بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 8 نوفمبر، 2014

-الأوثان [مرتفعات ومراثٍ] عادل كامل/ الوثن الثامن

الأوثان


[مرتفعات ومراثٍ]











عادل كامل/ الوثن الثامن
-


[1]
ليس من جبل أوهى من جبل: البحار امتدت حتى ساريتها: سأقيم لك، أيتها الشجرة، خلاصات النذور. هكذا تتكون تضاريس المراعي: الروح التي انصهرت بخلجان القلائد: الزمرد – السجاد – والأعشاب نوافذ لسوسننا؛ للزنبق فوق كف الدخان: للجوري النائم فوق مناديل المرمر: لك الخلاصات والتمهيدات نياشين عذراوات وبالفصول مطوقات: الم تقل انها تدور بحكمتها، بما لا نرى، ثمرات المدثرة بالماء وحِّناء العيد: أية صخرة أنت أيتها المدثرة بالماء والأغصان: غابة أعلنت مواسمها: أيتها النفس لك المناخات أساور، والساعات معابر، ولنا العمر جسور.

[2]
الحروف؛ تلك فواصل الكلام، لذات النطق، مثلما الوديان تأخذ شكل الوردة: العروسات اللائي طلعن مع البرق وغبن في الأدغال. هي الجسور تأخذنا إليها نحوها، وهي المتاهات مزارات مطرزات بالنعمة، انكسار غيمة فوق الأختام. يا من تنشد للجبال السهول توحدت بأول الفجر. فما المسافات إلا قرارات زنابق، والمواسم إلا رايات قبائل: هؤلاء المارة عند الحافات يجمعون بقايا الليل ، يا روحي إلى أي القرى أوزع فيك فائض الحروف. أمن حاجة لزيادة.

[3]
البحر أيضا جمّع أخطاء الفلك وأخذنا بسلواه: لا ألواح ندّون عليها لون الوعد: كل الثمار معاضد أعلنت الحرب على الحرب .. أيتها الصخرة من لون كهفك وخرج للبرية يضرب بعصاه. كلانا بالظل يستدل، نتعثر بالمحنة ثم بها نفيق: لا نوارس تحمي البحر من امتداد السواحل: والأشجار مفاتيح مقسمات الأبواب: أيتها الرايات لا تقسمي الغرقى إلى غرقى، البحر منارات، ومن كتم أعلن، الصوت نداءات، والمطارق مطارق حتى إن غادرها الطارق.

[4]
عمّ يتساءل الضوء إذا الأنوار أعلنت إعلانها: توحدت برحيلها وتجمعت عند انقسامها: هي الحروف مثل القبائل لا الشعر يوهنها ولا النثر يغنيها: لا منج إلا من منجيها: هي الفصول تداولنا، غيمة للكلام، ومزارات مندرسات بحقوله:  أيتها العتمة اظهري ما في الظاهر، الأشجار ساعات شائخات، والأيام محكمات بدوراتها.

[5]
الجبل موجة، والوردة كتمان.

[6]
اسقط الظل فوق الظل، أم الرماد توزع على الكلام: يا روحي تفرقي كثمرة أمثال، الغيوم جاءت بمفاتيح ينابيعها، وأنا لم أغلق بابي على النسيان: كلانا يوحدنا خرز القلادة، فان انفرطت فهوذا الكتمان.

[7]
إذاً – كل الامتدادات توحدت: الغابة والنار: - أيهما أكثر براءة: أيها الجبل أنا غريق السواحل، ولا مملكات لدى عدا اليد بخاتمها؛ عهدي زنبقة، وعرشي فضاء.




[8]
قبل اليوم لم تكن جاهليتي إلا جاهلية، وبعد اليوم ليست بحاري إلا وديان: خذ ثمرة الشعر لوعة، والحزن أهرمات: الم تر كيف اشتكي الجبل من جبلي،               أثقالي فاقت احتمالات الأثقال: ولست قبل اليوم إلا من صنعها، وبعدها، لست إلا وادٍ بين الوديان.


[9]
هكذا يتكون الذي لم نر، هكذا الامتداد يأخذ شكل الزمردة، هكذا لا تغادرني إذا تركتني، ولا تبق معي            في المكان أو الزمان: الجبال انهار مغلوبات                     على أمرها، والبحر لا يزدهر إلا بمحصنات الطوفان.

[10]
تعالي إلي ّبرداء ما قبل الموت، أعيدي بالميلاد الأوثان، فانا بالجاهلية سوّرت أساوري، وقلدت ممراتي             بانثلامات الوهم. كل ما سبقني يحملني اليّ واليك. لا صخرة إلا محنتها، ولا يعرّف الرماد إلا بالحجر. القلب دقات قفل يفتتح اختتام القفل.
[11]
ولي أقواس ملونات بغيوم المناديل: الفجر ختم على نهايته، ومساءات الحدائق يرقدن بصحبة الضائعات من الأيام: هذه هي ينابيع منابع فضة، بالجواهر أزيّن حبيبي، ولمثواه لا أقول وداع.
[12]
اهو القلب أو الرحلة: لا أسئلة في السؤال: القوس يُشد لغاياته. يا وطن الماء إن شكواي فضاء، وغرقاي بيادر: كل برية ببرقها، وكل صائغ برماله امتداد.

[13]
وهو الجبل كالسهل عنده متاهات: زنابق تخرج منها الزنابق، واليد لا أكثر من سؤال: هي الأعياد مشيدات بالقلائد، والحبيب غبار ودخان: اشتاقت شجرتي لبذرتها، ثم اشتاقت لممر في الأدغال.

[14]
طيب كثمرة نبع، هو صوتي. هو البحر بما ملك من عابرين: إلا ترى – أيها الجبل – كم بحت ولم تبح: عند أور شيدت قراي، وبها درت ودارت، الغرقى ميلاد، والصمت إضافات – كم قلت ولم تقل – أيها الجبل – أنا فلك مبهمات، ولا احد يستدل بباب الحكمة: هذا حبيبي في الوديان تاه، وهذا أنا في المدينة راقد: القلب سؤال، والنوافذ ممرات للأيام: أيا أيتها الساكنة وادينا فاض علينا من فاض، ومن غاب عنا امسك بها ذرات تراب.

[15]
ولهن عذرهن إذا كان لهن عذر: لسن بالجبال أو السواحل ولسن هن الساعات أو المدافن: هن بقايا انثلامات جداول: نسوة الماء اللائي بللن مناديل الغيب: وهن السواتر: أيها البرق أحفظ لنا سواد الراية: الزمردات ضجرات والقناديل زقورات: أيتها الإضافة ماذا لديك العمر أهرامات سياحة، والقلب سارية غابة.

[16]
أيها الياقوت الموحّد ضدي، أنا أنشأني الرمل والماء حفر سره في ّ، الرماد كونني، ثم الطارق بلا مطرقة يطرق: هذا هو عمري سلالات متعرجات .. فتعال يا من أحب، الليل وسادتي، والمحنة بعض كتاب. تعال خذ ما أخذت، ولا تترك للقلب حسابات الأتي.
[17]
تأخذ المطرقة شكل الطارق، والنوارس لون الحجارة. اليد مدية، والحبيب بعض رمال: إلا أيها العارف بماذا تعرف، الليل جرجر وديانه، والزمردات نوافذ منزوعات الوعود. ولن يكف من فقدها عن امتلاكها: الصفحات ما بينهما: ليس من فجر لكي نعود إلى الليل: هذه قيامات قائمة  وأخرى في المخطوطات تقيم: كل حبيب  بما هجر. وكل اعتلاء هاوية: أسحرنا ساحر السحر أم للوهن أسلمنا جنازات للتذكر: هذه العروش طواها صائغها، الياقوتات  انتشلها العابر، والطريق  فضائح تراب.



[18]
وهي مواكب وهي كواكب وإنما ليس لها تدّون المدونات: في الزنابق أسرار فناء، وفي الأيام ساعات لا تحسب بالساعات: وهن الداعي إليها فغادر: ثم بالمفتاح عبرن بالوهن كفنها سياحات: ألا أيها القلب لا تزعم ما زعموا: ليس من ريح إلا وستجرجرها ريح: نصف غائمة هي الروح في اعتلائها، الشاهد وان شهد فما هو بشاهد: الرماد أضاء في اشتعاله، فمن ذا يبصر النور الذي غاب: فعم يتساءل من أضاع كتابه؛ ألا أيها القلم لا تحسب إن المطرقة، فوق المطارق ستهدم التذكارات.
[19]
ما الذي أوقفك بينهما، أم كان محض انتظار: سواك جاء كأنه غادر، وسواك أعلنها بلا أعذار – أم تلك كانت الواقعة، وبالأسباب اشتبكت عليك الأسباب: وسواك مسها خسرها وربحها، فما الزمن يقاس بالزمان: إن تلبسك الوهم حتى صرت زينته، وسواك لم تله به الأقدار: امتدت بهم مثلما توقفت عندك: وما سبقت الساق الساق الأنظار: سواك رحل، والراحل فيك اعتذار، إن أبصرته أم حجب عليك الإبصار.
[20]
بظله ختم الخاتم قفل الأقفال، منح الرياح نشوة الأدلة.. فعّم تتساءل الأشجار: هذه الفلك خرز قلائد ماء: يا أمواج روحي من ذا يغلق معبدي إذ أنا الحارس أنا الباب.
ويقولون له أأضاعك ظلك أم أنت صرت له دخان: هن النسوة اللائي جمعن خطاب الأضداد وهن اللائي أقمن الآمال مزارات أعياد: ويسألونك عنها كذئب حمى الحمل من الضياع، وتاه من أول النفس عما بها من ضياع وضياء: هو البرق لم يدلنا  ولكنا كنا له البراق: هذه الأوثان اشتعلت بنار جاهليتها، وما أفاقت إلا والآمال كانت لها دخان. وإنما الأطياف ببخور غائبها عيدت وأعلنت بالأعياد قيام الأعياد.

[21]
بين البرية والباب متاهات محكمات الفتح ينغلقن إذا دنا زارعها كطابوقات مهملات مللن خطابات الأعياد: أغادرت وفتحت لنا باب الانفلاق: ما الغابة إلا ثمرة صمت، وما الكلام إلا أزمنة رماد.
[22]
وتنطق الصخرة مثلما الميت بالحداد أقام على الأموات الحداد: لم نترك نورك أيها الظل وقد تآخت بك الأضداد  وما تفرقت القبائل  وما تمزقت الرايات إلا لغايات معلنات وأخرى كنسوة أقمن أعراسهن بأكفان مناديل مطرزات وغير مطرزات: ماذا تقول غيمة استجمعت نذورها مملكات بائدات: لا أهجو الظل المنتزع من الظل، إنما القلب بخطاه دوّن أسرار المؤودات: وماذا تبقى وكل بغايته تاه: هذا يقيني بعض زمردات أقمن الحد على الزمردات: أبين الياقوت شكوى: لا تحجبوا عني حجاب من حجبني: أنا لنوره ناديت المتاهة أن تأخذني أن توحدني بالمتاهات.

[23]
لا مودة إلا بقفلها: اللائي شرعّن شراعات الغرقى أدلة، اللائي أوصدن الماء للنار مرايا مكتومات،            واللائي بفتح الوعد طرزن بيانات العهد: هّن المخبآت رحمتهن بالأقفال، المتعطرات بدم الثمرات؛ هن المدن          المفضوحات برايات الخلافات، هن المتصالحات إن            جمعن المثوى، وأكثر أكثر هن المتخاصمات في اليقين، يقمن العدل قيامة لا تمسهن أضواء المخطوطات. ويغادرن           كأن يد الرياح جاءت بالصفحات لمحو الصفحات. لا مودة إلا بقفلها. ولا بحر إلا بغرقاه.

[24]
أي الأيام سحبتك إليها، جرجرت مجرجرها برفق اللا مسميات: أتهت لتمسك بها، أم ضاقت  بك فغادرتها: هذه هي ولائم الرمال بيانات الإقامة: أيها المعنى أقم على نفسك ما أنا بباحث عن معنى، للشيوخ وصايا، وللحروب قامات، للنسوة الخدرات ثمار يانعات، وللموؤدات         جنات، لهم ولهن       وما        لنا منهم ولا منهن إلا أطراف مجادلات.
[25]
أدلتنا الشجرة أم أضاعتنا، الرمال توحدت بالعظم وتآخى أولنا بآخرنا: هذه قلائدك البيض ينقطعن جمرات مناديل: وهذه يدك بالخاتم اخترعت مسارات الغيم : ليس من مدافن أيتها الجدران لنا أو لكم: القبائل رفعت نياشينها، والنهار بليله تبادل أسرار المحو: لأي قبر أعددت نفسك أيتها المخطوطات المجروحات، وبأي الأوراق سأناديك يا أيتها الأيام، هذه مدافننا مبعثرات والساعات لملمتنا خارج سنوات الخطة: لا تبدل الكلمات إلا بكلمات، إنما خاتمة القلب ستبقى منحدرات تتلوها منحدرات، كل سر بعدمه: هذا مجراك فخذ ما تركت، ناولنا غبارك سكرة غفلة، فالعواصف لم تبدأ بعد.
[26]
روضّت النار وتصالحت الأعشاب: تزين الليل وانشق القمر: السنا نروض أنفسنا، حتى قاع البئر: وبالمباهاة، مرة اثر مرة، نقدم أزهار العمر هدايا، حالات زمرد؛ وفي الأقفاص في الأسرة في التراب يختتم الوعد بيد تخط بالتراب اعترافات الأوراق. أيها الفضاء تماسك ففوقك فضاءات.



[27]
ثم نهض الغريق النائم، ثم أفاقت الحشائش، ثم مر في ذهابه / الضوء / إلينا، ثم استدارت الزمردات برمال تحركها مناديلها، ثم رقد ضياء القمر ممتزجاً  برائحة الضفاف .. ثم .. ثم، أنا وهي عدنا إلى الفاصل الموازي للزقورات، ثم تحولنا إلى وردة واحدة الأبعاد، وليس لنا أكثر من منديل واحد للمنحدرات.
[28]
ليس أكثر من هذا، يقينا، عدا الوهم؛ صخرة جنب صخرة، أو رماد سيتوهج ابد الوهم؛ ليس بالأناشيد يعرف المنشد، ليس بالنشيد للفم شكل الصفحات: أيتها الأطياف تجمعي، الكلمات ليست للمتكلم، والناطق مبتلى بالصمت: يا من الممرات أقامت له العزاء، والخرائب السلوى، يا من البحر أهداه ذاكرة الجبل، والسهل بعض ثمار البينات. يا من التراب نهض فيه حدائق، والمدن مقابر جماعية – هذا هو ذاته يمتلك براءة السلالة، نشوة الدم، وفضائح اليد المهملة.




 [29]
زارني العائد من منافي الحلم، زارني القادم بمسودات الأصوات، زارني الذي لم يجدني، أخذني، ثم بدأت الزيارة.

