بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 26 أبريل 2014

الهوبزة: وسيلة انتخابية مرفوضة-كاظم فنجان الحمامي


الهوبزة: وسيلة انتخابية مرفوضة


كاظم فنجان الحمامي

الهوبزة والهمبلة والفيكات والبوخات: مفردات شعبية ساخرة, مقتبسة من لهجتنا العراقية الدارجة, لها أكثر من معنى, إلا أنها تشترك كلها في التعبير عن الممارسات الارتجالية الحنقبازية الخنفشارية الزنكلونية التمويهية التضليلية, المشحونة بالزيف والكذب والشعوذة السياسية, التي تفاقمت هذه الأيام في خضم الحملات الإعلامية, وفي خضم تسارع التسارع نحو استقطاب المزيد من الأصوات, وإحراز المزيد من الحشود الجماهيرية بالاتجاه الذي يضمن الفوز بالانتخابات للمرشح المؤمن بنظرية الهوبزة الدعائية.
بداية, وقبل التوسع في شرح أهداف نظرية الهوبزة الدعائية, نذكر أننا نقف مع حملات القضاء على البطالة جملة وتفصيلاً, ونؤيد قرارات التعيين التي ننتظرها منذ زمن بعيد بفارغ الصبر, فالبطالة هي الهاجس الأكبر, وترتفع وطأة هذا الهاجس كلما كانت الدولة تمتلك موارد نفطية هائلة, وعوائد مالية فلكية. لكننا اكتشفنا أن موجة التعيينات الشاملة بلغت أوج قوتها هذه الأيام, وتصاعدت مؤشراتها نحو الأعلى بالتوازي مع مؤشرات الاقتراب من الموعد المقرر للانتخابات. في ممارسات عجيبة تجاوزت التوقعات, فشملت في طريقها أصحاب العقود المؤقتة.
نحن ندرك مآسي البطالة باعتبارها من أخطر التحديات وأشرس معاول البلاء, فالبطالة هي التحدي الأصعب والأكثر تعقيدا, لما يترتب عليها من نتائج مدمرة, قد تؤدي إلى الشعور بالنقص لدى شريحة واسعة من العاطلين, وتؤدي إلى شيوع أمراض اجتماعية مرعبة كالرذيلة والسرقة والاحتيال والعنف والجريمة والتفكك الأسري والاجتماعي, وتردى مستوى السلوك الحضاري, وازدياد منسوب التوتر والحقد الطبقي, وقد تسهم أيضاً في تهيئة البيئة الحاضنة للتطرف والتمرد والانفلات, وبالتالي فأننا في أمس الحاجة إلى التخطيط الاستراتيجي المدروس على المدى البعيد, وليس من العدل أن نظل أسرى للحلول المستعجلة, والقرارات المزاجية المتناثرة هذه الأيام في فضاءات الهوبزة الدعائية والمزايدات الانتخابية, ولم نكن نتوقع رؤية هذا المشهد الماراثوني الذي تسابقت فيه بعض الوزارات نحو إحراز أعلى الأرقام في تسونامي التعيينات العشوائية المتوافقة دائما مع مواسم الانتخابات.
توزيع لقطع الأراضي بالجملة يمنحها أصحاب المناصب العليا, وتعيينات بالمئات يوقعها المرشحون, الذين استثمروا مواقعهم الإدارية واستغلوها لصالحهم, وأفواج من العاطلين يهرولون من شمال العراق إلى جنوبه خلف مواكب كبار المسؤولين, الذين لم يتعاطفوا معنا إلا الآن, ولم يشعروا بهمومنا إلا الآن, ولم يتأثروا بظروفنا القاسية إلا الآن, ولم يعبئوا بمشاكلنا الموروثة إلا عند اقتراب موعد الانتخابات.
من المفيد أن نذكر هنا أن وزارة التخطيط أعلنت في شهر تشرين الأول من العام الماضي أنها وضعت خطة مدروسة للقضاء على البطالة للأعوام الخمسة القادمة (2014 – 2017), في الوقت الذي استقدمت فيه وزارة العمل المئات من الأيدي الأجنبية العاملة من بنغلادش والهند وباكستان منذ ثمانينات القرن الماضي.
ترى ما هو موقف وزارة التخطيط من تسونامي التعيينات الدعائية الموسمية ؟, وهل تعلم وزارة العمل بهذه الهوبزة المناخية المتقلبة وموجات الهمبلة الارتجالية العشوائية التي جاءت توقيتاتها متوافقة تماماً مع حملات الدعاية الانتخابية ؟.
والله يستر من الجايات


