بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 17 مايو 2014

محمد قريش .. نصوص تلقائية متروكة إلى الآخر !!-

محمد قريش ..
نصوص تلقائية متروكة إلى الآخر !!






  د.شوقي الموسوي
     مابين القراءة والفهم في حدود المشهد التشكيلي المُعاصر في العراق مابعد الحرب ، تواجدت أبجديات الثقافة البصرية المحتفلة بالتأويل والتدليل والتحليل والتركيب والتي اهتمت بانتاج الاسئلة النبيلة من خلال اقتراح تكوينات بصرية ذات منحى تجريبي ، من قبل الفنان المعاصر في العراق بشكل عام وفناني المهجر بشكل خاص ... قبل أيام أشتبكت الذائقة البصرية مع نتاجات الفنان التشكيلي العراقي محمد قريش المغترب في هولندا  والذي قدم معرضه الشخصي على أروقة صالون أكد للفنون ببغداد وبواقع 30 عملاً فنيا وبمختلف الاحجام والتقنيات ...حيث قدم الفنان تجربته الفنية ذات النزعة التجريدية الخالصة والمتوشحة بتقنيات طباعية عالية الحساسية والتعبير..احتفلت تكويناته بالتلقائية الانية وايضاً بالاثر وجمالياته بفعل عمليات التحزيز والتسطيح والترميز والاختزال والتجريد على أرضياته الطلائية ذات العجينة الكثيفة ، فاقترح خطوط وأشكال غير منتظمة وخربشات تقترب من الذاتية الآنية بعيداً عن سلطة العقل لاجل الامساك بالاطياف .هذه التجربة تعد مكملة  لتجارب الفنان السابقة لما لها من منهجية تجريدية خالصة في البحث والتنقيب عن ماورائية المرئي وكوامن وطاقات الاثر ومايحويه من جماليات تقنية تسمح لذهن التلقي من ان تسيح فوق الواقع  في عوالم الصمت الجميل عوالم ملؤها السلام والاحلام .الفنان محمد قريش القادم من عزلته الاوربية من هولندا جاء الى وطنه يستنشق بعضاً من الذكريات من ألوان وملامح لامكنة أختفت بفعل الاحتلال وأزمنة جديدة تفتح الحوار مع الماضي فتنتج نصوصاً تشتغل على فعل التناص والتفوق على الواقع لاتلتزم بالمعنى الموضوعي بقدر احتفالها بالذاتية والفردانية الخالصة واحتوائها على الافكار والجماليات المتراكمة في ذهن التلقي ليترك الفنان  مسالة تأويل مشاهده التصويرية الى الآخر ليصير المتلقي مشاركاً في العملية الابداعية بعد ان كان مستهلكاً في الامس .  



فن الحاضر و اشكالية التحول من الخلق الى ( الانتاج )- علي النجار


فن الحاضر و اشكالية التحول من الخلق الى ( الانتاج )
 
علي النجار
 




سعت ما بعد الحداثة ومنذ بوادر ظهور اختلافاتها الأولى في العقد الستيني من القرن الماضي إلى القضاء على اسطورة الطليعة (الأفان - كاردزم) الحداثية, من خلال تجاوز أطروحاتها الفلسفية والأسلوبية الجمالية، سعيا لإلغاء التمركز على الأنا بجذره الأوربي. لكن لم يكن للإلغاء من معنى, بقدر كونه تفكيكيا وتجاوزا للمنجزات الحداثية الأولى. فالدادائية الجديدة هي الوليد الشرعي لدادا عام(1917). لكن ان كانت الدادائية الأولى عدمية, بسبب من الإحباطات النفسية التي افرزها الهوس التكنولوجي الميكنني, و تداعياته الاقتصادية التي تسربت من تحت خطوط الرفاهية الزائفة الطافية على السطح في نهاية القرن التاسع عشر. فان بشائر وتداعيات الحرب في العقد الثاني من القرن العشرين قضت على سلوكيات الرفاهية لصالح الشك وعدم اليقين. الدادائية وصمت كل معايير الثقافة والفنون السابقة بالدجل والرياء. لكن ثورتها العبثية أطلقت العنان لحرية الأداء والتصور الحداثي بدون شروط وخارج كل الأطر, وكانت الشرارة التي حصدت ما قبلها, لتوقظ ما بعدها .
الدادائية الجديدة, حالها حال العديد من اتجاهات ما بعد الحداثة الفنية, هي الأخرى من نتائج عدم اليقين التكنولوجي. أو نقيضه, اليقين المفرط. وكإيهام عصري تقني يتجاوز افتراضيته. فان كانت الدادائية الأولى تلصق أجزاء اللا فكرة عشوائيا. فان جديدها يبعثر الأفكار في فضاء افتراضي أوسع وأعم.
ما بعد الحادثة هجرت علم النفس الحديث, في بعض من أطروحاتها, وبالذات شق التداعيات الحلمية لفرويد و يونغ. من اجل أحلام أخرى خضعت لمنطقها الخاص المحدد, كفن عرقي(فن السود) أو جنسي(النسوية والمتحولين جنسيا والمثليين) وليتحول المسكوت عنه إلى العلن, ضمن الفوضى الخلاقة بشقيها: المعلن عنه, والمتستر به. وغير بعيد عن سلوكيات اقتصاد السوق العولمي التي تجاوزت(المقدس و المدنس), وأباحت الجسد مجرد مؤدي(بروفانس), وليس مستعرضا. وكان الفعل( هابنس) ومنذ بداياتها الأولى حضورا فنيا اجتماعيا. كما النص(كونسبت) والفيديو - ارت, والإنشاءات المختلفة(انستليشن). وضمن غلبة التصور الإيهامي(ألمفاهيمي) على الواقعي. فان كانت الآلة في الزمن الحداثي الأول ( التاسع عشر) تروس صلبة تدور وتطحن البشر حتى كارثة الحرب الكونية الأولى.فان التقنية باتت اقتصاديات ناعمة غير مرئية تمر عبر شبكات الأثير. وبات العمل الفني أثيرا هو الآخر في بعض من عروضه وتقنياته.
دشن مانيه في لوحته ( فطورعلى العشب) حداثة نهاية القرن التاسع عشر وحرر العمل الفني من مضمونه المقنن ضمن مرجعيته التاريخية, أو مدلولاته الواقعية. منذ ذلك الوقت والفنانون حريصون على إقصاء المرجعيات أو مراوغتها. ما عدى فناني الشرق الأوسط ونظرائهم اللاتينيين والشرق أقصى. إذا تجاوزنا الفن المؤدلج الذي بقي في إسار مرجعية سابقة. اعتقد أن مانيه في عمله هذا هو الذي مهد لعصر الصورة الحديثة المكتفية بذاتها.