[30]
غادرني تاركاً مخطوطات السحر، منحنيات المدن شبكات النهار، غادرني مثلما لم يأت، الفصول المطرزة بخيوط الأمطار، ومثلما تم ذلك بلا عناية، لم استنجد بخفايا الإقامة.كان الفصل هو الاسم، وكان الاختلاف وحدة، وكانت اليد فوق الرمل تتآخى بالمدافن. قال المتكلم الاسم فعل، وبعودته لم يأت. وبرحيله أضاءت القلائد، هذا هو الرضا بلا مبالاة الأعياد. لم يهن القلب، ولا الوهن أتعبته المشاهدة: كل منا اشتعل بأسواره، الروح البيضاء أبدا لم تتدثر، ولا فصول النعمة اضطربت، كان المشهد بلا أفعال بلا أسماء، والخاتم لم يختتم المشهد، ولا العابر تطيب بما عليها. بينهما كان الخط يتدرج بعيداً عن الضوء والعتمة. لم يكن لكي يكون: حمل معبده قبل أن يكون عابد. وكان العابد بلا جدران.


[31]
ليس شرطاً أن تعيش لكي تكون عندك حكمة: ليس شرطاً أن تذهب للحرب لكي تنتصر: ليس للشرط       شروط، المودة فضاءات، والحدائق قد لا تعرف بمن فيها،    ولا الممرات بالعابرين. ام هذا لا يعرف إلا بهذا.الولد الطيب بالقبر، والعاشق بأحفاد يخترعون الشروط المضافة.
[32]
في أيام يتطلب أن لا تعلن فيها إلا توقد نوايا اليد أو القلب، ماذا بإمكانك جنيه من بعثرة الإشارات، تحريك الفاعل في سكون الأفعال، وإبدال الفواصل بنقاط حرس: ماذا بإمكانك أن تجني، بالزرع أو بما قبل الحصاد. الحكيم يدرك أن حكمته بلا حكمة، يفتح بابه أم يغلقها، الغرباء هم الدار.

[33]
أكان مثلما يقال: أن نسوّر الغابة لكي تكون غابة، وان نملأ البحر بالغرقى لكي تكون السواحل. أكانت الأفعال اختراع الفاعل، أم كان الفاعل سيد الأفعال: أكان للشرط، مثلما للزرع، بوابات وقبائل: لقد وضعت الحجارة مرضعها وتطيبت للموت .. فلم تكن للقلائد أو الهذيانات المبررات خاتمة للحكاية.
[34]
ولم تكن المبررات كاملة الرشد، أو فاقدة العفة، لم تكن بالجملة كعرش، ولا موؤده.
كقبر فوق قبر، كان الفاعل غير الفاعل، والأفعال بلا شرط الفعل. أما آن لهذه الساعات الخربات من خراب الملوك، أما آن للصمت أن يتجلى بلا نطق، والناطق بلا رنين مفاتيح الليل: أما آن للصفحات أن تكون مخطوطات بلا مداولة، والعملة بلا أسواق.

[35]
هي البذرة خرجت سارية، مثلها مثل الأنعام والدخان: أو لا تبصر شواهدها: فوق مدافنها مدافن، وقطرة الندى كسرتها الأيام. لا السبت بسبت ولا الخاتم لبكارته أسرار: ادخل روحي كأنك مقيم واخرج منها قبل الأوان: لا أنت وضعت الميزان، ولا أنت منحت البهتان للأيام: وليس فيها ما لك فيها، كل لميزانه ميزان: هذه النار أغضبت حجارتها، وباب هذا الكهف أغلق عليها التذكر والنسيان.

[36]
ومحي مدّون الأيام زينتها، لا عهد ولا قرار: فعّم يتساءل من فارقها قبل أن يخط لها الأوثان: يا أيتها البيعات اتنجدينا بولاء بيعة، أخذتنا السواحل مثلما المدن صرنا لها غبار، لهونا بخيوط فضتها، ولعبت هي تبذر الكلام. لا أقول لنا موعد  عند صائغها، مشفيها أو معالجها            تساوى نذر عاشقها بعشق هاجرها: وما هجرنا وما هجرت، الرياح بعثرت مبعثرات الساعة، ولا ما بعد السبت إلا بيوم من الأيام: هي الأسماء متاهات أسماء، وما الأساور إلا بقايا دخان.

[37]
بأي العهد كان العهد، وبأي البيعات يختتم الوعد: توقدت توقدت حتى توقدت، وقلت ها أنذا لا امسك إلا بهذا الحد، الفجر أسكرني حتى أفقت: أهذا أنا أم أنا هو هذا الدرب: يا من تاقت لمسامعه روحي دعني به امسك: ليس عندي سواه مصاب، قبر لي ولا آخر له، فمن ذا يدلني والكلام حجاب.
[38]
لا تحجب عني حجابي عنك: النور كوننا متاهة، والأعياد لملمتنا رماد: هذه نوافذ القبيلة أغلقت آبارها، جدب القلب بالأخذ أو العطاء: الفصول عندي مرور قوافل، والكواكب تذكارات لتذكارات: ولا ينبغي عليّ بالحكمة الاستدلال على استدلال، وهن العظم، والروح انشطرت: أنر يا نور أنوارنا، عند العتمة أقمنا، قرانا نجوم مطوقات، كحمامات دخلت الموت مكسورات الجناح، أبهذا تزخرف الأيام زخرفها، وينقش بالمرمر انتعاش رفات الأموات.

[39]
الخيط يستدل بآخر حتى اكتمال الدورة: لا ثأر: الوردة آخرها وردة، كقبر، أيتها اليد لا امتدادات عند حواشي النوافذ: المهجورات يحملن العودة لنا يفتحن الماء، والجبل كظيم. يا أيتها الأنامل الموائد أبر. تخرج الروح من قفاها. العاصفة جرجرت أوثانها، آفاق من عليها، السياف بسيف النور، والوهم طّبال لجلالة الجذع. أي رطب للميلاد يتساقط أقل نضجاً من مكتشفات الساعة، وما الساعة، قال عّراف  الأعياد ما قامت بعد؛ المتعكزون يرتبون فصولهم القادمة، وأنا بمعالجة عقارات الأسلاك أشكل بيارقي، استنجد بالخيط، أما من راية ثامنة للأيام. ماذا بعد انغلاق الباب ماذا بعد الجمعة ؟ - أيام الزمن تولول، والضجات تختتم بنقطة.

[40]
ابك جمرة شوق .. أم بك اشتياق للجمرة: أيتها الجمرة أي منديل يلملمنا قبل قيام البرق، قبل قطف الثمرة، قبل تسوس مشروعات العمر. قال كاتم أسرارها مضى العبد بالعبد: والجمرة لا تأتي بالجمر .. وما أيامك إلا رسم تلاه رسم، هذه هي الأطلال وقد ولت، يا أيتها الحدائق اكشفي عن برقعك أطيافي اشتاقت وأنا خالٍ من البراءة. اكشفي سترك أيتها المحصنة يا مدينة الدهر. فما الوردة إلا بسرها، ما العهد إلا كل الاماسي والاستراحات أوراق وتائهات، والوهم أزال الوهم: توهج بالانطفآت ولا تتبرقع بالظلال.
[41]
استشيدون، عند مثواها، مثوى بالمرمر يغار منه التراب، مثلما لا أعرف، كيف اجتزنا السلالم وسط المفترقات: ليست هي النيات قد جرجرتنا، لكنا كنا بعضاً منها.  فإلى أي سبيل يدعو من يدعو ؟ - : تغار الأشكال من صانعها. ثم جرجرونا بالمؤودات والعهود. وآفاق التائه يمسك بخيط حكمته. فعم الأطياف اضطربت .. هي الإقامة إقامة، وليس من فائض في الدعوات.

[42]
ثم تنبش المخطوطة من ركام الضوء، فك كفن الوردة، فعم يبحث الأعمى، والحجاب رغبات. ويأتون بالذي أتى، ويرحلون في البقاء، كل لدعواه داعٍ، والدار خراب: لم تقل الصخرة انها كتمت نارها، ولم يقل مدّون الأيام انه أفاض بالمدونات: لم يكن رسمها قد درس بعد، كنا جميعاً خلف نار الاستذكارات: الحشد في قعقعة، والحروف القاسيات النطق، نطقت، والبذرة كونت عرشها: فعم تبحث السنوات، وماذا يطلب طالبها: الورقة لشجرتها، والشجرة للنار.

[43]
أي أيها العابر أنت تسير على ظلك، أي أيها المنادي على من تنادي، أي أيها العابر هل أنت بعابر .. أي أيها المنادي هل أنت بمنادٍ؟
الكواكب مثلما الأنوار مثلما أنا وأنت مثلما لا احد مثلما الفضاءات بناءات محكمات مختومات                ولا ساعة مضافة لساعة            الأيام هي مثلما وردة انشقت مثلما اكتمل القمر مثلما الصاعقة تهافتت إنما هي آيات لآيات كخيوط تتلوها  بيد الصائغ ولاء لولاء حتى لا يفقه من يفقه إلا من لا يذكر يفتتح أعياده أكفانه لا الماء النار الأرض الأنعام ولا المراتب أكثر من إجازات يدخل من يدخل إن شاء ويخرج من يخرج إن شاء الحكمة لا تلجم بالحكمة الأمر سياج يتلوه الأعلى ثم الأعلى لا ظاهر للظاهر السحر أمد قيام أمد جلوس حتى آخر  الوعد العهد تجمع الغربة الغرباء لباب لا يفتح أو يغلق لممرات حتى آخر مديات الصوت أمد أمد أمد الصوت بنفسه والشمس فصول والآيات مفاتيح لا غير الأفراح بجنات لا خاسر إلا أمر سلام حتى يبعثرها يجمعها يفنيها لا خاسر لا كاسب حتى يحشر هذا الصوت بهذا الصوت اللهم اغفر لجبل هدته الأثقال ولي بأول الإشارات.

[44]
  هذه وصايا الموتى للميتين وصايا معلنات وأخرى لا تمتحن: يا قلب أين توقد إذا توقفت ورقتك: الرياح لها أثقال جبال من ذا يحملها من ذا ينقلها: وأنت يا صائغ مثواها لا تدع أحدا يرقد لصق احد: دع الفضاء وردة تنشق  كآية وامح بعدها كل كلام داخل المتن: هنا يرقد فيّ هذا الذي يرقد هنا لا تدع لي أو لها أثر: هذا مدفن من حملني وحملني أوزار هذه المحن. كانت يمامة وكنت لها الأطواق وكنت لها المطارق وكانت لي الأمل. لا تضع فوقها إلا الفضاء وليكن القبر وردة فالوردة هي سر القمر.

[45]
 لا ترى ما أرى، لا ترى في العتمة أنوار، ولا أرى في العتمة مقابر: شغلتني الغفلة بالغفلة. فعّم ابحث والباب يد تدفعني فادفعها. يا من اجهل صوتك أنني اسمع فاخرج من مثواي لمثوى: غاب الذي ابتلاني بخاتمه: وفي غيابه سلوى. لا منجد للروح كلاهما فيّ شريكان لا أحد يمسك بسره.

[46]
ليس من أسباب أكثر .. قال التراب ليس أكثر لأخذ الثقل .. الأفراح المستعادة ليس أكثر من هذا تجمع وريقات المنادي والمنادى حدائق ليس أكثر من إعلان أو السير بجوار شموس آختك برهة أو بعض أجزاء العهد .. هذا الولاء لما فوق أو تحت العظام البيض المنثورة المتجمعة بهذا                الصوت              ليس أكثر من ثمرة تدور معك بأجزاء الأحلام وألوان المدافن والميلادات المسترجعة بقوة .. لا احد له.. لا احد لك . وإنما أنت له وهو ليس أكثر من لا احد وأنت ليس أكثر من هذا الوجود.

[47]
قلائد الكتاب وأكثر من ذلك الإشارات وأكثر فأكثر الخطوط المتعرجة وشخبطات الهواء فوق رسومات مندرسات نسوة وصبوات وأكثر من ذلك الحروف الممحوة بفرح الأصابع وسكينة النظر من وراء التراب وفي السياق يوم الأعياد تضع لذاتها وتضع يدها فوق الكتاب وأكثر من ذلك لا تحصى أو تتذكر الأرقام لا تتذكر لماذا بالإمكان الرقم أن يعلن عدا برهة التأجيل والتكرار وأكثر من ذلك تراها شاخصة لا ريب باكتمال ما تعده أو تحصيه من جهالات فخمة وأوامر مهملة وسباقات لم تؤخذ بنظر الاعتبار فوائد الخسارة عداك أنت وأكثر عداه هو الذي لا احد له             لنأخذ بالفرح المهلك إنقاذ لا مبالاة سيادتك وأكثر من ذلك ولا احد يفهم أي خط بالنور  رسمت فوق جميع المندرسات هذا             الخط             المنتخب للرسم المهلك .
[48]
الأيام النادرات لا تدخل خزانة التلمس، بالمعنى هذا يجلس الحكيم لا يحتكم إلى حكمته ولا النسوة بصيغة المفرد عند عتبات الميلاد وقبل التكون بالمعنى هذا اكتمال اليد بعيداً عن مراقبات الجناة ولا تعرف كثيراً أيهما أدق لمعاناً الماء أو المعادن المستحدثة بالمعنى هذا  إنكما الواحد ذاته في دوائر الدخان والجدران والمعارك من ثم إخلاء الصفحات وساحات التراب ولم شمل الأسرة المغبرة والأخرى التي طواها التهافت وتكوم المتكومات بعيداً عن الأفعال والانفعال بالمعنى هذا امتلاك النشوة أو تركها تأخذ آحادها أو مكعباتها من ذاتها لتزداد بهجة اللقاء وسط الأحداق أو عن صرخات غابة نوارس أو بفعل أطلال بالبيانات  فتأخذك الرغبة وربما التندر أو التأمل أو التناسل في سياقات بناء احتفال العائد من الأسر أو اجتياز محنة الرجفة بالمعنى هذا طوي أبواب ودروب ومدن وفتح قنوات ثانية جنب التي استهلكها الكساد والتردد واللعنات وبعيداً عن عصور التدوير والمربعات الفسيفسائية والعاب النرد وأعمار المقاهي تجلس الأرواح الشفافة صافية تحت قبة المعنى الأكثر لكل هذه المعاني فلا يتم الطلاق أو الندم. بالمعنى هذا تهديها المفتاح من مشرقها إلى مغربها والعكس يحتمل الصواب وتمنحها للعبادة ركعة لا تعد زائدة في أركان الانتقال.