الأربعاء، 23 أبريل 2014

مرشح نص دسم-كاظم فنجان الحمامي

مرشح نص دسم


كاظم فنجان الحمامي

لا نريد استعراض اللقطات والشواهد والصور الكثيرة, التي ظهرت مؤخراً على أغلفة بعض المواد الغذائية المعلبة, حتى لا نتسبب بإحراج بعض المرشحين, أو حتى لا نشترك بالدعاية المناوئة لبعض القوائم الانتخابية, ولكي لا يتهموننا ظلماً بالوقوف ضد أو مع بعض الكيانات السياسية. لكننا لمسنا تعدد طرق الدعاية الانتخابية, وتشعب أساليبها الإعلامية, التي تصاعدت وتيرتها في خضم هذا السباق الساخن بين المرشحين, فاستنفروا طاقاتهم الفردية والتنظيمية والعشائرية والمادية من أجل الاستحواذ على أصوات الناخبين, وربما تجاوزوا الآن مرحلة الملصقات واللافتات والمهرجانات الخطابية, وتوجهوا نحو تقمص الخصال الحاتمية, فمنحوا الهدايا العينية والهبات المالية, ووزعوا البطانيات والأدوات المنزلية والمعدات الاستهلاكية, وتفننوا في اختيار مفردات المواد الغذائية على اختلاف منتجاتها المعلبة والمجمدة والمكيسة. أو المعبئة في رزم وصناديق خشبية وكارتونية, أو المحفوظة في العبوات البلاستيكية, وقفزت مجاميع منهم فوق سقوف التوقعات المقبولة وغير المقبولة, فطبعوا بطاقاتهم التعريفية على الأغلفة الخارجية لصناديق حليب البقرة الضاحكة خالي الدسم (نص دسم), المخصص للأطفال الرضع, ربما بهدف ضمان المستقبل البعيد, أو لكسب تأييد الأجيال المولودة تواً, واستعار بعضهم الشعارات الدعائية الأكثر رواجاً لمنتجات شركة (نستلة), وحليب (نيدو) المدعم (كامل الدسم), ليحولها, بعد إدخال بعض التعديلات عليها, إلى لافتة وطنية كبيرة, تغطي واجهات المباني والأرصفة في المحافظات الوسطى والجنوبية.
ووضع مرشحون آخرون بطاقاتهم التعريفية على الأطعمة الجاهزة والتوابل, ولم يخطر ببالنا أن الإسفاف الدعائي يصل حد الابتذال بمجموعة من الأناشيد الهابطة من حيث الكلمات الركيكة, والألحان التافهة, ترددها الفضائيات الرخيصة ليل نهار على مدار الساعة, بترنيمات معادة, تشبه أهازيج وهتافات الفرق التشجيعية في مباريات كرة القدم.
من المفارقات العجيبة أن معظم الحملات الدعائية اقتربت كثيراً من الدعايات التجارية, ولجأت إلى تحوير بعض ماركاتها المسجلة, فانقلب السحر على الساحر بعد افتضاح الأمر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
ويبقى السؤال: إلى أي مدى وصلت المبالغ الفلكية المصروفة على هذا الكم الهائل من الملصقات واللافتات والمطبوعات والقصاصات الكرتونية الملونة, والبطاقات التعريفية, والكتيبات الدعائية, والهدايا العينية والنقدية, والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والندوات والمؤتمرات والولائم والعزائم والمكارم ؟. نخشى أن تقع فواتيرها على رؤوسنا الخاوية, فندفعها من مواردنا الضعيفة من حيث ندري أو لا ندري.
والله يستر من الجايات.