عصر الصورة السينمية التي أخذتها السريالية لريادة خفاء العالم لا وضوحه. كما في(الكلب الأندلسي) ليونيل ودالي. وكما في صور( مان راي) و عشيقة بيكاسو( دورا مار) وغيرهم, واحدث منهم. فان كان الغموض الحداثي بعض من نتاج السريالية. فان ما بعد الحداثة هي الأخرى صنعت أساطيرها الواضحة والغامضة, على الضفة الأخرى من ممارسات الفكر البشري. وحيث الآلة التقنية الرقمية. أو مواد العمل نفسه, هي التي تمارس دورها الإبداعي. وما الفنان إلا مجرد روبوت, في حالات كثيرة, تابع لتنفيذ اقتراحاتها. لقد باتت التقنية المختبرية في العديد من نتاجات الفنانين هي الحكم على جودة النتاج. وبات التخصص التقني مطلوبا في تنفيذ المشاريع الفنية, سواء الفردية او الجماعية. لقد انتهى الدور الريادي للفنان الصانع المتفرد, ضمن مشاعة الاشتغالات الفنية. وبات الفنان صاحب البصمة المتميزة, سلعة نادرة. لقد حققت ما بعد الحداثة ديمقراطية اشتغالاتها. وبات الفنان الأكثر انتشارا والأعلى سعرا هو هدفها النهائي. ونجحت في تحويل الفنان من خالق ( كما الزمن الحداثي ) الى مجرد منتج غالبا ما لا يختلف عن غيره إلا في بعض التفاصيل وفي القدرة على تسويق عمله. او قدرة السوق الفني على تسويقه.

* الوهم الافتراضي الأول: الاكتشاف الأول للأطباق الطائرة في تكساس الأمريكية في عام(1947), أي بعد الحرب الكونية الثانية وكوارثها التقليدية والذرية! اكتشاف ملحق أو الحق ليخدم ويغطي على نتائج الحرب, حسب ما اعتقد.



* الوهم الافتراضي الثاني: اكتشاف(زكريا ستيثسن) بان(الأنانوكي) آلالهة السومرية, هبطوا من السماء, ثم غادروا الأرض عام(1700) قبل الميلاد بعد أن تركوا كتاباتهم وعلومهم المتقدمة حضاريا إرثا للبشرية, وبعد أن تزوجوا من نساء العراق وخلفوا, وهم العمالقة !
ان كان الافتراض الأول, كان مجرد تلفيق لخدمة أغراض سياسية, كما اثبتته الوقائع المتأخرة. فان الافتراض الثاني هو الأخر اعتقده تلفيقا لإلغاء الصفة التاريخية الحضارية لسكان جنوب العراق القدماء, وربما لنفس الأسباب. فلحد الآن لم يكتشف من آثار العراق الا القليل حسب رأي علماء الآثار, ولعلنا نجد في المطمور منه حلا لهذا اللغز. المهم أن افتراضات الكائنات الفضائية استولت على مساحة واسعة من الثقافة الفنية الصورية لزمننا المعاصر. بالتزامن والتقنية الروبوتية. وبتوقعات حصول كارثة كونية, أو محاولات لتلافيها. محاولة صناعة هذه الأوهام العلمية والتنبؤية. هي بعض من انجازات ما بعد الحداثة في شق عدم اليقين الفلسفي, ومن ضمنه تجاوز معطيات التاريخ.
منذ بداية الستينات والسؤال المعرفي الفني يؤرق فناني العراق والمنطقة العربية. وكانت الحلول في جاهزية التزاوج مابين الأصالة ( المنجز الفني التاريخي ) والحداثة. وكان حضور الوعي التاريخي طاغيا في أعمالهم الأولى سواء التشخيصية أو الحروفية الشكلية. فهل كانت حلولهم الفنية هذه صائبة بالنسبة إلى زمنهم. اعتقد بما أن الحداثة العالمية وصلت للمنطقة متأخرا نسبيا. ولكي لا يطفو الفنان العراقي أو العربي في فضاء عائم. فكان النسب التاريخي حافز لهم لتأصيل النتاج الفني, ضمن هوس التأصيل, ولو ببعض من الملامح. من خلال معالجة المفردات التاريخية والمحلية بأسلوب حداثي لا يلغي انتمائه للحداثة العالمية. ولا يفقد السمات المحلية في نفس الوقت. وفي النحت كانت أعمال ( جواد سليم ) و ( إسماعيل فتاح الترك ) خير مثال لذلك. بل باتت تشكل إيقونة فن النحت العراقي الحديث.
توفي جواد سليم في عام(1961). وتوفي إسماعيل في عام(2004). جواد لم يشهد الحرب. وإسماعيل شاهد ثلاثة حروب. لم تخل منحوتاتهم من ملامح أثرية رغم حداثتها. وان كانت رسوم جواد تنتمي للعقود الأولى من القرن العشرين. فان رسوم إسماعيل كانت تعبيرية محدثة, مثلما بعض منحوتاته الصغيرة أو الفخارية.