[49]
قد يكون آفاق حتى استعاد موجوداته قد يكون أكثر بريقاً حيث المسودات لا تلغي بالشطب بعضها البعض الآخر بل تأخذ رهبة الأكوام غير المستعملة وقد يكون الفاعل بكل مسائل الجمع والندم أكثر مسرة مثلما المستعملة وقد يكون مقدراً له  التقدير الرفيع فيزدهر عنده التوهج فتأخذ البرية شكل المذياع ويأخذ المدفع علامة النطفة وقد لا يكون ذلك إلا احد توهمات آثار الورق فوق تموجات الرمال وقد يكون الإعلان مباشرة عمل أو هرب أو استعداد أو تحية لأنها جميعا قد تكون الوسط من الرمز أو الناطق بين الطرفين السائبين وقد لا يكون المعلن سوى عنوانات ملغية مثلما جميع المقدرات مرتبة بأبجديات ثانية وثالثة لا معنى لجبروت الأمثال إن تأخذ هيأة الملك أو الشيطان أو الآلة الناطقة أو التخريب الاحتفالي وقد يكون انه لم يفق قط ليمسك بما امسك وإنما مر الأمر ككل فاعلية الجسور الايجابية السلبية وكل ما يقال عن الإلغاء والإعادة والتكرار أو الهلوسات المرتبة الصافية وهي تتباهى بمعمارها وكأنها تستحدث خرائب لا صلة لها بهذا التواصل وقد يكون من باب الفتح أن الأعياد ليست مزودة ولا مركبة وإنما التذكر يذهب ابعد فابعد المدارات ذوي العقول الجبارة بالرغم من الاعتراضات التي صدرت والتي هي قيد شن الهجوم المباغت لعدم احتمال الأهل لمسالك الولد النجيب والبنت التي أضاعت خزائنها سعيا للقبول بمسالك ما فوق العهد وما فوق الوعيد لأن " لا احد " لديها لا يكمن فيها بدافع الإقامة بل هو الجبر كعرس كعيد كأبدية وقد يكون الشك كله مثار يقين يأخذ مداه على نحو انكشاف وردة السماء.
[50]
لم تقل الصخرة لا أحد لي أنا قلت أنا قلت ولم تقل أنا لا احد لي لم تقل أنا قلت ولم تقل النار أنا لا احد لي أنا قلت أنا قلت لا احد لي .. وأنت بلا احد .. أنت قلت أنت بلا احد .. إنما أنت لي لي .. فمن هو لك .. فمن هو لك .. هكذا جاءني صوت من الجبل.
[51]
أبهذا الامتداد آفاق الجرح لكي نزين قامات العاشق: أبهذا الامتداد شرعنا شرائع القرى وسيرنا الكلمات صوب الآفاق: أبهذا الامتداد اتخذت الكف دعوات الخاصة عند العامة والنسوة عند المنفيين والدراويش مع الذئاب: أبهذا الامتداد أعلن الجمع التفرق والنائم دعا بأخبار السلف ما تقدم وما تأخر: أبهذا الامتداد تكومت المراسلات وشطبت اللعنات وأعلنا الحداد: أبهذا الامتداد اتخذت السرايا مناطق الغزو والأمواج رايات التقدم والتفاح لذات التدوين: أبهذا الامتداد نبارك غيمتنا بالأمطار البلورية ونشيّد للجسر  ايجابيات العبور والتوقف يا روحي مباركة أيامك ساعاتك مباركة مدافن هذا الأب لهذا الجد لتلك المندثرات سلالات الرمل مباركة بالفتح بالضم وبالكسر وبما بينهما من سكون فالقيامة تفتح دعواها وشهوة الأكتاف الرأس الكف يرون خلاصات النزف وأحلام المجامر ودموع الأغصان وذكرى المطمورين الأجيال المدفونة فوق الأجيال .. أبهذا الامتداد نشيّد أوثان الفاقة ونغلق على الامتداد دوائر الفضاء بالفجر القديم أبهذا الامتداد كله تختتم الكواكب بأرض شائبة الخلاصات.

[52]
قلت رأيت فأخبرت فاخبرنا .. حجبوا فحجبنا .. دفنوا فدفنا .. ولدوا فصرنا لهم الذكرى، ألا قل ماذا رأيت .. ألا قل هل كنت الغابة أم الكف فوق القلائد .. ألا قل أكنت لنا البشر والبرق دلالة إعجاز وكنا ما كنا ثم دارت بنا دورتها اللائي بلا أسماء المدن لنا خرائب  المعاني ولمعان المعادن .. ألا قل هل كانت مصادفة الجمع للمتفرقات والوردة والورقة للجمر .. أخبرت فاخبرنا أنا الجسر وكنا له شهود. قاموا فقمنا وضربنا خيامنا وطلبنا بالدفوف وشرعنا شرائعنا ثم محونا أسماءنا ودوّنا في المدن الكبرى ما قلت وأبصرت فما كنت لنا إلا   الجسر وما كنا للجسر إلا الشهادة.

[53]
أي .. أي .. أيتها المخبأة بلا إنذارات، الأشرعة لن تجتاز الجسد: أي أي أيتها الراقدة، ولا أنا سأعيد قراءة كف الشمس: ربما سأمكث قليلاً لمراقبة ظلي، أو ربما بلا تندر، سأصطحب من الغابة هسيس مرور الأطياف. أنت يا عابرة، متى مرت الأنعام، ألهذا المدى تنجذب الجنادب وطيور الليل لأسحار الجذور. صمت من هذا الذي صار برية .. من جذبنا إليه كقميص مقطع النسيج، لا أكثر من عربات تتبع دخانها، أو أسوار محكمات الوهم. هذا نبضي يتجول منحنياً لمرور لا أحد .. الذي أتانا صنعناه قسراً. هلهلنا للمرآة، دعابات ملحقات بالواجب، ورموز تخترع الطيران. لا أنت ولا أنا إلا حمامات منزوعات الصوت. لا أحد ذاق لذة الهواء. لا احد له ولا احد لي .. ويده رقدت بمعزل عن الأيام، فعلى م َ الغضب.. احدنا يدوّن والآخر سيثلم نهايات الصفحات. مثلما لم يحدث، إلا بالاستثناءات، إن عادت الموجة إلى الساحل.

[54]
أجمعت لتؤدي الحساب، أقسمت لتجمع، أضربت وطرزت ونحت وكتمت وهتفت وزرعت ودفنت ليكتمل الخيط: فتحوا الكلام ففاض النهر .. فتحوا النار فتكون الجبل.. فتحوا الماء فتجمعن النائحات ، فتحوا القبر فكانت ولاية .. فتحوا الكف فكانت قلائد .. فتحوا ثم فتحوا ولم يكن الفتح إلا باب مراسلات . قفلوا الضجة فكان الطوفان . قفلوا الغابة فكان الملك . قفلوا القبر فكان المزار .. قفلوا الخاتم فكان الكتاب .. قفلوا الجرح فكان العاشق .. قفلوا ثم قفلوا ولم يكن القفل إلا فضاء. فماذا بينهما عساك بصانع. القبر وراثة، والنعمة حجابات. الأنعام زينة، والوهم مدونات. فماذا بهما عساك صانع، ما ودعك الذي غاب. ولا أنت له نشيد إقامة.

[55]
ما الذي، بغير الاستثناء، دشن سم المناديل، ما الذي، بغير الاستثناء آفاق. أيتها الشائخات اليد نوارس يتلمسن فضاءات الجلد، والأحفاد يتضرعون بممحوات الشواخص: من أبصر ليستثنى، القلب مزرعة والسواحل مباركات بالمغادرين: المدى أرحب، والأيام بالجراحات يتقدمن الموكب. هناك آتٍ بالأسحار وآخر لأيامه ممحوات. أيتها الصفحات الواهنات أي بيان سيضمد الحلم، الكفاف نعمة، والرأس موازنات للتداول. أيتها الغرف الشائخات بالأوسمة، كم مرة اكتظ السرير بالموتى، والرأس كان منشغلاً بالمراجعات. هذه البرية لا تستثني من الدوار. ولا يد الراحلة من المحبة: الأيام الأسيرات مطوقات بخرز العرّافات، بعظم الهدهد عند  تراب  الدفن، يضاف لماء الكأس  بقايا وعد، يمزج هذا  بالكافور وبايجازات السفر والاستفسار، ويدفن بعمر الطوفان ثم تنتزع البذرة من صانعها، لا تبذر إلا مخلوطة بنبات آدم، ليلاً يطاف بالنداء حول المنادى، فجراً عند العتبة تحترق الرغبات، وتقفل الباب بمسك القادم. أيتها المنقرضات بالأسماء لم يثمر حلال السحر إلا بيانات إقامة: النار تشتكي حتى لو أطفأتها بالفضائل، والشجرة عروس في منفاها، كل يشهد وكل شاهد، عروس في منفاها، كل يشهد وكل شاهد، فما الذي يستثنى بالاستثناء. لنجرب كشط حائطها، ما ابهاك أيها المنذور لها، أيام الوهن استطالت، والعظم شاخ، ما ابهاك تدثرك بأنوار عتمتها، واليوم الثامن أول الفصول، والهجرة أول مسافات الدار.

[56]
أعطاك المنفى الزاد فطربت لأسواره: هي الأحجار أدلت بالشهادة، الماء دون، والليل لملم فوانيسه. أعطتك الأيام فأخذت، أخذت منك فما شكوت، قلت هي المعابد تدور دورتها، قارات تجرح يد الكتابة، ومخطوطات تجمع هوامشها، قلت الفجر مجسات والعرس وشاية، والقلائد مكواة تعمل في القلب. وقلت ازدحمت/ تناثرت/ ثم كشطت الشمع الذهبي وغادرت.
[57]
بلذة العتمة وضعت خليط النرجس فوق الخاتم، أدرت الأوراق على هوامش الظل، المربعات بعظم مثلوم، بدم مكتوم، وبضلع مكعب الأساس، وبماء فائق الإنارة، مزجت الساعات بالأيام والنذر بالمنذور، وقلت الم أقل أن  الكلام سحر حلال. ثم فتحت باب الماء، ثم كتمت على النار الاستدارة، لونت  الأطياف، أبرقت بالأسى للصمت وأعلنت لا زيارة .. لونت الأطياف، وانتظرت: السحر الأسود أعطاك فما اكتفيت، علمت الشجرة الرقص فرقصت، دربت الأفعى الاستقامة فاستقامت، شطرت البذرة فانشطرت، وما اكتفيت بمنفاك، أعلنت التراب فضة، والغبار كواكب، والوعود أضاحي، ثم كان الحاجب والحجاب، المفتاح والباب، والأعياد دارت مبصرات عماها، اصطحبتها بنيشان دخانها، اكتويت  بماء أزلها، ثم رسمت فوق الأسماء يد من محاها. أقمت المحو لصق من سواها، ثم أفاقت بك الأقدار لتزين مثواها، لا تشكو من شكواها، وبخاتمها ستعلن زوال عرش الأوثان.

[58]
مؤانسات مكسورات الجناح: فصول مهلهلة الهوامش، والساعة بألف عام كل عام بألف كوكب وكل كوكب فضاء. أتستنجد بمن يبحث عن منجد. هذا الجبل هوى من ثقل البراءة، وهذا الغريق نهض بالأفراح: أتودع كل من آواك وتقيم لمن أقام لك منفاك: الموؤدة لا تكتم إلا ما أعلنت، وأنت بالأعياد كتمت الأعياد: ممرات محكمات البيان، وجواهر الرمل مصنفات مضافات، تحت وفوق الطيب الخاتم دعوة، والعهد فيض استضافات. فعم يُسأل من أجاب، وعمّ الفرحان يبحث عن أفراح: الأخطاء بالأخطاء. وما شك بها، ترك الليل يأخذ وسادته للحراسة، والفجر للصلاة. اليد لليد ألفة. والنار للمدثرات سياحات، أفلا ترى كم أخذت لتهب، وهبت بما وهبت، وأعادت أجنحتها لفضائها قلائد: جنات فوق جنات حتى قيام البذرة، أفلا ترى كم أخذت لتأخذ، أفلا ترجع لها نوارسها والعظام: ضع مع  الهدايا الأيام وتتبع ظلك ولا تختتم الكلام إلا بالكلام.

[59]
 يتباهى الفصل المنـزوع التاج بحدائق ظله: مثلما القارات المجروحات يدرسن نظام الأموات، أيتها المرة يا ضمادات التندر أما من كلمات مستحدثات للمناقشة، الأسواق الاستوائية خلت إلا من عرافات يشيدن لنا بالسيف تماثيل الوردة: ملكة الشمس استدارت، والماء توارى، السماء  أغلقت أبوابها، والأرض خلت من المارة: إنما المكتظات بالتراب ينجبن أيضا، ماعز الكلمات وابل حروب الجر واسماك الإضافة، فتدور المطحنة  دورتها، يتناسل الغائب بغيبته، فما ابهاك يا حضور: بالأمس كنت تصطحب جندك واليوم تحرس بوابات الأيام: للغد كنت مبعث الرعد واليوم ترقد في الذاكرة.
[60]
وضعت أساورها بدائل نوايا زمردات: ياقوت  وسجادات، أغلاط مكتملات العدة: لا غابة تؤنس الكاهن ولا ممرات للغايات، وضعت أساورها معارف أنوار: أسحار ليل؛ وضعت أساورها معارف أنوار: أسحار ليل؛ اخرج أيها العظم المبين، يا قلب الميت من سبقك للاعتراف: انهاري عمياء، والحرب لم تترك للمعبد إلا لمعان الشاحنات: أجئت من عصر إلى .. يا صلصال عّم تبحث إذا النار ابتعدت، الجنة جنات، واليد بخاتمها انثلامات. يا قبائلي من يجمع عذراء الطلع، الأمة لغة، واللغة تراب؛ أين هو الذي فرط بدويلات الماء، أين من أقام المسلات ؟                  : هذا أنا برداء الغيب اجمع بقايا كوخي، ليس بصحبتي إلا              أوثاني وبقايا كنوز هذا الماء . أهو الفرات إذا وسوس للفراق، يا ملائكة قلبي خاب مسعاه/ اليد شوارع/ والحرب احتمالات. الأم غابت،  والمخلد آفاق: أيتها النياشين  لا أقاسمك لمعان الطارق، ولا الخط المائل في مسار تدوين  الآثار: يد الغصن أنارت، فمن ذا يدخل دار المعتمات؟ فاض التراب بنبعها، والحرب بما شق وخاط، لملم أكفانه وعاد: يا سلالاتي أنا انحدر من ضوء، فانا لا احمل بقايا نار، أنا نجمة تمسك بها يد نجمة، ولا أخطاء بها إلا الأخطاء. ها هي عندي لها أقفال زاد. الحساب حاسبني وزاد: لا قلب لا تترك قبر الغصن، أنا النار له شكوى، فمن ذا يقلب صفحات أخر ما في هذا الكتاب: كلها حروف مجسدات مكوّمات مكرمات واليد بالأنوار عملت عمل المستحيلات.

 [61]
غبت مع الذي غاب، إنما الجسور ضفة، والعبور ارتداد. يا أيامي المكشوفات أما لك من مبشر، أما لك أيها الفتى من سلوان؟  قراك كلام، ومقابرك لوعة. أما لك يا حبيب القلب من سؤال: الحرب هوامش مناديل، والرماد مكونات فواصل، أما لك من شكوى، أنا مع الماء أتسلى، ومع الممحوات جمر نار، أما لك من سؤال: غاب الذي أدلني وغاب، يا قلب من تاه أم هذا كله شكوى سؤال؟

[62]
المدن المكسورة الجناح، هي الأخرى، مثلما الكلمات المبهمة، تتسول. الكلمات المبهمة، هي أيضا ً، تراها تخدش أبصار العميان. هل اهتف عاش الليل. الكلمات تستنجد بنفسها، تتدثر بنوافذ مفتوحة، لكنها لا تتعفن في درجات الحرارة العالية.

