريق.
[87] سيدة الغابة
      السيدة التي سكنت بجوار بيتها، طلبت مني ان أزورها، قبل ان استعد لمغادرة البيت، والعودة إلى مدينتي. قالت ليس لأنها صاحبة البيت، بل لأنها رأتني اجلس في الشرفة وأنا أراقب الفجر، لمرات، بسكون تام. فهمست ـ او هكذا سمعت ـ :
ـ رأيتك كهذه النباتات!
   كان منزلها يكتظ بالشجيرات، والشتلات، والورود، ومختلف الصنوف، والأنواع، ذات الأشكال النادرة، الشوكية، والابرية، والناعمة، والشبيهة بالصخور، والطيور، والأواني، والأسماك، والنجوم، وبأنواع لم أرها من قبل، بل ولم أشاهدها حتى في الكتب، والأفلام الوثائقية، وفي الموسوعات، نباتات معمرة، وموسمية، ظلية، وأخرى تعشق أشعة الشمس، وقد حرصت ان توزعها حيث بدا لي بيتها، من الداخل، غابة مصغرة. بل وتخيلت فضاء البيت كقلبها وقد غدا زاخرا ً بالومضات، والألوان، والسحر. كانت في السبعين، أو أكثر، إلا إنها ـ بدت لي ـ مازالت تحافظ على حيوية فتاة في مقتبل العمر.
     عندما تعرفت على أفراد أسرتها، الزوج المسن، أولادها الثلاثة، وبناتها الأربع، لم أميزهم عن مشاهد في بستان، حتى عندما أجريت مقارنة وجدت أنهم بعد ان قدمتهم لي بقولها: نباتاتي!، أشبه بكائنات لها هيئات من الصعب عزلها عن نباتات المناطق الاستوائية.
     ثم قدمت لي، بعد ذلك، أحفادها، وقد جلس كل منهم المكان المعد له، كي اجد، من غير إرادة،  أنني تحولت إلى نبات.
ـ أنا أيضا ً أخاف ان يدمروا بستاني!
   لم اخبرها عما جرى لنباتاتي، وحديقتي، بعد الحرب، ولماذا لم افر، ومكثت لصقها، لأنها راحت تحدثني عن بيتي، وزهوري، وعاداتي، وهي النباتات التي أصبحت لها العادات ذاتها التي اشتركنا فيها ـ  هنا وهناك ـ حيث تابعت:
ـ كنا نراكم ...، مثلما كنتم لا تكفون عن رؤيتنا.
    كانت دعوة للإقامة، لكنها جاءت متأخرة. فعندما غادرت، وعدت وحيدا ً، لم ادع أحدا ً يرى أصابعي، وقد تحولت إلى أغصان، وثمة جذور كنت أرها تمتد من جسدي نحو الأرض.
[88] أثير
ـ آ ....، ماذا تفعل ـ هنا ـ أيها البرفسيور...؟
   ومد يده كي يمسك به، قبل ان يتوارى، في الغابة، فلم ير، بين أصابعه، إلا أوراق، وبراعم..
ـ أنت أيضا ً تحولت إلى نبات!
ـ لا ...!
   أفاق، وراح يبحث عن مصدر الصوت. كانت الغابة تطل على الساحل، بلا نهاية. إذا ً ...، فأنت أصبحت غابة؟ حسنا ًفعلت، فانا تحولت إلى أثير.
[89] شرود
   بعد ان لم يعد يكترث، ما إذا كان المتحدث، قد رحل منذ زمن بعيد، أو لم يمت بعد، وما إذا كان المتحدث امرأة، أو رجلا ً، أو انه من الأهل، أو المعارف، أو من زملائه في العمل، فقد كان يجلس وحيدا ً، يقشر حجرا ً ويفتته حتى حوله إلى ذرات ناعمة، كان يسحقها، ليذرها في الهواء. إنما ـ أخيرا ً ـ لم يعد يكترث ـ قبيل ذهابه إلى النوم ـ ما إذا أغلق الباب، أولا ً، فقد كان لا يكترث حتى عندما لم يتركوا له، في البيت، إلا الجدران.
  وفي زيارتي له، منذ أيام، طلب مني ان احمل رأسه إلى الوسادة، واضع جسده فوق السرير، متندرا ً:
ـ كأن للموت حكمة أصبحت عصية، كالحياة، على الفهم!
   فأخبرته بأنني أنا هو الموت. قال بصوت خفيض:
ـ هل جئت متأخرا ً، أم قبل الأوان..؟!
[90] أسف
ـ " ليس لأنني لا امتلك شيئا ً، بعد هذا العمر الطويل، كي آسف عليه. بل لأن الذي سرقوه، ونهبوه، لا يدعوني حتى ان اخبرهم بأنه لا يساوي شيئا ً، وإنما عندما اعترف، لنفسي في الأقل، أقول: إننا كنا شركاء! وهذا ـ للآسف ـ جعلني اشعر بما هو ابعد ....، من الآسف"
[91] خلاص
  قبل ان يتوارى، سمعته يصرخ:
ـ اتهموني بالسرقة وأنا لا امتلك شيئا ً، واتهموني بالتلصص عليهم وأنا أعمى، واتهموني بالكذب وأنا ولدت بفم مغلق....، وها أنا ادهوهم إلى السلام فقالوا ها هو يدعوا إلى الفتنة!
  ومنذ سنوات بعيدة، وأنا ابحث عنه بعد ان رسخت كلماته في ذاكراي، وها أنا اراه يجاس وحيدا ً أمام الصحراء، لمحني، فناداني:
ـ الم تكن أنت الشاهد على ما حدث لي...؟
ـ نعم.
ـ ماذا فعلت من اجلي ...؟
ـ أنت لذت بالفرار إلى اليسار، وأنا لذت بالدرب الآخر.
ـ غريب!
ـ وما الغريب..؟
ـ ان الهزيمة كانت وحدها خلاصنا الوحيد!
[92] هزيمة
ـ تريد ان تعرف لماذا غادرت البيت الذي ولدت، ونشأت فيه...، لماذا لذت بالفرار، ولم أتشبث بالدفاع عنه؟ سأخبرك: لأنهم كانوا يريدون البيت.
ـ لكن لو لم تتخل عنه...؟
ـ يا صديقي، كان علينا اما ان نُقتل ونحن معهم في انتزاع بيوت الآخرين، وأما ان نُقتل ونحن ندافع عن بيوتنا!
ـ لم افهم.
ـ يا صديقي، المسرحية، هي هي ذاتها منذ البدء، اما ان تموت وأنت تؤدي دور الصياد، وأما تموت وأنت طريدة!
ـ والقانون...؟
ـ أنا أيضا ً كنت آمل ان يحدث ذلك، لكن عندما يكون الموت هو الخاتمة التي وضعت مع مقدماتها، فانه لا يسمح بوجود قانون آخر، إلا بوجود كائنات لا تولد ولا تموت، وهذا هو لغز ديمومة كل هذا الذي تراه يذهب، أمامك، مع الريح، ومع الرمال، إلى المجهول!
    عندما عدت إلى مدينتي، كنت أدركت تماما ً اما ان اقتل وأنا مع المهاجمين، وأما وأنا لا امتلك إلا الدفاع عن حياتي!
تونس ـ  كانون الأول 2013