من جيل النحاتين العراقيين الجديد, الثمانيني ( أحمد البحراني ) الذي تتلمذ وتأثر بأستاذه النحات التجريدي ( عبد الرحيم الوكيل ) الذي كان متأثرا بدوره بمدرسة النحت الانكليزية الحديثة. أحمد أعلن اختلافه بمنحوتات لا تشخيصية ( تكوينات شكليه استدارية ) من الحديد, بصياغات متعددة. لكن, وبما انه من جيل الحرب ( كما أطلق على جيل الفنانين العراقيين في زمن حرب الثمان سنوات. العراقية الإيرانية. وشاهد على الحرب الأخيرة (تحرير أو احتلال العراق ) عام(2003 ). وما تبعها من تعرض العراق لموجات الإرهاب والفساد الإداري المستمر. وبتأثير من كل ذلك ارتبط مفهوم الحرب والإرهاب( المتداول ) في ذهنه. وكان من نتائجه انجاز مشروعه النحتي( ماذا لو ) الذي شارك في معرض بازل ميامي العام الماضي.
ماذا لو :
نفذ النحات السويدي(كارل فردريك روترسوارد(1)عمله النحتي البندقية المعقودة, متأثرا بحادثة اغتيال صديقه عضو البيتلز(جون لينون) كإدانة للاغتيال, والحرب متمثلة بأسلحتها, مشروع اغتيال جماعي. ثم تحول عمله إلى إيقونة للسلام, نصب في أكثر من مدينة عالمية. عالج( روترسوارد ) واقعة واضحة المعالم. أحمد البحراني لم يكن كذلك. لقد اخترعت تلفيقات كثيرة لإسقاط النظام الدكتاتوري العراقي.



لكن بالمقابل لم يكن التغيير إلا إعادة لصياغة دكتاتوريات لطوائف متعددة. وضاعت الحقيقة أو الوضوح, ضمن مساحة تعدد التبريرات واختلاط التصورات المصالح والمفاهيم. ولم تبق غير حقيقة واحدة, هي استمرار الحرب او الحروب الداخلية. أو حسب مصطلح ما بعد الحداثة الجديد: الإرهاب.
بيكاسو, الأم تيريز, مندلسون مانديلا, رونالد, غاندي, مايكل جاكسون. شارلي شابلن. سبعة شخصيات ايقونية حداثية وما بعد حداثية, بعضهم ترك بصمة على القرن العشرين. في مجالات متعددة, أو مستويات تتراوح مابين ذروة الإبداع, وما بين الأداء الشعبي. لكن يبقى قاسمهم المشترك هو مجال الإبداع الإنساني السلمي. أحمد استل هذه الشخصيات من محيطها من اجل ان يعالج قضية الحرب, وليس السلم. صنع منها جنودا محتضنين أسلحتهم. فالعالم بات في نظره مجرد غابة والوجود أو المجد للسلاح فقط, ليس للدماغ. هذا ما استخلصه من درس حروب العراق. وإذا كانت هذه الشخوص المختارة من الضفة الأخرى تنكبت السلاح. فماذا بقي للإنسانية كي تمارس وظيفتها.
في عرض بينالي مدينة كوتنبرغ السويدية( خيارات السياسة وتحديات المعارضة) في عام(2007) الذي تناول موضوعة الحرب والإرهاب. وفي مساهمة لفنان روسي, عرض خمسة تماثيل برونزية ذهبية لأطفال عراة بخوذ حربية حاملين أدوات موسيقية في وضع استعداد هجومي. كان هدف الفنان تهجين الفعل الحربي, شخوص وأدوات هي ابعد ما تكون عن فعل الحرب. أحمد كرر هذا الفعل المفهومي, لكن بأدوات الحرب نفسها. فهل من الممكن تصور الأم تيريزمحاربة. أو غاندي أو مانديلا و بيكاسو وغاندي,وحتى مايكل جاكسون بمظهره المبهرج, لكن ربما نتصور رونالدو محاربا. رغم كونه يحارب بطريقته الخاصة في ساحات كرة القدم. لكنه بالتأكيد لا يفضل أن يترك استثمار قدميه. الوحيد الذي فعلها هو الفنان حينما قلدهم أسلحة الحرب, و صاغهم حركات استعراضية, لكنها ليست هجومية على اية حال. هو اكتفى بتقليدهم السلاح لينسخهم شخوصا جديدة, مغايرة لشخصياتهم الحقيقة. فهل الحرب إلا استنساخا لبيادق قابلة للإبادة ليس إلا..
سعى الفنان في عمله هذا لأحداث فعل الصدمة, وهو فعل من أفعال ما بعد الحداثة. كما تعارض وارث النحت العراقي الحداثي. وبصياغة واقعية شعبية ( بوب ), تذكرني بالمنحوتات الصينية الواقعية الاشتراكية. وكان الفنان صائبا في اختياره فريق عمل صيني في التنفيذ. ومنحوتاته هذه اقرب لأشكال المنحوتات الشعبية. لكن بصيغة سياسية افتراضية. والافتراض هنا أيضا هو الأخر من أفعال ما بعد الحداثة, كونه يحمل صفة اغترابه.

يبدو أن بوادر جيل فني عراقي جديد تتشكل رؤاه ضمن مفهوم الفوضى الخلاقة التي من تداعياتها فقدان الكثير من مفردات السلوك الاجتماعي السابق لأزمنة الحرب والحصار. مثلما هو حاصل في مفردات اللغة الشعبية الجديدة التي تسللت للخطاب الشعبي, والتي هي من مبتكرات ضرورات السلوك المستجد ضمن ظروف غير إنسانية يسودها الشك وانتهاز الفرص وانعدام الضوابط الخلقية. اختلاط المفاهيم ضمن هذه الفوضى, أدى إلى النتائج التي عالجها مشروع النحت هذا.