-- 

الثلاثاء، 22 أبريل 2014

تسقط فلسطين وتحيا اسرائيل - * بقلم : د. لبيب قمحاوي


تسقط فلسطين وتحيا اسرائيل : أهي أزمة أخلاقية وضميرية عربية أم معادلات مختلفة لواقع جديد ، أم الاثنين معاً ؟ السلطة الفلسطينية وحماس وعباس ودحلان في قفص الاتهام

 * بقلم : د.  لبيب قمحاوي
lkamhawi@cessco.com.jo
        يشعر الفلسطينيون بالغضب والإحباط الشديدين لما آلت إليه أمورهم وقضيتهم الوطنية بشكل عام . ففي حين ما زال العديد منهم يحظى بالاحترام الإنساني والمهني والتقدير لكفاءاتهم وقصص نجاحهم العصامي، إلا أن القضية الفلسطينية نفسها قد انحدرت إلى ما يمكن أن يسمى الحضيض . وفي حين كان لا يجرؤ أحد ، حاكماً أم محكوماً ، على المجاهرة بالعداء للقضية الفلسطينية أو الحقوق الفلسطينية ، أصبحت هذه القضية بالنسبة للبعض محط الاحتقار العلني والتسفيه المقصود والتجريم والاتهام والشتائم المعلنة والمبطنة . وأصبح التعاون مع اسرائيل أو تمجيدها من قبل البعض موقفاً معلناً ، بل وذهب بعض العرب إلى حد المجاهرة بالكفر والقول بأن فلسطين هي حق لليهود وليس للفلسطينيين العرب وأنهم يؤيدون احتلال اليهود لفلسطين . نستطيع أن نفهم عداء غير العرب للفلسطينيين وللقضية الفلسطينية. ولكن أن يصل حقد بعض العرب إلى حد يدفعهم إلى الوقوع في براثن الصهيونية وإسرائيل نكاية بالفلسطينيين ، فهذا أمر لا يمكن القبول به . وتشدق بعض العرب علناً بتأييدهم لإسرائيل وكرههم للفلسطينيين أمر يدمي القلب لأن عداء الصهيونية ليس محصوراً بالفلسطينيين بل يشمل العرب عموماً. إذا كان ذلك هو واقع الحال فلماذا يجنح بعض العرب إلى هذه الدرجة من الحقد الأعمى على الفلسطينيين والذي يقود إلى التطرف في مواقف خاطئة، بل خائنة؟
       ماذا حصل ؟ وكيف وصلنا إلى هذه الحالة ؟ هل نحن بصدد واقع جديد بأولويات جديدة أم أن ما نحن فيه هو انعكاس لحالة التردي العام والسقوط العربي . كيف وصل الأمر بالعرب إلى حد الصمت المطبق عندما أعلنت كبيرة المفاوضين الإسرائيليين و وزيرة العدل " تسيبي لفني " بأنها زارت إحدى عشرة دولة عربية تطلب منهم عدم التبرع بأي مبالغ إضافية للسلطة
*مفكر ومحلل سياسي أردني
 الفلسطينية وأن الجميع انصاع للطلب الإسرائيلي دون نقاش . وتم، كالعادة ، وضع القرار العربي بدعم القدس بمبلغ مليار دولار في سلة النفايات العربية .  وحتى أمين عام جامعة الدول العربية لم يكلف نفسه عناء التصدي لهذا التصريح ونفيه نيابة عن العرب وحفظاً لماء وجههم.
       ولكن هل كل ما جرى ويجري هو من صنع الآخرين أم من صنع  أيادينا، أم الاثنين ؟