[63]
ليس الحب أو المرارة أو الموت طواعية يدفع باليد للشكوى: إنما القوانين ذاتها تبدو غير وضاءة. لم تقفز اليد إلى مكان آخر للهو، انها مضطربة بلا أسباب. ربما لأن الفقراء كسالى تجاه بناء مزارع أخرى. حسناً بالإمكان استبدال الظلال، والعظام، والمدافن، في الواقع سيتم ذلك تلقائيا، وبالعنف أو بالعبادة، إنما هل من بدائل لا تبصر بدائلها، في الغالب، قد أحكمت هذا الإجراء.
 [64]
الكلام ذاته سلاح مزدوج: لا ينحني للشمال نزعاً أو للجنوب رحمة، انه يتشكل كأفعال برية  فاقدة الوعي .. تارة يأخذ أشكال النار، وتارة يستجدي فاكهة المرارة. الكلام في محنة، ولا علاقة له بالصائغ .. كذلك اصداء الطبل أخذت استقلالها .. مثلما لا علم يرفرف يعرف انه يقود الجميع إلى الفراغ.
[65]
أحببت أو لم تسقط في هذا الوهم، كنت أود أن أكون اقل ربحاً للخسارات. أحياناً تبدو الجمل الواضحة ذات ولاء للانحناء. هكذا لا اعرف كيف تحلم الأشجار، لكني جيداً لست غاضباً عليها. أريد هكذا أن أدرب نفسي على السلام، أريد هكذا أن أموت.
[66]
مع ذلك هناك سكان العالم تقريباً ضدك، أو في الأقل لا ينسجمون مع كلمة (          ) : ضع أية مفردة شاحبة أو نورانية أو دون سن الرشد. فهناك كلام يقسم إلى مراتب. أنا نفسي اعرف ذلك إنما لا حكمة في الأمر. الغيمة لا تتكلم لكنها ساحرة وأحيانا تتحول إلى جحيم. مع ذلك هناك واحد على الأقل لا يغادرني، يتكلم فاتركه ليتسول سعادات بلا ثمن. أو ربما افعل ذلك بدافع الكسل، هناك مفارقة إننا جميعا سعداء، سعداء كنجوم تتوارى في منديل.


[67]
إذا بالإمكان القول: لا أحد داخل الكلمة، أو تحت غطاء السرير. فلماذا يحدث الشغب. أقول  لا أحد داخل البيت ولا داخل الحرف ولا في الشغب نفسه. إذا بالإمكان القول أنني ما أزال على قيد التراب. لي شجرة هادئة الطباع لا ادفع لها الضرائب، وارض سأرقد داخلها بلا اضطراب، وأصابع تتصالح مع البرد. ولي أيضاً  أصدقاء موتى سعداء مثلي .. ولي ضحكات، وآمال بلا نياشين. هذا يعني بالإمكان حل اعقد الكثافات، بشرط، أن لا أبدو أكثر جدية وأنا استقبل الراحلين.

[68]
     آخر الشوط، تفاحة فوق المائدة، عام 1994 برمته إنذارات صمت. المرأة التي بحلم الولاء هي، مثل عام 1258 أشلاء اصداء، مثلما الدبابات اسطوانات مشخوطات. المرأة لا تعرف أن السباق  بدأ تواً، اليوم التاسع كأحد الصواعق. لا تقل انك بالحرية مشدود. الهواء يتكلم، آخر الشوط أول لحظات التكوين والرحم صفحات مطوية. أخبار الحمامات والحمّامات أخبار الفم ثم القدم ونهايات الشوط. أيها العام المدفون مع الأطفال أنا أعالج الدوران بدوران. لا احد لك ولا احد لي ولا احد إلا إننا منسجمان، هذا القبر الذهبي للدراويش .. وهذا الآخر للخوف من البراءة، أما أنا، أما أنا بعد عام 1994 فسأتزوج زوجة رجل آخر، ميت أو سيولد، ثم أني سأموت أو سأولد، تجار الأحلام يقدرون ثمن العقد ، فانا لم اخسر إلا الخسارات.
[69]
هي الأخرى مطرزة بشبابيك الصمت: البادية الجاثمة فوق الوسائد، تلك النائية، المرأة التي من حولها تدور القناديل والشوك: لا بد انها من حولها تدور القناديل والشكوك: لابد انها زورت الأحلام، لأننا لم نعد غربالات أضواء مستعارة. أبدا ً لن تحدث التسويات هكذا .. الجنون لمحة توق .. والمعرفة خواتم مبهمة. لمن نطرز هذا الكفن البديل .. الأوراق المشكوك بتوزيعها، وبطاقات السحر، وانتخابات ملكات جدد لملوك بلا مملكات. لا منج من اكتواء أو اشتعالات الجلد، أو أكثر من ذلك، حيث الروح تتزين بالمندثرات. ليس لدينا مصالحات أو أخطاء، هذه البرية اخترعت الذئب والخيمة: النفط والخمور والفجوات السود.
المرأة وحدها تدثر ليونة الليل، تفتح للقلب عيادات مجانية، تبدل الوثن بوثن، وهو الآخر  الحرف المرتعش، غصن اليباب، يتباهى بالاستقامات. ليس لدىّ مخاوف ثانية، سأهب روحي مجانا لمن يخترع لي نافذة، أو نجمة وضاءة حتى نهاية هذا الكلام.
[70]
ما الذي تعلمته إذا .. أترتدي الحكمة اتقاء البرد؟ أم دفع الديون بالشك .. أنت ولدت بدماء منقاة من الربح، ثم عاركك الغرباء، الأيام بما تمتلك من أنامل عذبة. كلا. تعالي إليّ لنكشط جلد الذهب، والعملات المزورة بدافع الصيام. لنخترع أوهاما جادة أكثر لمعاناً .. فلا أنت ولا أنا سننسحب من المرمى .. كل السياقات معادية للنتائج. الخاتم جثة كالياقوت يتفسخ لذات فوق السجادات ..  ثم لا غائب ولا حاضر، الطلع بلور. وصلف المرأة القديمة أقوى من الكلام. فأقول تكلم: أيها الولد سآتي الحرب وسنحارب: نموت لندفن  بعيداً عن المعبد أو عن موائد المصالحات: الخلود أيتها الشكوك، ليس أكثر دهشة. لك الخلود أيتها الشكوك، فاليقين ليس أكثر دهشة. ثم لا أكثر من هذا كله .. ألا لا مبالاة الهواء وهو يرمم. قلت هي مراتب، فلا تنشطر  أو تتجمع: القلب يخفق لبراءته. والحرب لا تغلق إلا باب التذكر. حسناً، كل هذا يماثل مصادفات موت .. إنما أنا فلم افلت نهائياً من الخديعة. أيها المار بهذا القبر أنا هو أنت .. الحبيبة مقدسة بالزنا والنذور .. وهي جديرة بلا شيء .. مثلك ومثلي.. الكلمات لا تذهب إلى النوافذ .. أما الأبواب فلها من يوحدها. مثل هذا لا يقارن بالعقاب أو الجنة، بل بالباب التي ستبقى بهذا شائخة الفتوة. لن أثقل  على الورق حتى مرور البراءة. كل كلمة برق، وأنا كلي أوثان.

[71]
أية ملكة مضطربة أنت، وأنت كعقد مدون فوق الماء، وأنت مثل زنابق عارية ووحيدة. أيضاً  أنت أيتها الطاعنة بالعزلة تهجرك الكلمات والصواعق تعز من خطاك . وحيدة ومتكاملة دائماً بلا استئذان احد . قد لا ينحني لك الهواء أو ركعة زائدة إنما احدنا صاغ هذا النيشان، لا أنا لك ولا أنت لي إنما لا احد لسوانا. القبر المكتظ بالبيانات لا يستسلم هو الآخر، مثلما أنا وأنت، نشيد آخر كل اللغز. سنغادر معاً أو ندخل صومعة ما وهمية في هذه البرية. سنكتفي بمنديل وبحبة قمح مستعارة من المعادن. سنعيش بلا براءات أو مكرمات أو معجزات أو أي شيء آخر. سنخلع الجلد وندخل العظم ونستيقظ بلا ساعات إنذار أو عياط فائق الثمن. سنشطب الديون ونبدأ بديون استثنائية. أنا وأنت ِ إذا ليس غيرنا بإمكانه ان يخترع اليوم الأول، أو قبله، التداول الدائم للوهم، ثم بعد ذلك، نرحل قبل ان ندوّن  اعترافات الشهود.


[72]
تزينت وتعطرت وتباهت ثم دارت الساعات دورتها فخلعت تاجها ونبشت عرشها – وعادت بزينتها وببخورها وبعطورها وبمباهاتها إلى كرسيها وما اكتملت وما وهنت – فدارت فلا الفرحان بالعرس ختمها ولا عند المثوى توقف برقها هي الساعات تكتم كأن لا صائغ إلا ما صاغها، وكأن الأعياد مثل الأقدار لا مؤجلات  إلا مؤجلاتها، تعالي إلىّ بزنبقة فانا لا ابحث عن مزار. المراثي اكتملت وما اكتملت، والمرتفعات بفيها اصطخبت؛ من غادرني يلملم ترابه ومن ابحث عنه ولهان: هي النار لا رماد لها وكأن الدخان لا يلد إلا الدخان.

[73]
هاتف هتف: الفصول أينعت مرتفعاتها، والماء للغرقى أعاد باب التذكر. هاتف هتف: القبائل تآخت واليد توحدت باضطرابها. والهاتف هتف: حبيب القلب تزّين، صلى الفجر، وأخذني إليه: أهو ذا البرق، الكف الضائعة مع الحشائش، وآثام النور مع النار، أهو هذا الجسد الذهبي، الأكفان المغطاة بالمناديل، المستور بالرسائل، والأختام المختومة بقفل الفضائح. هاتف كف عن الإبراق " ذهب الذين أحبهم .." ذهب الآتي بنوارس غيبتنا، بالمعاضد والخلاخل والزنامات. ثم أفقت قلت تجلد يا فتى المناحة يا درة  الأفراح لا تأخذ الأيام إلا غبارها. الفجر باب، وعظام الموتى تذكارات محبة. هذه هي البيارق   – إذا – كخرق فوق سارية البيعة. هاتف كف عن الإبراق وآخر يطبل بالطبل. اقرع أيها الكلام الدورة لم تدر، والراحل عيد على الأبواب. الهاتف يهتف بالشك المبين: كل ما عليها نثار، السلام اصطحب آسراه، والهاتف بخرقه كفّن الأوثان.

[74]
تباهى بالغصن الوحيد المندرس: عواء الفجر المضاء بتواريخ المراثي: أي من ذا فقدنا لكي نستدرج الصفحات المطوية .. الياس والكافور وبقايا النخلة. ليس من ورق أو أخطاء أو مقابر، جمرة الكف بالخطوط تقاطعت، ثم يتحدثون عن غموض المعنى أو المرأة التي ضاعت بين                  النساء              ويتحدثون عن لوعة بلا مناديل أو أنامل شفافة. ماذا بوسع القلب ان يعلن عدا انه مطوق بالاحتمالات. من ذا سيطرق الباب والمفاتيح مصدأة الصوت. هو ذا  إذا يرقد بمعزل  عن احتفالاته، مثلي، كأن الدنيا برمتها مواعيد منغلقة، وكأن ألف ألف عام من الوهم أكثر من وردة. هل خسرنا كثيراً بضياع اليد فوق الورق، وإعادة دفن المجلدات الفريدة، أم لابد من استثناءات           للحكمة ؟   إننا ندفن المواليد المضطربة .. لان الحرب أخذت شكل الامتناع بل أقول كلا إذ طوقتنا الأعراف. يا روحي أنت وحيدة مثلما الجسد أعمى لا خسائر أكثر من هذا التورد             : تباهى الـراحل بالثبات والـرمـل بـزمردات شائخات: أين  هو        
الـدليل الـذي عثـر علينا، وأين هو                 الذي           أضاء ؟            ليست هذه شكوى أسئلة أو اعتراضات، أنا مع البذرة آثام .. وأفراح في المرمى، ويقولون لماذا ألف ألف عام من الكلام .. أيها الرمل دعك من الورطة: الهواء مكعب الشكل، والفجر تهمة            ويتباهى بسره وسحره وبما ترك من غبار: أيها الحكيم أين أضعت الحكمة: أنا بصري استعادة. ألف عام وعام من الوهن ، مقابرنا فضفاضة، نساؤنا متلبسات والحزن بيارق. فهل من نطفة لهذه النطفة           دعك من الغرقى أيها الغريق، الفلك برياحها، والوردة فضة سماء، إلا أيها النورس فك عنا هذا الحصار، الميتون بالميلاد، والمفاتيح لغير هذه الأبواب.

[75]
لا تنحدر الممرات مع الياقوت، ولا العاصفة تكف عن الدوران: لكل ثمرة شبابيك مؤجلة، ولكل تائهة يقين: تعالي إلىّ في اليوم لعاشر أو العام العاثر أو بعد انتهاء السلام: سندق الدف ونقرع بالتكرار سخريات المرارة: بلاهات الدخان ونضج الأغصان: أحزان الشجرة واستضافات القمر: تكاملت حتى أينعت، ألا أيتها المقابر علمينا السلوى، بيانات النطق أو مفاتيح البلوى. هي الكواكب قلائد منثورات وهي اليد فوق الأوراق بعض شكوى.
استغادر إذا دخلتْ، استدخل إذا غادرت: أيها الحكيم لماذا لم تترك لنا إلا هذه الحكمة. أنا خجول من نجمة تتبع ظلي، ومن امرأة لم تفق من الرمال. أنا مثلك أتجمع في عظم، لا قبر لي لا زمان. اجلس مثلها، الأيام بعد الأيام، واخرج من يد صائغها قلائد نسيان.


[76]
كل يوهم نفسه بوهم: وكل يوهم وهمه بوهم: هذا ياقوتي فضيحة. هذه مطارق الباب كلمات ممحوات مع الشاهد، الداخل والخارج منسيان: أيها الراحل أتركت ما أخذت: الأموات عندك سجادات، والواقفون ممرات.

[77]
ثم تنهض الروح مترفة ببيارقها: القبائل تجمعت بفرقتها، أيتها الروح أما من مصالحات، أم الوهن اتخذ شكل الوردة. ألا تقترب مني كثيراً لكي لا أودعك، كلانا واحد قبل القسمة. فلا تغادر إذا غادرت أأنت بمغادر. قلبي يتسلى بنعمته، والعدد بظله، وأنا لم أعلن ما كتمت، أكتمت لكي أعلن، الم نقل هات لنا البرهان: ثم عاد المعلن إلى سره.

[78]
هذه الأسماء لا تأخذ شكل حروفها،  سنعيد الدفن كلما الميلاد أعلن بهجتها: أيتها الاعتراضات أنا في السرب أخير .. أو أول الماء الذي شيدها، ولا آخر من يغلق لها الباب: ما قدمت لها أيتها المنهكات بالرضاعة والتناسل إلا أغلقت الأبواب بابها. ثم يناديك مناديها. سكر بصحوها، واستيقظ بسكرها. المنهكات يدرّن دورتها، لا ورقة فوق ورقة، والنائحات يكتمن أنوارها، من ستلد منكن مثواي يا أيتها المزفوفات لغبارها. كنت أرى العرش بين يدي فكنت أتمايل طربا، هذا بعض نعيم ثمار الأرض، وهذا بعض خلاصها. لا منجد للمنجد، يا أيتها الجراحات من يلملم هذا الذي في السرب أخير، الحرب دقت دقتها، بكل ميلاد يولد من هو أول ومن هو خاتمها.