النقائض وحدها كما يرى الفنان هي التي تسود. فماذا لو تسنم كل من شخوصه المختارة سلاحا حقيقيا وانضم لجوقة الحرب. ربما كانوا في صف المحررين, وربما تحولوا لصف الإرهابيين. اليس نحن من نخلق الإرهاب وننميه. ومن ثم نسعى للقضاء عليه, أو على آثاره. فمن يحزر من منا هو المشروع الإرهابي القادم. ما دام الإرهاب مصطلحا ما بعد حداثيا متداولا عالميا. فلنتصور هؤلاء المختارين إرهابيين. فهل تصح معادلة العيش بسلام واردة. أم بات اليأس ينخر نفوسنا. الم تطلق ما بعد الحداثة العولمية السياسية وأجهزتها الثقافية رصاصتها الأخيرة على ما تبقى من مفاهيم الحداثة الإنسانية. بعد أن فككت منظومتها الفكرية والفنية, وعبثت بها على هواها. فان كان الفنان طليعيا في العصر الحداثي. فانه تحول الآن إلى مجرد فرد مؤدي ضمن ملايين الأفراد. وبات متشيئا ضمن أشياء أخرى لا تعد. لكن درس الحداثة لم ينقطع كليا, بقدر كونه تفكك لمفاصل عدة, أحيانا جرى بعثرتها. وأحيانا أخرى إعادتها بطرق وأساليب جديدة, ضمن جدة الأشياء الأخرى. ويحق لنا ان نطلق على المعاصرة حداثة متأخرة. فلكل زمن حداثة وتحديث. والعصر كلمة زئبقية لا ثبات لها.

20ـ03ـ2014

هامش :
1- Swedish sculptor Carl Fredrik Reutersward in 1980: "knotted gun "