       إن ما جري ويجري للفلسطينيين والقضية الفلسطينية هو في الأساس من صنع القيادة الفلسطينية التي تولت رئاسة المنظمة منذ شباط عام 1969 . وبالطبع فإن دور الإسرائيلين وأمريكا والغرب والعرب كان أساسياً في إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه . ولكن ذلك ما كان ليحصل دون الإسهامات السلبية لقيادة عرفات في تحويل مجرى النضال الفلسطيني وأهدافه من تحرير الأرض إلى تولي الحكم حتى ولو كان ذلك الحكم برعاية الاحتلال .
       ما فعلته القيادات الفلسطينية الحاكمة بالفلسطينيين وللفلسطينيين أمر مروع لا يقبل به عقل أو منطق. والانحدار ابتدأ في حقيقته عندما اختارت قيادة ياسر عرفات أن تجنح نحو السلام دون أن تكون قد أسست له على قاعدة الأنجاز النضالي على أرض فلسطين . والمثال الفيتنامي لا علاقة له بما فعلته قيادة عرفات . فالفيتناميون كانوا يفاوضون عدوهم الأمريكي وهم يقاتلون في نفس الوقت . أما السيد عرفات فيبدو أنه اعتقد ، خاطئاً ، بأن النضال هو وسيلة للحكم وليس للتحرير ومن هنا انبثقت الرؤيا المضحكة المبكية لما أصبح يدعى باتفاقات أوسلو .
       مشكلة السيد عرفات أنه اختار أن يصبح واحداً من الحكام العرب وليس قائداً لثورة عظيمة تمثل القضية الضميرية الأهم في العصر الحديث . وعندما يصبح هذا الخيار هاجساً يصبح التعامل معه بالنسبة للعدو أمراً سهلاً .
        إن انتقال القضية الفلسطينية من وضعها الضميري والإنساني ودخولها نادي الحكام العرب من خلال الطموح الشخصي الأناني لياسر عرفات قد نزع القداسة عن تلك القضية وجعلها سلعة ضعيفة في نادي الحكام العرب وهم بالطبع الأقوى والأغنى . نحن لا ننكر على عرفات مسيرته النضالية ولكننا نستنكر ما انتهت إليه الأمور على يديه ، وتبقى الحقيقة أن الأمور تقاس بنتائجها ، والنتائج كانت وللأسف وخيمة جداً على الفلسطينيين وقضيتهم .
       وفي أواخر سنين حياته ، لجأ عرفات إلى تقريب أنماط عجيبة من المستشارين والمساعدين الذين أكملوا  دائرة الانحطاط المحيطة بعرفات ، وأصبح أحد أكثر الأشخاص غموضاً مسيطراً على أموال المنظمة وحركة فتح وهو الشخص الذي لم يستطيع أحد حتى الآن الجزم بشكل قاطع بإسمه الحقيقي وأصله وفصله . وتم مكافئة الشخص الذي سلم رقبة الاقتصاد الفلسطيني إلى إسرائيل طوعاً ودون أي ضغوط عليه ، بتعيينه رئيسا لوزراء السلطة عوضاً عن تحويله إلى محكمة أمن الدولة بتهمة الخيانة العظمى .
       مات عرفات ولكن بعد أن قَتَلَ القضية الفلسطينية وحَوﱠلَها إلى حائط مبكى فلسطيني، وقزّم منظمة التحرير الفلسطينية ، وترك لنا من خلفه مجموعة من القيادات الضعيفة المُخْتَرَقة ومنهم العديد الذين تربوا في أحضان أجهزة استخباراتية أمريكية وإسرائيلية ، وهؤلاء هم الآن أصحاب الحل والربط .