[79]
ينطفئ الظل بنوره، ويتوهج النور بالتراب: الغابة برمادها، والفصول بالأعياد. ويا أيتها الأيام من محي ومن كتب: الدورات تجري بدورتها. والوردة باب سماء: كان لها مثلما كتمانات الأغصان. لا أسرار فوق الأسرار: القبر فضيحة أيها الحكيم تعال إلىّ أنا صداك في الورقة: إنا كنا البرعم في غصن في شجرة وفي نار: ولا يأتي من أتى: ولا يغادر إلا من لا يغادرها. الم نقل الوردة هي الباب .
 [80]
نسج النور بأصوات المحو شبابيك التذكر، ثم يقولون لي ماذا قلت: لا أنوار لها وقد غابت، هنا، هذا الطيف – هذا المكان               مزارها: أعيادها مع الزيتون المؤجل: أثواب عرس وياقوت بعثرته الوصايا. الم اقل ان للظلمة                نسيج النور  وللباب استئذانات الأدعية. ليس لقلبي اضطرابات الطوق، يا حمامات الغزل لم يصبني الكثير ولا أوهنني          الوهن ، أنا             الغصن قبل أن تراه الثمرة، وأقول – لا – لأنني أقول – نعم وأقول – نعم – لأنني – أقول – لا            اقطع التكوين         إلى سلالم ، ثم إلى مجرات ، ثم   إلى صفاء الفة : لا الجامعون الجمع جامعون ما معنى، ولا – الجامعون – الجمع، يجمعون بما يطرزه الغد. اليد بما قدر لها، والقلب بما اخفق من الآمال. لا البحر بناءٍ عن سرايا المرور، ولا النجوم منطفئات الحكمة: قبل أن تنطق  بما تذكرنا، الميت أعلنها، التراب حديقة، والقلائد منفرطات التجمع، لا تتقدم اليد على اليد، ولا الأسماء تمحو  الأسماء: أكاشف علانيتي فماذا  تبقى من الأسرار: والراحلون بعض ودائع؛ ويقولون قل ماذا أردت أن تقول: لا مودع لمودع إلا باستقبال، ثم يجادلك من امسك بها، أهذا هو البرهان فنقول لا لدنيا إلا ما لدينا من هذا الدخان.
[81]
بماذا تجادل من جادلك وليس لديك إلا ما تبقى من الدليل: أيها الشك أأنت نافدة  مناديل: أم أنت بقايا سبايا أحلام. لا أقدار مقدرات إلا بشبابيك النسيج: الم تقل الرمال تصالحت، والقبائل كفت عن عراك قصائدها، لا الموزون بمضادٍ لمنثوره، ولا العاقل بخير من البركان. ثم يقول قائلها أهذا كل ما في العراك .. يا روحي لا تساوميني على النطق .. أنا الشكوك جعلتني محنة أبواب.

[82]
انقسمت فتجمعت؛ البذرة كلؤلؤة تكون بها البحر، وتزين  الجبل بقلائد الثمار: يقولون لي ما سر أناشيدك وأنت أقمت الصلح مع التراب. ما دعواك بالياقوت والرطب المتساقط فوق المرضعات، ما خطبك لا يثنيك الليل حتى لو زلزلت العتمة زلزالها .. فأقول يا أيتها الأيام  من أخذ ما جمع .. الخاتم بظلال الذكرى .. والبيعة للريح بطلان: هذه السماء زمردات وقلائد فما انفرط  البيدر إلا للحصاد. وما غادر المغادر إلا للبرهان: لا اقلب الساعات ولا اعشق ما عشقوا .. لي مسلات مدوّنات، المحو يأتي بالدعة، والزوال بالاستئناف.

[83]
وهل آن للبنفسج ان ينسلخ والنساج يقيم الدفن فوق أطراف الأصابع: الكلام اكتفى بالإشارات فماذا عن عين النبع، عن نسوة لا يذبحن المناحة بعراك حول مصائر الزوج الجديد: عن حرب الأشجار ألا أيتها النفس من يشغل هذا الفراغ  ألا دعوني أغيب بمن حضر أو غاب: الميتون يحتفلون بالأحداق الطرية .. وجنائز الفاكهة فاضت بالعطور .. لقد آليت على الكلام إلا نشخط فوق هوامشه شخوطات زائدات: هذا جيل يخرج من الرمان  هدايا أعراف:  ينهش اللحم ويملأ الصحف احتفالات: يجرجر أكياسه من مغربها إلى مشرقها، من مشرقها حتى انغلاق الباب. ولا يكتفي من عليها بندى الرحمة، أو يتذكر الأقطار والأمصار: ألا أيها الليل كم أوهمت السائر والواقف. تسليت بسلوانا، أوقدت فينا ذكرى من سيلد ومن زال بالزوال. أكل هذا الياقوت وكرم الضيافة بعض إغراءات: أناشيدك أيتها المجهولة بقليل من المجهول، بقليل  من سم شافٍ، بنذر لا ينذر مباهاة، أم أنا ذا هو فعل أفعال المجهولات: لا تساومني أيها الفجر على نهايتك، ستدور، مثلي، ومثلها، دوّن اكتمال: كل قاع هو رأس أفعى، والأكفان باختلاف أشكالها لا تغير الأبدان. هي غفلة في الموت مثلما كانت للغابة الثمار. والمثوى سيبقى يتنقل من كون إلى أكوان.
[84]
هل أغلقت المدينة وردتها أم لملمتنا الأعشاب رهائن: أيها الباب انغلق ودع من يدخل يتجول فالفضاءات مشحونة بانكسارات لم الشمل. وستدخل العزلة عامها المضاف: الكون كلما اتسع ضاق، والقلب ممر أعمى، إنما أيضاً  بالإمكان أن تكون القلائد أدلة وشهادات. لا ترفع الحجر خشية ان تقع فالحبيب كالضوء يتعرض للانحناءات. أقلت انه الأسود لون زنابق الحرب .. أقلت انك طالما عشقت فأنت الغائب والغياب.. أم قلت هذه سجادتها وتلك مطرزاتها .. أم قلت هذه هي الفصول وقد تقلبت .. أم قلت انك قط ما أبصرتها.كلانا أيها النذر ضاقت بنا المتشابهات. الشبابيك ومفاتيح الساعة وانغلاق أول الليل. كلانا الأول، وكلانا الأخير .. وكلانا العرافة التي بطلسماتها استدلت المتاهة: ألا لا تدع ما أتى منسيا، فقد غمرنا بتذكارات النسيان: لا بيرق يرفرف فوق الغريق وان رفرف .. ولا عابد للوثن وان عبد .. إنما ليس الأمر كما مع نجمة انطفأت وما زالت تخط عشقها مخطوطات للاستذكار.

[85]
أتفتت الرجاء لكي نوقد الأحلام معابر للمعابر أم هي المقابر قناطر شاخت بحديثي الولادة: الناس يحسبون اليد  تهاوت: أزار وقد دار بظله. ألا أيها الماسك بها اصنع لنا من بخورها شمعدان نجاة أم هي يا أيتها النائحات الطبالات محض فرية: قلبي باب وردة فادخل أيها النائي اعزف لنا ثم رتب عرش المغادرات. فسنغادرها بالإشارات ولا يقين أقوى من مقبرة فسيحة، من ضياء تآخت فيه النداءات .. انك إذا أكثر استئناساً للتهافت .. لها في جمر المجامر وتوقدات الغصن. إذا لا رحى ولا مطاحن إنما هي العاب بهلوان .. فاكتمل نصف الجرح وتشافى انتصاف النهار. أيتها الخرازة أخرزي لي واكتبي أو دعيني، اشخطي فوق شخطي ثم ناوليني مبخرة فأدق بها شيطان النار استئذاناً لاكتمال الأسود مثلما موعدنا الفرات أو اليقين أو العودة ولا نراه وهو يدفف بالدف إيذانا ً أو يخرج الحكمة على شكل مزامير أو يبعثر الذكرى فوق الجثمان. عذراً أيها الحبيب أكان لنا حبيب؟

 [86]
إذا هي مرتفعات وإشارات لمراثي: لمن امسك بالمفتاح وقد غادرت بطيبها : لذات الفجر  المدمى والأسير  والمدفون بالخرائط : يده مع الشمال وجثمانه في الجنوب . هذا إذا الذي خط قبل التواء طرق الماء آلهة للحمامات وأخرى لجمع الضرائب وثالثة تأتي بالبطلان ورابعة تأخذنا تنفينا تهبنا  بذرة النسيان كأن الفضائح يا أيتها الجدران  سوى منمنمات هدايا هو ذا ما حصل ويأتي الخامس بنسخ ويستنسخ فلا سواه يا أيتها المرأة أو سواك لنا عندما نتباهى بما لا يحصى من جراحات فوق الوردة: إذا أنت أو أنا محض الحرف الآخر لسلطة الكلام: ثم بعد أو بدافع الاستدراك أو قبلهما تكون اليد أول المراثي إنما لا أنا ولا أنت سينتظر قليلاً أو كثيراً كل هذا الذي تركته المرتفعات أو كيف صرنا نشيد بالرماد تواريخ شيخوختنا العذراء.
[87]
ليست هي الطرائف التي ترقد فوق الوسائد أو ليست هي البراءات أو الوشايات ترقد فوق الأرائك إنما ليس من أسباب لكل هذا الشك أو اليقين. ثم مع ذلك نتباهى بياقوت الغصن ، نرمز للبراءة ادعاءات الحشائش ، وللفجر ذكريات العرس. ولا مغزى آخر للولائم  أو بعثرة النوايا عدا ان اليقين لا يرتهن بيقين. إنما طالما هناك بيارق للتطهر وأخرى للتندر وثالثة للمسير ورابعة للعودة وخامسة للذكرى وسادسة للمتاحف وسابعة للشكوك وثامنة للبيعة وتاسعة للمزايدات وعاشرة لغسل الذنوب .. فانا أو أنت لسنا إلا البرهان الفائض على الحاجة.
[88]
ولكي يأخذ الوضوح منتهاه في شجرة الأنساب لأب من سجاح أو عزة .. لابد من آمال أو سكينة .. لابد من رابعة أو شبعاد .. لابد من تماضر أو هند .. ولابد من غزال أو ست الملوك .. لابد من شجرة الدر أو الخيزران .. لابد.
هي إذا شجرة انساب بلا انقطاعات إنما الكلام مدفون من غير سره. لابد منهن وساطة لفتى بالتذكر الأسماء تمحى، لابد من واحدة لكل حرف ولابد منهن جميعا من المهد إلى اللحد. النسوة اللائي تجمعن وجمعن وتبادلن إشارات الرمل وهمهمات الليل .. لابد إذا من هذا كله: ملكات قديسات ملعونات مصونات ومخبولات ومخرزات نثرن الكتمان وبايعن كأن الكوكب دار وكأن المدافن ظللت أعداد بيارقها أيا أيتها القلوب الشائخات من ذا يبرق في المنايا كل هذا الميلاد. وكأن القيامة قامت فتقول هات ثم تقول ماذا أخذت ماذا تركت أيا أيتها الأيام أهكذا تجري المبايعات والمزايدات ومحو ما في المخطوطات وإعلان ما لا في المجونات: هذا هو اسمي فوق الماء فان شئت خذ الماء ولا تترك اسمي في القاع؛ فلقد تساوت مرتفعاتها بالمنخفضات، والبحر بسارية المرتفعات.

[89]
أخذت المسافة معها أبوابها والقلب امسك  بالمستترات: هل غادرت العاصفة، بالخزائن والنعيم، وأحكمت قفل       التطلع ؟              : لم تكن معنا تذاكر سفر، أقواس لاصطياد البعض. لم يكن إلا الوثن، مرتفعاً أمام الغاز الأفق، أو شبكات مهارة، ثم بيارق احتفالات العشب، وكانت المراثي مرثيات يرثى لها، الدفانون القدماء يرتدون قبعات السهرة؛ والفجر مثار ريبة: والسهم لم يأخذ مستقره الأخير، ولا سيدات الدار ثوابتهن العقيدة: كل المجسات إذ تشابكت. ومثلما يستتر البحر .. تتهيج المرتفعات: وليس هذا بالقدر لكي تكتب أو لا تكتب .. إنما بعض المسرات كانت اقل بهتانا من سواها  وجميع النذور كادت، تفيض من حاجتها.

[90]
وقرأنا قلب الميت صفحات متكسرات الموج، تلك هي الوديان مثار لذات الغائب .. واليد مباحة بعلانيتها. وقرأنا قلب الميت فقال أني ابن الميت حرب ابن الميت جورية ابن الميت سواحل ابن الميت باب ابن الميت مدن ابن الميت طوفان ابن الميت نار ابن الميت حتى آخر الأنساب فقال الميت القلب بما فيه والصحراء مباحة لسكان القبائل: هات خيمتك بنت الأفاعي بنت الذئاب  بنت الإبل بنت الموءودات اللائي دفن وقضين وعدن يتمرقصن يتشاتمن ثم تكف اليد عن الكلام وتطوى وسائد الدسائس. وقرأنا قلب الميت أني لم أر ولم اسمع فما أنا إلا بالمفتاح ما أنا إلا بالجسر وعلى الأثقال تنزهت حومت كبيانات جمعت في مناديل الثمار. أيهما إذا يا قلب الميت اخترع الفعل اخترع الفاعل. وقرأنا قلب الميت كلمات تتكوم تشطب بعضها وتشطب كلمات وحروف تخترع النبض الذابل كأن المباركات حبلن بقلب نابض فيما خلف وأما القلب الميت أسماء وانساب غطاها طوفان الأصداء وطوفان الرمل وطوفان الوعد وطوفان العشق وطوفان الموتى وطوفان آخر سيولد من رحم هذا الطوفان ولكن بقلب ميت. وهو ذا سر الأسرار إذ الميت يولد بسره وبسره تنهض القبائل بالرايات وبالمدفونين قبل وبعد الدفن وبكل من لم تر مشيمته النور ولا بصره الياقوت الأفخاذ والمحلات وسكان هضاب الروح وعشائر التآخي تعزي النجمة بقلبها الأبنوسي ويمشي  تلطم تلطم كالأرض تنشق تنشق فيرتفع صدى الرؤوس تلو الرؤوس لان النجمة لم تكفن ولم تمت ولم يكن لها إلا هذا الممر التابع لسواه والأخر حيث القلب نواة والحكاية عزاء والموت تتابع.
هات المفتاح ها أنذا في الماء أكوّن المسافة.