الجمعة، 16 مايو 2014

شعرة معاوية وصخرة سيزيف- *أدونيس

شعرة معاوية وصخرة سيزيف


*أدونيس
ثقافات
- 1 -
شاركت الولايات المتّحدة والدّول الأوروبية في صنع «الربيع العربي»، لكن، وهذا ما تؤكّده التجربة، لأسبابٍ كثيرة تهمّها مباشرةً. بين أكثرها دلالةً، الأسباب التالية:
1 - أن يظلّ العرب كما هم، مأسورين، سياسيّاً وثقافيّاً، في لعبة السّلطة، وفي ميدانها المباشر.
2 - أن يزدادوا بُعداً عن القضايا الكبرى: المشاركة الخلاّقة في بناء العالم الحديث، حقوق الإنسان وحريّاته ومن ضمنها حقّ التغيُّر والتقدُّم، حقوق الاستقلال والسيادة.
3- تعميق النّظرة الغربيّة السائدة إلى العرب؛ فهي ترى أنّ العرَب ليسوا إلاّ «ركاماً» من البشر، وإلاّ «سوقاً استهلاكيّة»، وإلاّ «فضاءً استراتيجيّاً». ثرواتهم نفسها لا يعرفون كيف يستخدمونها، مدنيّاً وثقافيّاً وحضاريّاً؛ وهي في المحصِّلة «مُلْكٌ ضخمٌ فاشلٌ». وحيث يُنتَظَر منهم أن يفعلوا شيئاً أو أن يقولوا شيئاً يؤكِّد حضورَهم وفاعليّتهم، وأشير هنا، خصوصاً إلى فلسطين، يصمتون وينكفئون. ولئن كان صحيحاً أنّ «الخروج من أوروبّا هو خروجٌ من التاريخ» كما يقول الرئيس الفرنسيّ فرانسوا هولاّند، لمناسبة الاحتفال بعيد النّصر، فإنّ من الصحيح أيضاً أنّ محاولات إدخال العرب في التاريخ الغربيّ، على الطريقة الأميركية - الأوروبيّة، ليست دخولاً في التاريخ.
- 2 -
نادراً ما خرجتُ حزيناً ومُرهَقاً، من زيارة مُتحف، كما خرجتُ من زيارة المُتحَف الخاصّ بالهنود الحمر - (الأصحّ : ببقاياهم) في مانهاتان بنيويورك.
شعبٌ انقرض (الأصحّ : قُرِض)، وحُشِرَت آثارُه بين الجدران. تستطيع أن تتحدّث مع هذه الآثار كمثل ما كان الشاعر العربيّ يتحدّث مع الأطلال في صحرائه الشاعرة. وهي هنا آثارٌ فنّيّة تبدِعها يدٌ تتخيّل، ومخَيِّلةٌ تعملُ كأنّها يدٌ ثانية.
ترى الإنسانَ في أشيائه التي ابتكرها - لكي يُحسِن الحياة ويُحسِن فهمَ العالَم. أشياء ساحرة فريدة، بدءاً من أبسط أدوات الحياة اليوميّة، وانتهاءً بالأعمال الفنّيّة: مباهج الواقع، ومباهج التخيّل.
- 3 -
أدّت التجربة التّاريخيّة، ببُعدَيْها: الاستعبادي، اللاإنسانيّ، من جهة، والحياتيّ العمليّ، من جهةٍ ثانية، إلى نشوء مدى ثقافيّ وحضاريّ تمثّل في ما سُمّيَ «الولايات المتّحدة الأميركيّة». وهذه تحتضن الآن شعباً غنيّاً في ثقافته، وغنيّاً في تنوّعه وتعدّده، ومؤثّراً في العالم كلّه.
ولئن كان هذا الشعب قد أفاد نظريّاً من تجارب «الاكتشاف» ومن «الاستعمار» و «الإبادة»، فإنّ سياسات الأنظمة التي تعاقبت على قيادته، ظلّت مرتبطة، بشكل أو آخر، قليلاً أو كثيراً، بأصول الثقافة الاستعماريّة. ونادراً ما وقفَت هذه السياسات في تاريخها كلّه، إلى جانب حقوق الإنسان، وحريّات الشعوب، وسيادتها على نفسها ومصيرها، باستقلال كامل. وهي ممارسَةٌ يعرفها العالم غرباً وشرقاً - في أميركا الجنوبيّة، الجارة الشّقيقة، وفي القارّة الأفريقيّة، وفي الشرق الأقصى، وأخيراً في «القارّة» العربيّة. وهي الآن، في هذه القارّة تساند الطّغاة والمغتصبين والمرتزقة وأعداء الحرّيّة والديموقراطيّة. تساند بشكلٍ خاصّ ونوعٍ خاصّ، عدواناً على شعبٍ بكامله، أرضاً وهويّةً وثقافة، وأعني الشعب الفلسطينيّ، وهو العدوان الأكثر ظلماً في التاريخ الكوْنيّ الحديث: ليس ظلم استتباعٍ فحسب، وإنّما هو ظلمُ اقتلاع. وها هم العرب، اليوم، يتقلّبون من جديدٍ بين «رماد» السّلطنة العثمانيّة، و«جَمرِ» السياسة الأميركيّة - ( بين شعرة «معاوية» وصخرة سيزيف)، يتقلّبون - إلى أن يَحين موعدُ دخولهم إلى متحفٍ آخر، ينضاف إلى متحف «الهنود الحُمر».
- 4 -
كلاّ أيها الشعبُ الأميركيّ، ليس في رأس السياسة الأميركيّة شعرة واحدة للحكمة -
لا شعرة معاوية،
ولا شعرة ابراهام لنكولن،
ربما عليك أنت أيضاً أن تتهيّأ من جديد لكي ترفع صخرة سيزيف.
- 5 -
رأسي مليءٌ بالدروب، ولا يريد جسمي أن يتفرّغ لقراءتها. يفضّل أن يقيم حفلة راقصة لكي يحتفي بما يأتي. بين ما يأتي ذاكرةٌ تحبّ النسيان.
- 6 -
عجَباً للذاكرة العربيّة الحديثة:
بيتٌ عتيقٌ ضخم.
لا تتدلّى من سقفه، من زواياه وجدرانه،
من نوافذه وأبوابه،
إلاّ العناكبُ وخيوطُها.
- 7 -
جاء العصرُ لزيارتنا نحن العرب، حاملاً هدايا لا تُحصى:
بينها سيوفٌ قاطعة، ورؤوسٌ مقطوعة، وأعناقٌ تُهَيّأُ للقطع.
- 8 -
إنها سياستُنا العربية:
محيطٌ تبدو فيه العاصفة كأنّها هي نفسُها السّفينة.
إنّها السّلطةُ العربيّة:
إناءٌ مثقوبٌ
يسيل منه الدّم دون انقطاع.
- 9 -
هنا في نيويورك،
أستيقظ في ظلّ الهيئة الوارفة، هيئة الأمم،
وأرى العالم يحترق - بها، منها، فيها،
هيئةٌ لا تتنفّسُ إلاّ دخانَ الحرائق.
الخرائطُ نارٌ
والثّقافة حَطَبٌ وأفران.
يكفي أن تلبس هذه الهيئةُ وجوهاً وأقنعةً مُستَعارةً،
يكفي أن تُقلِّب جسمَها بين نارين، وبين شِواءين، وبين فكّين،
يكفي صمْتاً على امتهان الكائن العظيم: الإنسان،
كلاّ، لم تعُد الأرضُ تتّسع للمجازر.
وأنتِ، يا شمسُ يا شمس،
كلّ يومٍ يُسلَخ جلدُ الأرض،
ألَن تقولي لطوفان ضوئكِ
أن يطهِّر العالم؟
- 10 -
ما هذا الغرب الذي يرفض أن يعرف الشرق،
إلاّ كما يعرف الذئب فريستَه؟
ما هذا الشرق الذي لا يعرف الغرب َ
إلاّ كما تعرفُ الفراشةُ النّار؟
- 11 -
ماذا يفعل الشعب، والكراسي التي تتصارع لكي تحكم أكثرُ عدداً من أفراده؟
- 12 -
تلك القافلة العربيّة الطّويلة التي ينتظرها القرن الحادي والعشرون،
ماذا يمكنني أن أفعل لكي أجعلها تتجرّأ، وتعبر القرون العثمانية؟
وما هذا العصر:
الموتى فيه جنودٌ
والأشلاءُ رايات.
وما هؤلاء البشر الذين ينهمكون في بناء معسكرات اعتقالٍ، احتفاءً بالأزمنة الآتية؟
- 13 -
لو أنّ للوردة يداً،
هل كانت تمدُّها لتصافح الماء ؟
- 14 -
لكن، لكن،
أتجنّب الحِدادَ على ما مَضَى
وأمسِك بيد الفجر لكي يدلّني
على شمسه الثانية التي تتهيّأ للشروق.
- 15 -
كلُّ دروبي التي كانت تتّجه نحو السماء،
حَرَفَتْها خطواتي في اتّجاهاتٍ أخرى.
منذ أن أعَدَّ القتلُ آلاته الباذخة،
وأخذ يجتاحُ الحدودَ،
أخذَ اللصوصُ يبتكرون الأعيادَ
والأناشيدَ الوطنيّة.
العبوديّةُ في أوج ربيعِها:
ترسم الفضّةُ خرائطَ جديدةً للإبادات
- 16 -
يبدو أنّ طريقي لا تزال تبدأ في التّيه،
يبدو أنّ قدميَّ لا تزالان تضطربان في فِخاخ المعنى.
- 17 -
يُصنَعُ للتاريخ كرسيٌّ نقّالٌ من طرازٍ متقدّمٍ وخاصّ.
- 18 -
نعم سأغيّر تكوينَ الطرُق التي أسلكها
سيكون صعودُها سلالمَ
وسوف يكون هبوطها أجنحة.
وأعرف أنّ الشوارعَ ليست آفاقاً، لكنّها ليست أنفاقاً.
الشوارعُ بيوتٌ في أشكال براميل،
تتدحرج مليئةً برمل الأسماء.
- 19 -
شوارعُ نيويورك: معاركُ مفتوحةٌ بين أبناء البشر. معاركُ متواصِلة - تنافساً حيناً. تنافِياً، حيناً آخر. أمشي، تسبق خطواتي أفكارٌ تتنقّل أمامي كمثل عرباتٍ مثقَلةٍ بأشياء متناقضة، لكن دون تنافرٍ.
نارٌ في يدٍ،
ماءٌ في اليد الثّانية: سلامُ النّقيضين.
- 20 -
لكن لماذا لم أكتب حتّى الآن، عن تلك الزّهرة التي وُلِدت من دمِ أدونيس: شقيقة النُّعمان؟
وماذا يمكن أن يُكتبَ عنها - هي القصيدةُ الأولى؟
_______
*الحياة