           إن خيارات القيادة الفلسطينية الحاكمة هي التي أدت في النهاية إلى سقوط القضية الفلسطينية وتقليص الحقوق الفلسطينية ومن ثم ضياعها . فحجم التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية في أوسلو والسرعة والسهولة التي تمت بها التنازلات التي تبعت ذلك فاجئت الإسرائيليين وأصابتهم بالصدمة أولاً ثم بالسرور ثم بالاستخفاف والاستهتار بالفلسطينيين وقيادتهم واحتقارهم واحتقار مطالبهم، مما أدى بالنتيجة إلى تغيير الخارطة الانتخابية في إسرائيل نفسها لصالح اليمين الإسرائيلي . فالسلوك التفاوضي الأرعن للقيادة الفلسطينية أثبت أن فلسفة اليمين الإسرائيلي هي الأصح , وأن الفلسطينيين لا يستحقون أي تنازل، وأن كل ما تريده إسرائيل منهم سوف تحصل عليه من قيادتهم دون الحاجة إلى تقديم أي تنازلات حقيقية في المقابل. ومع أن هذا الموقف كان يستند تاريخياً إلى منطق القوة، أي أن إسرائيل تستطيع الحصول على ما تريد بالقوة، إلا أن قيادة السلطة الفلسطينية أثبتت العكس. فإسرائيل تستطيع الآن الحصول على ما تريد دون الحاجة حتى إلى استعمال القوة . ونتيجة لذلك على الفلسطينيين والمجتمع الدولي أن يتوقعوا سقوط اليمين الإسرائيلي قريباً وفوز أقصى اليمين المتطرف بالحكم. ويبدو أن هذا هو ما تخشاه أمريكا، ليس خوفاً على الفلسطينيين، ولكن خوفاً على إسرائيل نفسها. وكما قال هنري كيسنجر (وزير خارجية أمريكا السابق) "سوف يأتي يوم تضطر فيه أمريكا لحماية إسرائيل من إسرائيل نفسها" . إن خشية أمريكا من تمادي أقصى اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى حد تفجير الوضع الفلسطيني هو الدافع الحقيقي وراء محاولة جون كيري (وزير خارجية أمريكا) للوصول إلى تسوية تكرس كافة المكاسب الإسرائيلية. وما مطلب اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل إلا مثال على هذا المصير الذي ينتظر الفلسطينيين على يد أقصى اليمين الإسرائيلي المتطرف.
          إن مسار القضية الفلسطينية في حقبة ما بعد أوسلو ، والذي أدى إلى إضعافها ، يأخذ الآن منحاً جديداً وأشكال جديدةً خطيرة . فما ابتدأ في عهد ياسر عرفات كجهد نحو تكريس حكم الفرد اقتداءً بالسيرة السيئة لباقي حكام الدول العربية ، تحول الآن إلى صراع بين حماس وإمارتها في غزه من جهة ، والسلطة وإمارتها في الضفة الغربية من جهة أخرى ، وترك بصماته على الفلسطينيين من خلال تكريس الانفصال بين الضفة وغزة , وتكريس القطيعة بين الفلسطينيين القاطنين هنا وهناك. ومع أن المسار الذي اختاره محمود عباس كرئيس للسلطة الفلسطينية لم يبتعد كثيراً عن ذلك الذي اختطه ياسر عرفات , إلا أن افتقاد عباس الى الزَخَم التاريخي الذي كان يتمتع به عرفات جعل الانفصال ممكناً . وقد رافق ذلك استعداد عباس للقبول بأن يكون رئيساً ولو على قطعة  من الأرض المحتلة , مما ساهم في تعميق الانفصال , وإضعاف الوضع الفلسطيني , وتحويل القضية الفلسطينية إلى "ممسحة زفر" للحكام العرب وسياساتهم وصفقاتهم . لقد حاول عباس أن يلعب مع الحكام العرب في ملعبهم , فاستعمل علاقاته العربية لإضفاء