[91]
بك إذا ستمتد خطانا – إليها. وبها، عندك أقمنا كل هذه المعابر. هذه المطرزات الشفاهية ومؤانسات البدع وشكوى شحة الموارد: أكان الفقر احد أسباب اندثار الماء؟ ومن ذا – إلا بك – احتمل هذا الجبل بالأثقال .. ومن ذا      – إلا بك – احتمل رعشة اليقين . " غادر بما ترك .. ثم جاءنا بالفضاء …" ومن ذا – إلا بك – احتمل مرور السفن بالساعات المهجورات ، بالشاذ في اصطفاء ترتيب الزفاف، بالنسوة المهاجرات حسب الدورة، والمكعبات، والعاب الرماد، إذا – منك إليها كانت هي الفواصل، ما ستتركه اليد وما سيأتي به الراحل. إنما هذا كله افتراض رجفة غصن. بللنا صوت النطق، وسرية النطفة، وعلانية الوديان. إنما – في البعيد البعيد – أخذتنا خطاك أسرى تدشننا الرايات والهالات والهلاكات أيضاً. ثم لا أبهى منها – من هذا الوعد– إلا ما فيك: حنين مصاغ باللوعة، وكتمانات ذات شرائع قبلية: يا أيتها اللامسمات أو ذات الأسماء كلها، الأيام الساعات النسوة ليس بهذا سعينا، ليس لأحد استدرنا بقسوة القوس، أو كونا وساطات التوقف؛ هي هي إذا المرتفعات المخلوعات الأضلاع، الطوفان  الراقد مع الرمل والأسلحة مع المنتصرين. هؤلاء، انظري، بعض فصول الرغبة والنويا: طلسمات الرمح فوق كبد الضحية: الثأر، أو النبوة المزورة لسيدة الرمال، أو تلك الغزال بعينيها صاغت متاهات ثابتة، أو بالخيزران وهو يعيد للحكم نظام الأبوة والأحفاد. ثم هي المناحات بعض خطوط  متشابكة، استقبالات ووداعات واحتفالات متقنة التدابير. إنما بك إذا تتجدد الفضاءات، وإنما بك أيضاً  تأخذ الأناشيد أشكال المحاور، ومدن باهضة الترهل، غير خاضعة  للشك. بك إذا قد نتلمس الأطياف كوعد، ونغادر.
[92]
إذا ليس للبذرة أكثر من هذا: العواء الخفي للوردة .. أو مصالحات الماء. إذا ليس للصخرة أكثر من هذا: بهاء المعادن وبقايا أطلال .. مدن تنمو بالزنابق الهالكة: ارتفاعات باهتة للأصداء وأشياء لا تسمى بالأسماء . إنما هو الأكثر بهاءً، وسط مستعمرات الياقوت ومبايعات المعادن، إنما كلاهما للفكاهة باب: إذا هي المرتفعات زاهية بالظل، بمدافن الذهب والرايات .. لا أكثر من كلام يردده قلب الميت، في نهاية الفصول.
[93]
هذا العيد، ككل عيد، يغطي حشد المدافن؟ والزمن بلا لذة ينثر غباره فوق المودعين. هذا العيد للولد أو البنت أو الفصول أو الأحجار أو الكلمات. بلا أخطاء .. ما .. يكون قد حصل: وتكاملت البذرة على نحو ما، واستقر المدفون مع الدخان، والملك بالهتافين.
تكامل العيد الذي نبش مراثيه وتربع على العرش.

[94]
أيستدل التائه بالمتاهة أم هذا هو اليقين: أيتها الممرات بادلتنا الفصول وردتها، المرتفعات مراثي رايات: ثم قسمت ما بينهما، الأدوار تمويهات، والبذرة نار. وكم غاب الغائب ليأتينا بحكمته: وكم طال البقاء مختتماً الحشد بكثير من النسيان. وتحت النافذة تتربع ملكة، زنبقة، لا إغراء ولا اغواء، ويغرينا الناطق وتغرينا الناطقة انها ليست سوى الأنعام: الشبابيك وقد زينت بالأغصان، والميتون خلعوا مناديل الأسفار: ويظل الباب يحتجب الأبواب، وتظل النوافذ بالنوافذ تحتجب الزوار: من يعيد لي يد الدخان، من يرجع لي نطق الميت: ألا أيها المفتاح در دورتك أو دعني لا أطيل الأحزان: هذه مدن تتكاثر بالدفن: يخرج الميت من بين ضلوعها، نقلده القلائد، نخيط له  هالة الفرسان، ثم بالمتاهات نعيد حكاية الطوفان.
[95]
خاطبتني فأصغيت: اكتمل الغصن، واكتملت بضلوعه منسيات الأيام .. ثم يطلع الياقوت من الجرح .. ما أبهجهم في كل دوره: هم الأمراء أو هم الفقراء أو هم العشاق: مات أبهجهم في كل دورة كمدينة ترقد في الأحلام، وكسرير تطمر فوقه الأسمال أو الأوثان. ثم تستيقظ الساعات النائمات، كملكات متنسكات: أيها القديم كضريح خالٍ، لا خلاف بيننا، كلانا مزاره مثقل بالضوء، كلانا كوخه خالٍ من الأحزان.
[96]
لكي تعمل بأقصى طاقتك عليك أن لا تعمل: دع المفاتيح مع الليل في مشهد الذبائح: ليس من مبررات لاستمالة الظل؛ هذا النور توهج فاستعلت الأصابع، وهذه المدينة ضاقت بموتاها. يا وردة نائمة مع قلبي أما آن أوان السكينة، فروحي ستخرج عارية بأسلحة الورد، وأنت َ أو أنت ِ المتتبعة بعثرة النياشين أما آن لك استمالة الرمال: كلها أوراق تتكدس للعثور على ورقة، أو  ربما، لبعثرة جسد على شكل كتاب ليس ثمة اعتراض على شيء آخر، أو أخير: مادام الغريق غادر الموج بتذكارات البيارق .. آه ما دام الباب أغلق الأبواب وفتح لنا بهذا الدخول الأبواب.

[97]
يأخذ الياقوت شكل الرمل، والزمرد يقين الدخان، فتكون الأصداء أكثر ألفة، والأمطار اقل إيذاء. إذاً هي ليست إلا مؤانسات لم تؤجل تماماً، وثمة يضاف لهذا انهيار الهواء: أعط وخذ بالوهم ثبات الأوهام: أعط وخذ الإشارات تواريخ مشطوبة ومثبتة ليس إلا .. إنما أيضاً  هناك استدارة الماء، الخبز المستحيل، واليد المطرزة بالأضاحي، لا ذاكرة لقلب الحكيم، ولا أصداء داخل الأصداء.


[98]
ليس ثمة كلام آخر يتنافى مع القداس: اليد  مطوقة بالشفافية، والكوخ محض مفتاح كبير، مجهول ومستعار، ليس  الكوخ أو المفتاح يسأل ذلك، لا أحد فالتراب يخترع حكايات المرضعات، وليس أمام أو خلف الباب إلا استعادات مؤجلة تقريباً، إنما التذكر مهنة، إنما التذكر محنة، فمن ذا يشدد الطرق على الباب على التراب: يا يد العرافة بأي بهاء تم اختراع الأعياد: ذلك السائح وتلك الأميرة، وذلك المتلعثم وتلك سليطة الأحلام، من ذا يا يد العرافة اخترع المسمار فوق الصلصال، سك الثمن الأول، أو ربما الأخير، لزمرد الدوران. إنما قد لا تكون هناك أسئلة أو مزارات، فقط قطارات تبدأ بالصفر وتتراكم. هكذا  نصل إلى الدوران، كالفرح المستحيل، ونرتدي أثواب العيد، نثرثر بالأخطاء  بلا مبالاة القلائد، أو بدافع ان النظرات لا تلتقي إلا توهجا. إنما هناك اختراع الفائض من الذنوب، غير المشطوب، الأناشيد وهي تقلق وضاءة: الفائضة عن كل الحاجات، المباركة بالرقم اللانهائي، وحسب الرمل والكواكب، يستعيد الصفر عرشه، إنما بالكاد يعترف المبصر بما مر، لكن النبؤات تخترع الدكاكين، أيضاً، كأن السيول ستلامس المرتفع، لتكون المراثي قد غادرت السهول، فيسأل السائل لم الواحد، ولم الجمع، إنما لنبدأ باليد التي أعطت، واليد الباسلة في أقاصي الجواب .. لأن الهواء يأتي بالصدى ونخاع العظام  المتيبسة، هكذا ينبض قلب الميت بالبركة، تدور المتاهة، ويزدهر المزار: الأعالي تأخذ شكل الثمرة، والماء لون الحوار، لكن للطرائف لذات صيف وتبدلات، كالعذراء التي تاهت  وكادت بالكاد ان تلد الآخر، على ان النثر يستيقظ، بمعلومات الميت، ويشيد منفاه الجميل.
[99]
وهكذا يأخذ الماء لون القفل، والميت شكل الإقامة: فعّم تتساءل النار وعّم تتساءل النذور: الم تأخذ الحكاية دورتها؟ بالفم المغلق أو المستعاد دارت رحى  الغريق: أبصر  فتنكر، ومن لم يصغ صاغ للأطياف نوادر التكهن. ثم يأتي من يبعثرها، يشق للذبائح رايات الأقواس، منذ آدم، والأشجار تكتم لذة الجمر، والموج يتخذ هيبة الوثن. ثم نقيم القداس على من أقام القداس: ونعدل المتن بجمل طوال، نشطب زوال الاسم وندون ، ما شاء للمدوّن ان يدوّن فالأمر لم يعد يصاغ بالعلن أو بالكتمان. ستكون اليد تضاريس الجبل، والعين مكرمات المكان، إنما  لا احد يصغي جيداً، أو أكثر من ذلك، لصخرة استحالة دخان: المبحرون ببوصلات مبهمة يستأنسون رمال السواحل؛ أي بحر هذا تكوّن في البرية، أية مدن تتدثر بمسامير الطوفان: أكثر أو اقل من هذا ستصنع أيها النباش، المتحكم بالنوافذ ، المستهلك للنذور بالنذور:  أكثر أو اقل من هذا ستدفن أيها الدفان .. وأنت يا صاحب المحو، كيف ستجمع الدخان بالدخان: أم سـتأخذ  الحكاية شكل الفك أو تقوس      الدولفين، أو بدعة شجرة وحيدة في الوديان.                    يا للقوس الذي يزين غيبة الحبيبة، أسيأخذ الانتظار شكل القوافل. تجلد أيها الميت، ستحدد لك نجمتك يوم لا زوال ولا كتمان.

[100]
ليس من نوارس فوق الثمرة: الليل استفاق بمعادن مغلقة والمرتفعات تنحدر باتجاه الغيوم: ليس ثمة نوارس أمام الأحداق: لقد كسب الرمل الامتداد جوائز الفصول وآثام الابن القاتل: ليس ثمة مبررات للدفاع أو المهادنة : الطوفان فززنا بالأسطورة .. الوعد في مناديل الملكة .. والباطل أزهار برية برؤوس مزدهرة: أي وعد بالوحدة نثرنا إلى لؤلؤ، أغوانا بالجسور: أيها  الطائر بأي قلب ميت خاطبت الأشجار، بأي صكوك غفران أضعت الغفران، بأي أناشيد أنشدت لكي تصمت. ليس ثمة نوارس في الكلمات، ولا في طاحونة الاحتمالات: ثمة كما يعتقد، ان الفجر  هرب غير آبه بوصاياه. ومهما سنبحث أو نعثر أو نضيع أو نكتشف فالنوارس استحالت إلى هياكل ونجوم، والمعبد إلى نذور مموهة، كذلك ليس للأمراء أو العشاق أو المجانين أو الشحاذين أكثر من مرتفعات ومراثي: الأخير يكمن في البدء، البدء في النهاية. إذا كل منا استنجد ببرهة  زنبق ، بوادٍ  خالٍ من موتاه : من أبنوس وعاج وفضيات مغطاة برسائل لم ترسل: مثل الموتى  ليسو بحاجة  إلى المدائح، أو للأماسي المغناة، أيتها القريبة إليّ مثل غياب، ما من رهان بلا نية ، وما من مستقر بلا ضجات : سننشد حتى           ينفصل عنا النشيد ، وسنزرع البرية بعويل                      من ذهب، أيتها المرتفعات، هو ذا لذي كان، مثلما المراثي ستزيحها الأوثان، ومثلما القلائد ستبقى مخطوطات مكومات بالآمال.
30/ 3/ 1994






                                     




الجمعة، 7 نوفمبر، 2014

ثلاثية محمد سامي (بحيرةُ البجع)-إيمان أكرم البياتي




ثلاثية محمد سامي (بحيرةُ البجع)

إيمان أكرم البياتي


حكايةُ فرشاة تتقنُ الرقصَ على أنغامِ تشايكوفسكي  
  
بحيرةُ البجع تلكَ المقطوعة الساحرة التي خلدتها أنامل الموسيقار الروسي تشايكوفسكي، لا يختلفُ اثنان على أنها واحدة من أجمل المقطوعات الموسيقية العالمية على مرِ التاريخ، موسيقى تداعبُ الحواس الخمس وتحلقُ راقصة بالروح في الفضاء اللا منتهي وهي تصوّر قصة الحب العظيمة التي تجمعُ بطليها وسط الكثير من الخطوط الدرامية الأخرى المتمازجة مع بعض بإتقان، فكانت تستحقُ أن يُعملَ عنها أكثر من فيلمٍ سينمائي وكتابٍ مطبوع والعديدِ من البحوث.
وبعد سنواتٍ طويلة من عشقي لتلكَ المقطوعة وولعي بقصةِ الأميرة الفاتنة والمسحورة على هيئة بجعة والأمير الوسيم الذي يقعُ في غرامها دون كل نساء الأرض، وجدتُ نفسي أفتتن بعملٍ جديد يحاكي القصة لكن هذه المرة ليس في هيئة فلمٍ روائي سينمائي أو فلمٍ كارتوني وإنما عبر ثلاثِ لوحاتٍ قدمها التشكيلي العراقي الشاب محمد سامي لمحبي الفن في العالم ومحبي المقطوعة الخالدة بشكل خاص مطلع العام 2010.
بحيرةُ البجع في ثلاث لوحات تحملُ على التوالي أسماء (التاريخ، الموسيقى،الرقصة)تدعو إلى الكثير من التأمل والتفكير، لا أبالغُ إن أخبرتكم أني قضيتُ في تأملها عدة أيام وحتى اللحظة كلما يقعُ عليها بصري يقعُ معها سحرُ فرشاة محمد سامي على عيني، فأجدُ نفسي مشدودةً إلى العملِ بكل حواسي، فلم تشاهد عيني يوماً لوحة قد تحكي قصة عدة مشاهد درامية في خطوطها مرة واحدة وتنافس بجدارة أي فلم أعد للغرض ذاته كما فعلت ثلاثية بحيرة البجع مع الموسيقى التي تحملُ الاسم ذاته!.
في اللوحة الأولى والتي تحملُ أسم التاريخ history Theنجد بجعة تتوسط اللوحة، ترفعُ رأسها بكل شموخ إلى الأعلى وكأنها ترقصُ مع نسمات الليل وتغازل نجوم السماء بدلال وتعلنُ للجميع أنها أميرة رغم كل شيء.
 مع لوحة التاريخ The history تقرأ تأريخ البحيرة وتأريخ الأميرة المسحورة، ومع أن بجعة محمد سامي في لوحة التأريخ لا ترتدي تاجاً كما ألفناه سابقاً في الحكايات إلا أنها أميرة متوجة بجمالها ورشاقتها وبهاء ألوانها، والساحرُ في اللوحة بالدرجة الأساس تمايلُ البجعة الأنثوي الأخاذ وأجنحتها البيضاء التي بدت كفستان طاهر البياض شديد الصفاء، ثم الألوان الأخرى التي تحيط بها والتي للأسف لا أجد لها أسماءً!، وهذه الصفة ليست جديدةً على لوحات محمد فمن شاهدَ أعماله خلال العامين الأخيرين سيتوه إن حاولَ البحث عن أسماءٍ للألوان التي يرى، فالرجلُ يجيدُ ببراعة مزج الألوان، ألواناً لا نرى مثلها كثيراً ولا نعرفُ لها أسماءً أو أوصافاً فالأزرق ليس ازرقاً نقياً والأخضر ليس بأخضرٍ صافي وإنما اللونان انصاعا لأوامر محمد فلبسا حلية جديدة تبهرُ العين، كما يخضعُ الممثلون دون نقاش لأوامر المخرج السيد الأول في العمل السينمائي!، ولا يمكنني أن أنسى اللون الأسود الذي تتميز به أغلب لوحاته والذي يجيد استخدامه ببراعة المحترفين.