الخميس، 15 مايو 2014

بانتظار من يبكي علينا-كاظم فنجان الحمامي

 May 14 at 11:32 PM
بانتظار من يبكي علينا

كاظم فنجان الحمامي

مصيبتنا نحن العرب أن ملوكنا وأمرائنا ورؤسائنا الذين حذفتهم علينا رياح التقلبات المفاجأة, توحدوا كلهم باستغلال فرص الالتصاق بكراسي الحكم, من دون أن يفكروا بالتنحي والتنازل لمن هو أكفأ وأخلص وأقوى منهم, وكأنهم اتفقوا على استثمار الشق الانتهازي في البيت الشعري القائل:
إذا هَبَّتْ رياحُكَ فاغتنمها فَعُقبى كُلِّ خافقةٍ سُكُونُ
فتمسكوا بامتيازاتهم الملكية والأميرية والرئاسية رغم أنف كل من قال عنهم أنهم استبدوا وظلموا وطغوا وخرجوا عن المعهود وعن السائد وعن المنطق, وتصرفوا وكأنهم يملكون هذه البلدان الخاضعة لسلطان الملك الأوحد, والأمير الأسعد, والرئيس الأمجد, والقائد الفذ.
فالعقلية العربية المتحجرة, والبيئة القبلية المتخلفة, وقواعد الممارسات السياسية المعمول بها في بلداننا, وغياب قواعد احترام المعارض, ورفض قبول الرأي الآخر, وطغيان حب السلطة، وترجيح المنافع القبلية والحزبية والشخصية على المصالح الوطنية، هي السرطانات الخبيثة التي أبتلينا بها منذ قرون.
قبل بضعة أيام تحدثنا عن رئيس الوزراء اللاتيفي الشاب (فالديس دومروفسكيس), الذي تنحى عن منصبه على خلفية انهيار مجمع تسويقي في قلب العاصمة (ريغا)، وتحدثنا أيضاً عن رئيس الوزراء الكوري الجنوبي (شونغ هونغ وون)، الذي استقال من منصبة على أثر الأساليب البطيئة، التي تعاملت بها فرق الإنقاذ مع ضحايا العبّارة الغارقة، الذين زاد تعدادهم على ثلاثمائة شخص بين غريق ومفقود.
جاءت استقالة الزعيم الكوري في غمرة سخط متعاظم من ذوي الضحايا، الذي اعترضوا على بطئ إجراءات فرق البحث والإنقاذ، فاستقال مساء اليوم الذي غرقت فيه السفينة المقلوبة. قال في كلمته الحزينة: (قررت الاستقالة الآن كي لا أكون عبئاً على بلدي)، وكانت المفاجأة عندما تقدم نحوه والد أحد الضحايا ليصفعه على وجهه، من دون أن يتفادى رئيس الوزراء تلك الصفعة المؤلمة، ثم انحنى أمام الأب الغاضب، مبدياً استعداده لتلقي المزيد من الصفعات، ومعلناً حزنه ومواساته لأسر الضحايا والمفقودين. من غرائب المفارقات العجيبة أن زورقاً سياحياً محملاً بالطلاب غرق قبل بضعة أسابيع في شط العرب, وراح ضحيته تسعة طلاب. لم يبك على فقدانهم  أحد, ولم يستقيل أي مسؤول من منصبه.
وقبل أربعة أعوام كنا نتابع وقائع الكارثة التشيلية, التي هددت حياة عمال منجم (سان خوسيه)، وكيف قطع الرئيس التشيلي (سبياستيان بانييرا) زيارته المتوقعة إلى الإكوادور، ليهرع مباشرة إلى موقع الحادث، ويخيم مع فرق الإنقاذ. لم يكن من السهل التعرف عليه وسط المسعفين، الذين توحدوا في ملابسهم وقلوبهم وألوانهم، وامتزجت دموعهم ومشاعرهم الصادقة لتلبية نداء الواجب. لم يصطحب معه أفواج حمايته على طريقة جماعتنا، ولم يرتد الدروع الواقية، ولم يبرح مكانه. بل ظل مرابطا هناك حتى انفراج الأزمة وخروج المحتجزين سالمين من أعماق المنجم المنهار.
كم نحن بحاجة إلى زعماء بهذه المواصفات الإنسانية، وكم تمنينا أن ننتدبهم للعمل عندنا بعد إحالتهم إلى التقاعد. من يدري ؟، لعلهم يرأفون بنا، ويحسنون التعامل معنا.
لقد أبكتنا مواقفهم الوطنية في تشيلي وكوريا ولاتفيا، لكننا اكتشفنا إننا كنا نبكي علينا، ونتألم على ما آلت إليه أوضاعنا المزرية، وما مر بنا من أزمات وويلات ونكبات، وما رافقها من هموم وأحزان وآلام، ونبكي على أطفالنا الذين مزقتهم العبوات الناسفة، وأغرقتهم الفيضانات الجارفة، وشردتهم الغارات القاصفة، فلم يبك علينا احد، وكأننا شخصيات كارتونية خُلقت لكي تغرق وتموت وتذوب في بحار المصائب والأزمات.
والله يستر من الجايات