نمط من الشرعية العربية على سياساته في التعامل مع حماس وفي توفير دعم وغطاء عربي لصراعه معها . وكذلك على عملية التنازلات المجانية وانتهاك الثوابت الفلسطينية في مفاوضاته مع العدو الإسرائيلي . وأهمية هذا الغطاء العربي بالنسبة لمحمود عباس أنه يفتقر إلى غطاء شعبي فلسطيني لسياساته تلك، فكان لا بد له من استعمال المظلة العربية لتمريرها علماً أن الأنظمة العربية هي مغلولة اليد ومكسورة الإرادة أمام النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، وكل مرادها النجاة والسلامة ولو على حساب القضية الفلسطينية، في حين أنها قادرة على فعل ما تريد في الصراع بين حماس والسلطة . وهذا السلوك أدى بالتالي إلى استخفاف الأنظمة العربية بحرمة القضية الفلسطينية وأصبح استغلالها واستباحتها أمراً ممكناً للحكام العرب الذين طالبهم محمود عباس مراراً بتوفير الغطاء العربي لخصوماته وصراعاته وسياساته وتنازلاته .
       ولم تبتعد حماس كثيراً عن ارتكاب نفس الأخطاء التي ارتكبها محمود عباس. فاللجوء إلى الغطاء الإسلامي لتوفير الحماية والدعم اللازمين لنظام حماس في غزة وبالتالي تكريس الانفصال بين الضفة وغزة ، واستعداد حركة حماس لأن تكون جزءاً من المشروع الإسلامي المنشود في المنطقة ولو على حساب الشقيقة العربية الكبرى مصر ومصالحها، أدى حتماً إلى صدامها مع مصر. وعوضاً عن التصدي لحماس , تم هجوم بعض المسوؤلين والإعلاميين المصريين , سواء عن لؤم أو عن جهالة، على الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، مع العلم أن لا احد ينسى فضل مصر عبد الناصر على الفلسطينيين وعلى تعليم الفلسطينيين ودعم قضيتهم.
         وبالمقاييس المؤسفة نفسها لخيار الاعتماد على قوى خارجية ، تحول الصراع داخل  الضفة الغربية بين محمود عباس من جهة ، ومحمد دحلان من جهة أخرى من صراع شخصي إلى عامل إضافي لشق الصف الفلسطيني . وابتدأت الأمور تتطور في اتجاه الاستزلام وشق الصفوف والاستقطاب بين جماعة عباس وجماعة دحلان . وابتدأ المال الفلسطيني والعربي والمال الحرام والمال السياسي يلعب دوره في خلق معسكرات تؤيد هذا أو ذاك , وكأن الوطن تم تحريره وما تبقى إلا أن يُحكَمْ . والمضحك المحزن أن محمود عباس يعتبر نفسه مناضلاً ومحمد دحلان، يعتبر نفسه مناضلاً . ولكن هذا ليس بيت القصيد كون كلا الشخصين يناضل الآن من أجل مصلحته الشخصية ، وكأن الشعب الفلسطيني مسوؤل عن ضمان تحقيق الطموحات الشخصية لهذا أو ذاك، حصراً، أو ضمان سلامة ذرية محمود عباس مما يمكن أن يفعله محمد دحلان بهم فيما لو تمت له وراثة عرش السلطة الفلسطينية . ومن العجيب ، بل والمحزن , أن هنالك إجماع نادر على كلا الخصمين. كلاهما يحظى بدعم وتأييد وثقة أمريكا وإسرائيل ولكل منهما من يدعمه من الحكام العرب . وأي خلاف عربي على أي منهما يبقى خلافاً هامشياً مقابل دعم أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية المطلق لكليهما. اثنان يتنازعان على حكم أرض محتلة والمستفيد هو إسرائيل . أما بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين , فالخسارة محققة عندما ينحصر الخيار أمامهم في هذا النمط من المسوؤلين .
        الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها السلطة وحماس يرتكبها الآن عباس ودحلان . فاستعمال عصا الحكام العرب لتجاوز المعارضة الفلسطينية أو لكسر إرادتها الرافضة للتنازل, والاستقواء بالعرب في نزاعات فلسطينية – فلسطينية مثل النزاع بين السلطة وحماس أو عباس ودحلان , أدى بالنتيجة إلى استقواء الحكام العرب على القضية الفلسطينية نفسها وعلى الفلسطينيين أنفسهم . إن الدخول في دهاليز السياسة العربية والعلاقات العربية لدعم طموحات شخصية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضرر للقضية الفلسطينية وإلى إخضاعها لتجاذبات التيارات المتعاكسة في السياسة العربية. إن فلسطين والفلسطينيين هم الحلقة الأضعف، حتى ولو كانت قضيتهم الأهم ضميرياً . فحساسية الحكام العرب الآن للقضايا الضميرية والوجدانية تكاد تكون شبه معدومة. إذ من الواضح أن القضايا الضميرية المتعلقة بحقوق الشعوب لم يعد لها مكان في عالم عربي يعاد تشكيله وبإصرار من قبل أمريكا والغرب .
      فقضايا الشعوب أصبحت الآن نكتة سمجة ينظر إليها الكثيرون باعتبارها أمراً انتهت موضته، لا أكثر ولا أقل . أما الأخطر فهو المتعلق بالحقوق الوطنية للشعوب ، ومنها حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه وحقه في العودة إليه . وعندما تنظر الحكومات الأخرى والشعوب الأخرى إلى هذا الحق باعتباره أمراً سخيفاً ، فإن هذا يشكل دعوة إلى القوي لابتلاع الضعيف. ويصبح النظام الإنساني بذلك أقرب ما يكون إلى شريعة الغاب .
       وإذا كان النظام الإنساني الآن يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في الديمقراطية والشفافية، فإننا في الحقيقة ننظر إلى عالم بوجهين: عالم المبادئ وعالم المصالح والخيار بينهما واضح. ومن سوء الطالع أن أكثر دولتين عداء لمصالح العرب والفلسطينيين وحقوقهم هما أمريكا وإسرائيل ، وكلاهما يضعان خيار المصالح قبل خيار المبادئ كونهما قد بنيا من خلال اغتصاب أوطان الآخرين. فهذا العالم لا يعترف بحقوق الأقليات والطوائف إلا ضمن منظور المصالح . أمريكا تدعم مثلاً حقوق الطوائف والأقليات في العراق لتقسيمه وهذا يناسب مصالحها , وتقف ضد حقوق الأقلية الروسية في أوكرانيا لأن ذلك لا يناسب مصالحها.
        قيادات السلطة الفلسطينية ستدخل التاريخ الفلسطيني متهمة ومدانة بهزيمة شعبها وقضيته . وهزيمة الذات هي أقسى الهزائم وأصعبها , وعلى الفلسطينيين العَوَض .