Swan Lake (The history)
  
وفي لوحة The music أو الموسيقى نجدُ بجعتهُ ترقصُ من جديد لكنها هذه المرة مختلفةً تماماً عما عرفناه في لوحةThe history  السابقة، فهي مختلفة في هيئتها ورقصتها فالبجعةُ هنا امرأة بجعة أو بجعة امرأة حيث نصفها العلوي امرأة فاتنة ونصفها السفلي بجعة! 
استغرقتُ الكثيرَ من الوقت في تأمل هذه اللوحة وفي كل مرة أجدُ نفسي أصفقُ لإحساس الفرشاة وأجزم أن من سيشاركني رؤيتها سيفعل المثل لاحقاً، فذراعا الأميرة هما ذراعان وجناحان في الآن ذاته والجزء البجعي منها أشبه ما يكون بفستان عروس أبيض حتى أنه اختلطَ عليَّ هل ما أرى فستاناً أم ريشَ بجعة؟ أم ربما محمد يصوّر هنا لحظة التغير الجسدي التي تعانيها أميرة القصة لحظة تحولها من بجعة إلى امرأة كل ليلة مع غياب الشمس ومن امرأة إلى بجعة مع أول النهار، أياً كان قصده فهو قدمَ لنا لوحةً فائقةَ الجمال وبديعةً في الألوان والتي تدرجتْ بين الأسود الغامض والفيروزي والأبيض والرمادي، ولابد أن اذكر أن الخطوط الدخانية حول ذراع الأميرة الأيمن أو جناحها الأيمن منحتْ اللوحة إحساس الموسيقى فلقد كانتْ أشبه بالنوتات الموسيقية المتطايرة حول الأميرة الحزينة الراقصة.

Swan Lake (The music)
  
في اللوحة الثالثة والأخيرة الرقصة أو The dance نجدُ الأميرة ترقصُ كما لو كانت راقصة باليه، فيتخيلُ إلينا سريعاً أننا داخل القصر الكبير حيث تتزاحمُ الأجساد المتراقصة وتحتشدُ لتتمايل على أنغام تشايكوفسكي ونكادُ تسمعُ ذلكَ الجزء الذي تتصاعدُ فيه الموسيقى لأوج عظمتها مع هذه اللوحة.
كل شيء يرقص في اللوحة، الأرجل والأذرع وتتمايل الفساتين برشاقة وخفه وكأنها ريشات بجعة تركتْ في الهواء، الأميرُ يراقصُ الأميرة المسحورة، يملئ جسده أغلبُ الجزء السفلي من اللوحة وتشغلُ هي الجزء العلوي وكأنها تطير، فمع أنها امرأة وليست بجعة إلا أنها تظهرُ وكأنها تحلقُ والأميرُ يمسكها من خصرها وكأنه يحاولُ إحاطتها خوفاً من فقدانها فهي أميرة أحلامه التي انتظرها طويلاً، أما الألوان فهي ذاتها التي حرص محمد على استخدامها في لوحتيهِ السابقتين مع إضافةِ لون مهم آخر وهو اللون البنفسجي في الجزء الأيمن السفلي وكأنه يشيرُ إلى حلم بطلي الرقصة.
قد يتساءلُ أحد لما لم يختار محمد سامي مشهداً آخر بعد ليرسمه بعد الرقصة؟ فالحكاية لم تنتهي بعد؟ فأجيبُ بان الرقصة الأخيرة هي المشهد الأهم في العمل الموسيقي ككل، فكلنا يذكرُ كيف أنها تتصاعد كثيراً في إيقاعها وتتصاعدُ معها دقاتُ قلوب الحاضرين وأنفاس المتابعين في كل مرة والحالُ ذاته هنا في اللوحة حيث أختصرَ محمد عدة مشاهد في لوحة واحدة وأجادَ إيصال الإحساس عبر حركة الأمير والأميرة وتمايل أجسادهم وما يحيطهم من ألوانٍ يصورُ بعضها ذكريات الحبيبين ويصور الباقي مستقبلهما معاً.

Swan Lake (The dance)
ومن الجدير بالذكر أن أبعاد كل لوحة من اللوحات الثلاث هو 80*80 سم
  
---------
••   محمد سامي: تشكيلي عراقي تولد 1984، له عدة مشاركات داخلية وخارجية وعدة معارض، 
حائز على الجائزة الأولى لبيت العرب/ الجامعة العربية - مصر عام 1999 والجائزة الأولى في مسابقة جنوب سيناء/ مصر 1999 والجائزة الأولى في مسابقة منظمة"نساء من أجل نساء العالم" أيلول العام 2006، مقيم حالياً في السويد. 



في تجربة شوقي الموسوي من النذور إلى الغبار-عادل كامل

في تجربة شوقي الموسوي  
من النذور إلى الغبار
عادل كامل

[1] رؤوس    
     لا تخفي عناية الفنان بأكثر العلامات رمزية، واقصد بها (الرأس)، ومدى تجّذرها، وعمقها في الزمن. فثمة انشغالات اكتسبت العلامات فيها كل ما توارى من استجابة وتحديات، لا للعالم المحيطي أو الخارجي، بمختلف تحدياته فحسب، بل للإنسان ذاته بصفته أكثرها إشكالية.
   فالرأس ـ هنا ـ ليس محض علامة صورية، مرئية، أو وحدة تشكيلية معزولة عن باقي العلامات، بل توغلا ً في تفكيك آليات الإشكالية، ذاتها: إشكالية الاستجابة لوجود أصبح في مواجهة المجهول.
    ومع ان الذاكرة حفظت أقدم آثار هذا التصادم، أي وجود الإنسان، في صراعه مع الضواري، والظلام، وعوامل الطبيعة، من ناحية، وفي صراعه حد الموت مع الإنسان، من ناحية ثانية، بضربات مميتة في الجمجمة، في قرى ترجع إلى مليون عام مضى، فان (الرأس) مكث العلامة المشفرة بملغزات مقاومة الغياب.
    على ان تاريخ الإنسان المحفور، المنقوش، والمرسوم، حافظ على مشهد الصراع كإرادة استجابت لتخطي عوامل الفناء ـ والزوال. فالرأس كان بذاته مظهرا ً ومحركا ً، شكلا ً ودينامية، مرئيا ً ومخفيا ً ..الخ، لهذا المسرح الذي لم يترك نصرا ً كالذي تمثل في الأشياء، كممتلكات معرفية، رمزيا ً في الأقل.
   هذه (الرؤوس) عمليا ً وليدة قرن عشناه لم يشهد وضوحا ً كهذا في التحدي، فمنذ تم تفكيك الإمبراطورية العثمانية، إلى أجزاء، والأجزاء إلى جزئيات، ووحدات منفصلة بعضها عن البعض الآخر، مازال مشهد استهداف (الوعي) مقترنا ً بصراعات اكبر، وأكثر تعقيدا ً، والتباسا ً، وتمويها ً، تارة يأخذ القناع دوره فيها، أي الانشغالات التمويهية بمعانيها الرمزية، وبتحكم القوة فيها تارة أخرى. ولعل ذاكرتنا الحديثة لم تغفل تلال (الرؤوس) التي كومت في مناطق المواجهة، وتحديدا ً في بغداد، في ساحة الميدان الحالية، عند باب المعظم، وهي إشارة لعقود تالية راح ضحيتها (الوعي) في مواجهة التحديات.
     هذه الرؤوس ليست شهادات مرئية بحدود استهداف الإنسان، أو تستعيد الحفر في قرون حصدت آلاف الأرواح فيها، في مناطق شاسعة من العراق فحسب، بل ما تخلفه من دور للمشفرات كإنذارات اختارت الرأس جينا ً مرئيا ً لها.
     إنها تذهب ابعد من معناها، أو تأويلنا له، كوثيقة، أو اثر، وابعد من ان تتوخى جماليات خالصة، في عصر الموت الذي بلغت نهايته ـ وفاتحته ـ بتحول الروح ذاتها إلى سلعة، بحسب هيغل، تمنح الفن مكانة تعيد للغائب ـ عبر انتهاك حضوره ـ استجابة لذات المشفرات التي ما انفكت تعلن عن استجابة لحياة لا ينتهك فيها الوعي، كوجود قائم على الحرية، وليس على المحو.
    هذه الرؤوس إذا ً تعبر من فعل (الموت) نحو تخوم عالم نجهل ما ستؤول إليه نتائج التصادم، إنما، ليس لدى الفنان إلا ان لا يغيب، من غير آثار تجعل المستقبل اقل انتسابا ً للمحو، والغياب. فالأثر هنا مازال محمّلا ً بالمشفرات ذاتها التي لم تُدفن مع أقدم ضحايا العنف، بل بالتي مازالت تبدو كشاخص لرؤوس عنيدة في مواجهة الغياب.
[2] الفجوات: منطق التناثر
    يمتد الأثر من الأرض إلى النص الفني، ليحافظ على الفراغ: عودة الرسم إلى الأرض. انه استرجاع شارد، إنما لم يخف نسقه، للدفن الأول. الانشغال بما حدث: الولادة ـ ومن ثم صدمة الغياب. عمليا ً، صدمة الغائب. إنها قراءة سمحت للاوعيه بالتحرر من الوعي. فإذا كان مهرجان الرسم في العراق، منذ نصف قرن مضى، قد وجد في التجريد ممرات إلى الاحتفال، ومظاهر البذخ، فان عددا ً من التجارب، ستختار عزلتها: عزلة الرسام، ولكن ليس عزلة الرسم.
     فالدفن القديم، وان كتم مبرراته، فانه لم يلغ امتداد نظامه القادم: إن لم تُدفن البذرة، فإنها لن تورق، ولن تنبت. انه النظام ذاته سيلقن دروسه للإنسان: وضع صخرة فوق القلب، وبجواره مجموعة من الأواني، والورود، وأحيانا ً نعثر على قلائد، وخرز، وأساور، إن كان الراحل امرأة. إنها الومضة البكر للفلسفة: هل من حياة بعد الموت ..؟ لأن حدود المنطق لم تسمح بالحديث ابعد من الدورة، ومسافتها: بمعنى ان شرط الموت يكمن في نفيه، وهو ما سيأخذ أسسه في المعتقدات، لا للامساك بالغياب، بل للعثور على حل يوازي واقعية الحدث، وامتداداته. فالتكرار سيرسخ مبدأ ان المسافة (الفجوة) بين المرئيات وما بعدها، ستشّيد أقدم خشبة لأداء الأدوار: المسرح. ذلك لأن ما يحدث ليس هو إلا إعادة تمثيل، تقمص، ونظام التشبث بالغائب ـ وبغيابه ـ عندما تصبح حدود الإشكالية كامنة فيها.
      وعلى خلاف الاتجاهات غير الرمزية، وغير التعبيرية، وغير التشخيصية أساسا ً، في الرسم العراقي، محاكاة للإشكال في قطيعتها مع الأصل ـ ومع ما تعنيه أو تحاول ان تمثله. فالتجريد ـ بتحولاته كافة ـ غدا امتدادا ً لتيارات لا تسرد، ولا ترسخ، وإنما تمر، تعبر، لتغيب. على العكس من هذا وجد الفنان انه إزاء انشغال فرض حضوره: الموت. فتاريخ العراق الحديث ـ بعد 1958 ـ مشحون به، حتى ان ما سيغدو (إرثا ً) راح ينتقل، كوراثة، عبر الأجيال، تاريخا ً للمحو ـ وفي الوقت نفسه، تشبثا ً عنيدا ً بنفيه.
    ولم يغب عن وعي شوقي الموسوي هذا التاريخ، المروي أو المعاش، كي يدرك ان هناك من غادر المسرح، كي ينجو، ولكن كي يرى المشهد عن بعد، وثمة من مكث يقاوم غيابه، وهو في عمق المغطس.
    تجارب في الرسم، وفي الكتابة، لم يعزلها عن المشهد، الواقعي، والذي أصبح، في سنوات الصدمة، يوميا ً. ولأن برنامجه الشخصي توخى ان يمتد من (النائي) أو (اللامرئي) نحو الظاهرة، فانه، عبر الرسم، سيجد نفسه إزاء أسئلة لا تخص الرسم، ولا تخصه  ـ هو ـ كفنان، بل ستقلب المقدمات إلى نهايات، والأخيرة إلى مشاهد موجعة.
    وتحديدا ًن لم يتحايل الرسام في صياغة تصاميم إعلانية للحدث. انه سيترك الرسم يعيد بناء أجزاءه كما كانت الجثث تترك لأيام في العراء لا تجد حتى من يدفنها. إنها نذور العقم، وغير منفصلة عن الأرض اليباب، وتاريخ الغبار، والرماد، وعن سعادات لا وجود لها. موتى يتساءلون أيحدث هذا فعلا ً، بينما ملامحهم وكأنها تخبرنا، كما في قصيدة للشاعر حامد الراوي:
" ونسأل: هل من دليل على موتنا
كي نموت"*
    فالتاريخ ـ هنا ـ ليس قيد الكتابة، بل قيد التناثر، والمحو. فإذا كان الإنسان قد استمد من الواقع فعل الدفن، ورتّب مشاهده، بأي تصوّر من التصوّرات، فان التاريخ الحديث ـ القائم على آليات فن التدمير ـ غير معني بالدلالة، والمعاني، ولا برموزهما.
    إن شوقي الموسوي، لا يزخرف (الجسد)، ولا يجعل منه إعلانا ً، بل ولا حتى استغاثة، ولكنه، في الوقت نفسه، يعيد قراءته كواقعة تاريخية، قائمة على العنف، من منظور يحافظ فيه على كل ما لم يُدفن، ويتوارى ـ في الماضي ـ فيه، بل كواقعة مازالت في عنفوانها: رؤوس لا علاقة لها بفعل الموت ـ لا واقعيا ً ولا رمزيا ًـ لأنها مازالت تمتلك حضورها الغائب.  فهل غدا الحاضر مرآة وحدها هي التي تكتم استبصاراتها، فينا، وليس العكس، عندما كانت المرآة تدشينا ً لتاريخ اكتشاف الإنسان لنفسه.
    الفنان، هنا، لا يرسم، ولا يؤدي دور الرسام، وإنما الصدمة لم تسمح له إلا ان يعيد القراءة: رؤوس تركت غيابها حاضرا ً، كما بنزول (ديموزي) إلى عالم الموت، ولكنه لم يغب فيه ـ كما في السرد السومري ـ وإنما ليفتتح تاريخ المراثي بعمقها الفلسفي: ما لم يبلغ الحدث النذر فلن يعبر من الظلمات إلى النور، أو يغادر قاع العدم نحو الوجود. لكن الأجساد ـ الرؤوس ـ تحكي رواية تخص زمنا ً لم يعد فيه الإنسان إلا معادلة في حسابات الربح، فلا هو مات كفداء، ولا راح ضحية لقضية، بل وجد نفسه ميتا ًـ ليس لأجل موته، أو ليكون جزءا ً من المشهد، بل كي يصبح إشارة مغايرة لتاريخ وجوده ـ ومصيره معا ً.  فهو لم يعد فائضا ً في نهاية المطاف، بل عتمة من غير إنارة. فالرسام لا يذكرنا بعبثية (الحروب) و (الفتن) و (اللامعقول) الذي طالما ترك أثره في تاريخ الفنون الجميلة، البصرية، بل ما هو بدرجة تجعل الرؤوس تحكي ديمومة غيابها، حيث الموت يتساوى مع الصفر، استذكارا ً لمغزاه كعدم ممتد، وليس دفنا ً لاستكمال الدورة: واقعية الولادة، ورمزيتها.
    وهنا يكون الرسم قد أعاد دورته، في المشهد؛ التقاط ما تناثر في (المرآة) ـمن  الأرض إلى النص الفني ـ ليمنح الفجوة، مرة ثانية، حضورها. فالتشخيص ليس منهجا ً تم استهلاكه، بل تدشينا ً لقراءة تمنح المتلقي سلسلة من الصدمات، استكمالا ً للاستيقاظ، وليس استمتاعا ً لا مباليا ً بالغائبين، أو بالغياب.