فارس حميد أمانة - ارهاصات انتخابية .. الدولة العلمانية أم الدينية ؟

الأربعاء، 14 مايو 2014

د. بلقيس الدوسكي- يا هاجسي






كن معي في كل المواسم






د. بلقيس الدوسكي




يا هاجسي
يا نفخة عطر تجولت في كياني
سأحبس آخر كلمة للعتاب
لأنك أمير فمي
ولأنك سيد قلبي
طف بي في حقول الصباحات
واغرس في أعماقي
بذور الفرح الآتي
حلق بي إلى ابعد الفضاءات
واسمعني آخر أغانيك العذبة
فما أحلى أغنيات عيونك
في هدأة الليل
لا تتركني على ساحل الأمنيات
أملأ مساحة العمر بالورود
ودع عصافير حقلك الأخضر
تلعب معي في أرجوحة العشاق
فيا هاجسي
كن معي في كل المواسم.

* اللوحة فخار لعادل كامل


الثلاثاء، 13 مايو 2014

تخطيطات غالب المسعودي

قصص قصيرة جدا ً-عادل كامل: إلى أعظم شعراء العراق الملا عبود الكرخي.

قصص قصيرة جدا ً


عادل كامل


إلى أعظم شعراء العراق الملا عبود الكرخي.


[1] في كوكب آخر
ـ سيدي، تم تنفيذ المهمة بنجاح.
  ولم يخبر قائده، من غير خسائر، بل طلب منه ان يطلع على الوثائق.
  فقال القائد:
ـ لا أرى سوى مساحة منبسطة وخالية حتى من الأنقاض والرماد!
ـ تم محو الجميع، من غير ترك اثر.
    عندما عاد إلى بيته، استقبلته عائلته، كما في كل مرة، بمرح، وانشراح. ولكنه ما ان راح يشاهد الصور التي تعرضها شاشة التلفاز، ورأى الأرض المنبسطة، تمتد ...، بعيدا ً، حتى أحس أنها أصبحت تجاور أسوار بيته، في المدينة. لم يكترث، فقد أغلق شاشة التلفاز، وقال لأفراد عائلته:
ـ حدث هذا في كوكب آخر!

[2] محو
ـ أنا لم اطلب منك ان تقضي عليهم وتمحوهم ...
أجاب مندهشا ً:
ـ ماذا طلبت منا إذا ً...؟
ـ طلبت منكم، بأسلحتكم النظيفة، بعثرتهم، وتفكيكهم، وليس محوهم.
وأضاف متمتما ً بصوت مسموع:
ـ فمن سيزرع ...، ومن سيؤدي الخدمات، ومن سيهتف بحياتنا، ويعمر إمبراطوريتنا...؟
وأغلق فمه من غير ان ينطق:
ـ ومن سيتضرع إلينا!

[3] شفافية
    وأنا أغادر سيارة التاكسي، وبعد حوار جرى خلال الطريق، قلت للسائق:
ـ لا تحزن ...، فانا لم ابلغ بعد لا درجة الخروف، ولا درجة الحمار، ولا درجة الكلب!
ـ ماذا تقصد ...، وأنت رجل تبدو حكيما ً، ووقورا ً، وعاقلا ً...؟
ـ اخبرني: هل رأيت خروفا ً يفترس آخر، وهل رأيت حمارا ً اعتدى على حمار، وأذاه، أو أوشى به، أو شهر به من غير دليل....، وهل رأيت كلبا ً مزق بمخالبه وأنيابه رفيقه الاخر...؟
قال السائق:
ـ أنا رأيت الكلاب التي افترست أصحابها!
ـ تلك كلاب  الزمن الشفاف، وأنا كنت أتحدث عن الكلاب التي كانت مهمتها حراسة قطيع الراعي، كي تحافظ عليها، من الذئاب.
فقال الآخر:
ـ كي يرسلها الراعي إلى المسلخ!
[4] تمويه
    كان الجنرال يجلس بمحاذاة السيدة المشرفة على التصوير الخارجي، ونظام المعلومات، والأرشفة، وهو يراقب المزرعة التي تم تحريرها من المتغطرسين، سكان الكهوف والمستنقعات والبرية، ولكنه شاهد حركة غريبة لفتت نظره، تجري في إحدى الزرائب، فاستدعى مساعده، وسأله:
ـ ماذا يجري...؟
أجاب المساعد بصوت هاديء:
ـ سيدي، بعض العجول المخصية، تنز على بعض الأبقار العقيمات....، وهذا كل ما في الأمر!
ـ وما فائدة هذه الفعالية، وهذه المشاهد، والعالم الديمقراطي يراقبها ..؟
ـ سيدي، كي لا تبدو أفعالنا، وكأنها تتقاطع مع القوانين الدولية، ولا مع العدالة، ولا مع الضمير العالمي، فقد سمحنا لهذا الاحتفال ان يبلغ ذروته!