غالب المسعودي - الأنقراض الناعم

الاثنين، 21 أبريل 2014

ذمة ماريا وذمم جماعتنا-كاظم فنجان الحمامي

 Apr 20 at 10:39 PM
ذمة ماريا وذمم جماعتنا

كاظم فنجان الحمامي

لا مجال للمقارنة بين ذمة وزيرة الثقافة والرياضة البريطانية (ماريا ميلر), وذمم بعض جماعتنا من الوزراء والبرلمانيين والوكلاء والسفراء والقناصل والمدراء والقادة الميدانيين وبعض العاملين في الجباية والرسوم المالية.
لم ترتكب (ماريا) أي مخالفة إدارية أو مالية مخلة بالشرف, فكل القصة وما فيها أنها أنفقت مبلغ أقل من ستة آلاف جنيه إسترليني من حسابها الخاص، ومن حر مالها الشخصي، الذي يمنحه إياها القانون البريطاني من صندوق تعويضات نفقات النواب، والذي يحق لكل نائبٍ في مجلس العموم البريطاني الاستفادة منه، أو اللجوء إليه لتعويض نفقاته الخاصة، مستفيداً مما يوفره صندوق تعويض النفقات الخاصة. بمعنى أنها لم تسرق الغذاء ولا الدواء, ولم تهدر المال العام, ولم ترتكب الفواحش, ولم تتورط بالغش أو الاحتيال المالي, ولم تتهرب من دفع الضرائب. لكنهم اتهموها في بريطانيا بالإسراف والتبذير وسوء الإنفاق, وقالوا: أنها لا تتوخى الدقة في التصرف بأموالها الخاصة, فانسحبت التهمة على أدائها الوظيفي, وتركت تداعياتها السلبية على مكانتها الوزارية, فسارعت بمحض إرادتها, صباح الأربعاء, التاسع من الشهر الحالي (9/نيسان/2014), إلى التعجيل بتقديم استقالتها إلى رئيس الحكومة البريطانية (دافيد كاميرون)، الذي قبلها وكلف بريطانياً مسلماً بالحلول مكانها في الوزارة, هو (ساجد جاويد)(1).

لم يجبرها أحدٌ على تقديم استقالتها، ولم يطلبوا منها ذلك، بل كانت حرةً في قرارها، الذي اتخذته بكامل وعيها, ثم ذهبت بنفسها إلى مجلس العموم البريطاني كي تقدم اعتذارها الرسمي للشعب البريطاني.
متى نتعلم نحن في العراق من هذه الحادثة ونستفيد منها ؟، ومتى نستلهم منها الدروس والعبر ؟، فنحن أولى من غيرنا بهذا النوع من المصداقية والحساسية المرهفة تجاه الشعب ومصالحه.
أننا على يقين تام أن سلوك (ماريا) لا يشكل جريمةً في أحكام مؤسساتنا العراقية، ولا في أعرافنا العشائرية, ولا في تقاليدنا الاجتماعية، فماذا يعني هدر ستة آلاف جنيه إسترليني, حتى لو كانت من ميزانية الدول، وما الضير من إهدار ستة ملايين دولار ومضاعفاتها في هفوة من هفوات أصحاب المناصب العليا، وماذا يعني استلام عمولات (كومشنات) بملايين الدولارات.
ختاماً نقول: ألم يشبع بعد أولئك الذين يتقاضون مرتبات شهرية تفوق ما أنفقته (ماريا) من مالها الخاص ؟. ألا يخشى الله أولئك الذين يمنون أنفسهم بمرتبات تقاعدية فلكية تزيد على ما أنفته (ماريا) ؟, ألا يتق الله الذين يقيمون ولائمهم البرمكية الباذخة بأموال خرافية, ولا أموال قارون, ومن دون وجع قلب ؟.
ثم إذا كان بعض قادتنا الجدد لم يذعنوا حتى الآن لنداء رب الناس, ولم يقتدوا بتعفف أنبيائنا وتقشف أئمتنا, ولم يتأثروا ببؤس فقرائنا, ألا ينبغي بهم أن يتعلموا من هذه السيدة البريطانية غير المسلمة ؟، ثم ألا يفترض بنا أن نطالبهم بتقديم كشوف حساباتهم المالية وممتلكاتهم الشخصية ؟, فمتى نطالب بسحب الثقة من المسرفين والمبذرين والباذخين والعابثين والمتبطرين والمتكبرين والمتجبرين ؟. ومتى يتعلم منها الساسة العراقيين الذين يحملون الجنسيات البريطانية ؟.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

صار البريطاني (ساجد جاويد), الباكستاني الأصل, وزيراً لوزارات الإعلام والثقافة والرياضة والمساواة, وهو في سن الرابعة والأربعين, وعضو في مجلس العموم عن حزب المحافظين, ويعد ثاني وزير مسلم في الحكومة البريطانية بعد الوزيرة (سعيدة وارسي) وزيرة شؤون الأديان والجاليات.
--