[5] رصاصة الرحمة
قال للجلاد:
ـ أقتلني ...، من غير ان أتضرع إليك، فأنت تسليت بي حد انك سلبت مني حقي بالموت!
ـ وهل هناك آخر أتسلى به...؟
   كاد يفطس من الضحك، فسأله الجلاد باستغراب:
ـ أنا أعذبك وأنت تضحك...، وكنت قبل قليل تطلب مني ان أقتلك...؟
ـ لأنك، يا حضرة الجلاد، سمحت لي ان أرى من يراقبك وهو يتسلى بك!
ـ من هذا ....؟
ـ الذي أستأجرك....، وحرمك حتى من رصاصة الرحمة !

[6] وسام الزوال
   سأل أمير أمراء الإمبراطورية العظمى حاشيته من كبار المستشارين:
ـ ما الجديد في هذه المسرحية...، التي تعرضونها علينا اليوم...؟
ـ الجديد انك اليوم، يا صاحب العظمة، انك تستطيع ان تستبدل أطرافك إن تعرضت للتلف، وتستبدل قلبك إن تعرض للعجز، وتستبدل حواسك إن تعرضت للعطب بأخرى، كي يمتد العمر بك، جيلا ً بعد جيل، وولاية بعد ولاية..!
ـ وهل سأحصل على الخلود...؟
ـ يا فخامة الإمبراطور المعظم، ما فائدة العودة إلى نبش الأسئلة العتيقة، وقد دفناها بعيدا ً عن الأنظار، الأسئلة التي عفى عليها الزمن، فأنت اليوم تستطيع ان تستبدل كيانك برمته، عند الضرورة!
ـ إذا ً....، لا أريد ان تكون لي ذاكرة بعد هذا اليوم..!
   ساد مجلس الخبراء المكون من الوزراء، والقادة، والحكماء، والأثرياء، والشعراء، والنبلاء، والعلماء، والماجدات، وكتاب القصص، والروايات، الصمت، ولم يخبره أيا ً منهم، بما كان دار في رأس فخامته:  وهل كانت لي ذاكرة في يوم من الأيام...؟! ثم أمر بمنح الجميع: وسام الزوال!

24/4/2014

الأحد، 11 مايو 2014

لوحات وشعر

سعاد حسن العتابي - عشق الروح

الأربلة والغربلة وما بينهما-كاظم فنجان الحمامي


الأربلة والغربلة وما بينهما





كاظم فنجان الحمامي



الأربلة: ظاهرة سياسية لم يسمع بها العراقيون من قبل، لكنهم يعيشون الآن تفاصيل مداراتها التنافسية المتنافرة والمتجاذبة. ربما أكون أول من استعمل الاصطلاح الجديد، الذي سيأخذ طريقه إلى الانتشار على الصعيد المحلي والإقليمي. فقد صارت أربيل قبلة للسياسيين العراقيين من كافة الكتل والمنظمات والتشكيلات، وصارت هي المحرك الرئيس لفرز نتائج الغربلة النهائية لمحاصيل بيادر التحالفات والتآلفات، فما أن انتهت الانتخابات بجولتها التنافسية المفتوحة حتى هرعت الكيانات المتآخية والمتخاصمة والمتفاهمة والمتناحرة والمتشاجرة والمتشاحنة، فشدَّوا رحالهم جواً وبراً وزحفاً نحو قلعة (هولير), ليعقدوا اجتماعاتهم السرية على موائد (لبن أربيل). عسى أن يُغزِّر لَبنهم، وتجتمع كلمتهم على حب العراق، فيتفق الفرقاء السياسيون على نبذ الطائفية، التي جلبت لنا الهم والغم، ويتوحد وطننا من شماله إلى جنوبه على الخير والمحبة والسلام والوئام.

نحن الآن بانتظار نتائج الغربلة، التي ستحملها لنا مؤتمرات الأربلة، بيد أن المثير للدهشة أنهم توحدوا في التوجه نحو أربيل قبل ظهور نتائج الانتخابات، وقبل البدء بإعلان تشكيل الحكومة القادمة، والأنكى من ذلك كله أنهم باشروا بالتنسيق مع المؤيدين لهم, والتفاوض مع المعترضين عليهم، ومشاغلة خصومهم في محاولات حثيثة للتشويش على بعضهم البعض، وغلق الأبواب المفتوحة بوجه الكيانات التي تقف على الطرف الآخر. وبالتالي فأن حلبات النقاشات العقيمة ستظل متأرجحة بين الشد والجذب، وبين التقارب والتباعد، ما يوحي بأننا سننتظر طويلاً، وربما يطول انتظارنا حتى نهاية الشهر التاسع.

أما الرابح الأقوى، والمستفيد الأكبر في هذا التهافت السياسي على السلطة، فهي القوى الكردية، التي استثمرت قتال الأخوة الأعداء من أجل تعزيز قوتها، فحققت المزيد من المكاسب على حساب التنازلات السخية، التي ستقدمها لها الكتل المغامرة والكيانات المقامرة، وستبقى أسواق المزيدات السياسية مفتوحة على مصاريعها في أربيل لمن يضحي بنا خلف كواليس السيرك السياسي.

أي مستقبل غامض هذا الذي ينتظرنا خلف تلك الكواليس والدهاليز والأوكار الغامضة ؟، وهل لتأخر نتائج الانتخابات، التي لم تظهر حتى الآن, علاقة بمؤتمرات الأربلة ؟. أم أن متطلبات الغربلة هي التي فرضت التريث في إعلان النتائج ؟.  

من نافلة القول نذكر أن فنادق أربيل فتحت أبوابها منذ أسابيع للقوى الأجنبية والعربية الراغبة في خوض مزايدات الغربلة والأربلة, أو لإثارة القلقلة والتحريض على البلبلة. أما نحن أولاد الخايبة فمن المتوقع أن نفقد بوصلتنا بين دوامات الغربلة والأربلة والقلقلة والبلبلة، وربما نضطر لتقديم المزيد من التضحيات والتنازلات حتى يتبين لنا الخيط الأسود من الخيط الأبيض.

والله يستر من الجايات