* حامد الراوي [هوامش كحل] مجموعة شعرية. دار ميزوبوتاميا ـ بغداد 2013 ص48


[3] الإنسان ـ وأطيافه
    في كرة القدم، بصفتها رياضة شعبية، يصعب إجراء تحول أو تجديد في أسلوب اللعب، ما لم تكن النتائج، معزز بالأهداف! انه العمل وفق النظام ذاته القديم: مقاومة الغياب. ففي الغابة، أو في عالم معاصر تعداد سكانه سبعة مليارات إنسان، لن تُستحدث (المثل) أنساقها ما لم تكن على حساب الطرف الآخر، أيا ً كان هذا الخاسر، ان كان يعيش تحت خط الفقر، أو من غير وعي، أو بصفته واحد من المليارات وكفى، أو كان يقف في أعلى الهرم. لكن التاريخ يمضي بالنسق ذاته: ان العدالة لن تتحقق إلا بالحفاظ على دعاة جدد: تارة تستحوذ المثل عليهم، إن كانت روحية أو جمالية، أو كانوا على شاكلة هولاكو أو نابليون أو هتلر، مصائرهم، أو كانوا من طراز آخر.فمع التحولات التي تبدو جذرية، في (المُثل) والعادات، والأعراف، لا يفقد نظام  (الذي يزول) ديمومته، كما لم يرتد أو يتراجع، أو يفقد جبروته.
    ففي نهاية القرن العشرين، بلغ الرسم في العراق، ذروته في القطيعة مع الواقع، وذلك بازدهار أساليب فنية أكثر جاذبية للآخر. لا لأن (الروحي) أو (الجوهري) قد فقد معناه، بل لأن مفهوم (السلعة) غدا وحده الأكثر اشتغالا ً ومعيارا ً لنجاحات الفنان، ولمعنى الفن.
  ومع هذا الازدهار، في تنوع الأساليب، والاتجاهات، والانشغال بلفت نظر (السائح) أو سماسرة الفن، كانت الرداءة، هي الأخرى، قد بلغت ذروتها: تيارات لم تتخل عن الإنسان، وموضوعاته، فحسب، بل عملت على عزله عنها. فالصدمات كانت تحفر أسسها في المناطق النائية، درجة دفنها، تاركة السطح مسرحا ً لمظاهر البذخ، والفكاهات اليومية للتداول، والاستهلاك، مادامت تحقق ربحا ً لها.
     إنها ليست حالة أحدثتها مرارات الحروب، وأثرها الموجع في المجتمع، نفسيا ً، اقتصاديا ً، وثقافيا ً، في الفن، بل تسللت، باليات محكمة، ولا شعورية، من أزمنة سابقة. فجماليات (البذخ) أو (الترف) أو مشاعر (النُخب)، لم تجد فرصها للازدهار إلا على حساب خسائر في الجانب الآخر.
       فما الذي تركته سنوات الموت، والذعر، في الفن، أكثر من ازدهار أساليب قائمة على نموذج لم تجر عليه إلا مناورات تكنيكية مستمدة من الأصل: التجريد. لكن ليس التجريد بأي معنى من معانيه عدا النموذج الذي تحول إلى ظاهرة: الذي أكد القطيعة لا مع الطبيعة، ولا مع المجتمع، ولا مع الإنسان فحسب، بل مع الفن.*
    في عام 2000، أو في عام 1999، وجدت نفسي ـ قبل ان اصدم بمنعي من الترشيح إلى الهيئة الإدارية لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ـ مسؤولا ً عن اختيار عدد من الفنانين الشباب لجائزة الإبداع السنوية التي تمنحها وزارة الثقافة.  فلم يكن المعيار لدي ّ إلا التفكير في التجارب الأقل انشغالا ً بمظاهر الترف، والقطيعة، والتحايل، والأكثر انحيازا ً لخصائص الهوية الشخصية: ذلك التطلع لمنح الحضور معناه إزاء الغياب: غياب الإنسان.
    فاخترت مجموعة من التجارب، ومنها تجارب شوقي الموسوي، زينب عبد الكريم، عاتكة الخزرجى، والخزافة هايدي، كما أتذكر..
   كان المشترك في تجاربهم يماثل من يتقدم في المجهول بلا تردد. فالأسلوب لا يأتي بعد الموت، على خلاف كلمة بيكاسو، بل يولد في كل لحظة انجاز قائمة على استعادة الواقع ـ وليس سطحه ـ وقد لا يكون (التشخيص)، بأية رؤية، مؤشرا ً أخيرا ً، أو أحاديا ً، فثمة آفاق أخرى للتدشين، قطعا ً ليست قائمة على (الربح)، ولكنها لا تدير قفاها للهزائم، والخسائر، إنما ستبقى أطياف الإنسان، إن غابت، فانا لا اعرف عن أي حياد أو عن أي (أشياء) باستطاعتها ان تلفت النظر..!  فالجسد؛ من الرأس إلى الحركة، ومن الظل إلى الأثر، ومن الطيف إلى الرموز..الخ، يضعنا في المشهد: الديمومة، حتى لو كنا جميعا ً نغلق أبصارنا عندما تتحول اصلب الأشياء  إلى غبار، أو أثير. فالديمومة، هنا، وكأنها لا تؤكد آليات التشبث بالزائل، ولأننا ـ وبعد رحيل شاكر حسن، وهجرة  عدد من الباحثين والفنانين ـ لم نجد من يتحكم بالمصائر، كما تحكمت بها (دكاكين) بيع الفن ـ وبيع الفنانين ـ فان الحوار لم يعد إلا أحاديا ً، شبيها ً بالحديث عن موتى لم يكن لحضورهم إلا ما يفنده.
   كان شوقي الموسوي، يعمل على مفهوم مركب لوحدة النص الفني. فالفنان لم يهبط من كوكب آخر، غير كوكبنا، وإنما أدرك ان ما يحدث ـ أمامه/ وبجواره/ وفي العالم ـ في الأرض، وفي ما تبقى من الثوابت، يُدك، ويتعرض للهدم، والمحو، بعد سنوات كانت الأحداث فيها تتخطى أية وسيلة من وسائل الخطاب الفني/ الثقافي، لأنها كانت تعمل على دمج، وإزالة، ومحو خصائص التفرد، أو الهوية. فالغائب غدا وحده يمتلك أطياف حضوره، تارة، ويتشبث بمن لم يُدشن بعد، تارة ثانية.


* في حوار مع الصحفية منى سعيد  اذكر بما قلته في عام 2001:
ـ [ لقد اعترفت بأنك أضعت زمنك وانك جدا ً آسف حتى في معالجة بعض الأفكار؟
ـ " سبقني بالاعتراف أستاذي شاكر حسن .. وقال انه نادم على نصف ما كتب! أقول أنا: سأعود واكتب ـ كل ما كتبنه ـ  من جديد: سأشّرح كتبي، وافككها، واظهر للقراء، أخطائي، وأسبابها، وذلك لكون العالم يتطور، والمناهج تتجدد. ولكني اعترف أنني كلما اطلعت على معلومات جديدة ازداد ثقة بان جواد سليم كان أكثر من أسطورة، وان هناك مواهب شابة، اليوم، تمتلك قوة الريادة والصدق والأصالة، علينا أن نعترف أن زمن الخيانة قد ولى، في النقد وفي الفن معا ً، فمن يخون، في فنه، وفي كلمته، جدير به أن يصمت، ويشتغل في مكان آخر."] وقلت أيضا ً:
[ ـ"  اشعر انك في مأزق .. حتى يخيل إلي ّ انك تريد التخلي عن الكتابة؟
ـ " لن اصمت، ولكن علي ّ أن أتعلم الصمت الحكيم. لقد كتبت قبل أيام " إننا صنعنا أوثانا ً كثيرة وعلينا اليوم أن نقوم بهدمها." والمثير في الأمر أن هذه العملية شاقة، فإزاحة العملة الرديئة أكثر مشقة من إنتاج عملة جديدة. ومع ذلك ليقل كل منا كلمته ويغادر. فالنقد الجيد يثبت في الرأس كالنبات الجيد.. فالآراء في تغير دائم، والعالم اخذ في التقلص إلى مشاهد صغيرة. حياتنا في فاتحة الألفية الثالثة لها مذاق آخر، ودفاعنا  عن جماليات وخطاب الفن وشخصية المبدع ومكانته الاجتماعية والثقافية كلها ذات صلة بحياتنا ومستقبلنا. فالرؤية الشمولية تعيد التوازن للجميع، لهذا من الصعب التحدث بعيدا ً عن الأسس."] مجلة ألف باء ـ 2001 ـ حوار أجرته منى سعيد.


[4] الديمومة بلغزها
    إنها البذور وقد أينعت، ولكنها أينعت موتا ً، فالرؤوس معزولة، كالأجساد، في العراء، وملقاة بلا أدنى حد للحشمة، وحرمات الميت. فـ (ديموزي) لم يغادر عالمه السفلي إلا كظل لاستكمال دورة غير تامة، مبتورة، إنما يعود، ليولد ميتا ً، ملقى، كأنه اخرج من عالمه عنوة، ليجد الذي هرب منه، أمامه: موته. فهو مصير فضّاح، إزاء الأقنعة، لأن الولادة ليست إلا إجهاضا ً، مثلما الأثر يكون قد بلغ ذروته: انتظار الموت! الموت الآخر لاستكمال قانون الدورة(1)، بمعنى ان الانتظار سيغدو أملا ً مجمّدا ً،مخفيا ً، مستترا ً، سيوكل إلى المتلقي كآخر عليه ان يتلمس رأسه: هل ثمة رأس...ظ فالحصاد جرى على شكل صدمات، لأن الموسم لم يكتمل، وربما لم يبدأ، فالرؤوس لا تحكي شيئا ً عدا أنها أدت دورة أخرى: العبور من الحدث إلى الرسم، والانتقال من النص الفني إلى المتلقي. إنها دورة غير مكتملة، فلا البذرة دفنت، ولا هي رأت النور، إنها بانتظار موتها كديمومة لحياة لم تترك أثرا ً دالا ً عليها.
    ان الفنان يترك لا وعيه طليقا ً، بعد ان حرره من القيود. فهو لا يحتفل، لا بالموت ولا بالولادة، بل يخبرنا بما حدث: الأشياء وقد أعلنت عن حضورها. فالفنان يعيدنا إلى الموضوعات ذاتها التي تحدثت عنها أساطير الشرق الأولى، والسومرية تحديدا ً (أي التي دوّنت مفهوم الإرادة كنظام، أو كقدر، أو كحتمية) حيث المقدمات لم تكتمل، إلا اذا كانت باطلة، كي تبقى النهايات مؤجلة، أو بانتظار نهاية ما تؤدي دور الدفن.
   انه تلخيص آخر للحساسية إزاء الصدمة؛ الصدمة بواقعيتها وقد استحالت مشهدا ً مؤكدا ً لمحنة التردد في قبولها، وفي نفيها على حد سواء. فالبذرة لديها ـ كالإرادة ـ الذي يجعلها ملغزة بهذا الحضور. فالشاهد أصبح يتأمل الموت من غير ان يستسلم له، ولكنه، على حد كلمة لوليم جيمس: هو " الذي يسمع الصوت الضعيف للفعل دون ان يضعف" (2) فسيرسم من غير آسف على مصيره المعلق بالموت، كي يتضمن نفيه. فالفن ـ في هذا الموقف ـ يستعيد إرادة ما لعمل الإرادة، إن كانت عمياء، أو تعمل بآليات لا وعيه، أو كانت متجاوزة، بحثا ً عن مصير مموه للامتداد، وملغز بها.
    وأنا شخصيا ً كنت أنجزت مجموعة من (الرؤوس)، بهذا الهاجس، ترجع إلى فاتحة سبعينيات القرن الماضي، لخصت فيها ما معناه: حدث ما حدث بقوة الحدث، ومحركاته، من غير اختيار ما يحدد احتفالا ً أو إصغاء ً، بل تذمرا ً صامتا ً، سمح لها بالظهور. وهو سياق له ماضيه الغاطس، والمعلن، منذ ترك إنسان المغارات علاماته تحكي ما هو ابعد من الفزع، وقد غدا الأخير، محفزا ً للإرادة، ولكن ليس بدوافع النصر، أو الظفر. وهناك نصوص مماثلة، في الثقافات كافة، تصوّر البذرة في ذروة وجودها، تماثيل (بوذا) وقد تناثرت عبر طريق الحرير، وآلاف الرؤوس فصلت عن أجسادها، وأخرى تم حرقها. فالرأس ليس المركز بمعزل عن آليات مقاومة الغياب حسب، بل محاولة عنيدة للامساك بقناعة ما تشبه النذور، أو الفداء، أو فعل الخلاص، تحكي هذا الذي لم يصبح عدما ً، ولكنه لم يصنع من الوهم أملا ً، بل تتابعاً: الديمومة بدورة لغزها.
  كنت رسمت علامة(×)، ليس بمعنى التحريم؛ أي كحد فاصل بين الرأس والجسد، ولا بمعنى الإلغاء، كمواجهة، بل بمعنى ان الآخر ـ الرأس ـ أصبح فائضا ً، وكأنه يحكي مصير المشاهد: الرسام، أو المتلقي، وهو ينجذب إلى المتاهة، وديمومتها.
   ورأس السيد المسيح، استكمالا ً لمصير ديموزي، ومن ثم الحسين، يفسر كيف يتحول اللامعقول إلى مشاهد مألوفة، والى طقوس: رأس في إناء، أو يرفع بالرمح، أو يوضع فوق صخرة. وفي حاضرنا لم تعد تصدمنا مشاهدة آلاف الصور المماثلة. فالتلفاز سيعمل على صناعة عالم تفقد فيه (الرحمة) حضورها. فالدم المتناثر إشارة للهيجان، وللإثارة، ودفع المشهد نحو مصيره: المواجهات، في حرب: الكل ضد الكل.
    لكن هذا ليس إلا استثناء ً في التجربة، وليس محض ظاهرة. لأن رد الفعل سيدير بصره عن الحدث، وينشغل بالجماليات، وبكل ما يتستر، أو يتجاهل جوهر الحدث. وقد كتب سارتر مقالة قلل فيها من أهمية هذا (الاستثناء) وحصره في تجارب نادرة. وهو حكم يعالج الأشكال وكأنها تعمل بمعزل عن محركاتها. الأمر الذي شكل (إشكالية) في التيارات التقليدية، والأخرى، التي خالفتها. فالتيارات الفنية المتمردة ـ في الأسلوب ـ التي كرست موضوعاتها للمسكوت عليه، لم تغب، منذ رسومات جيروم بوش إلى كرفاجو، ومن غويا إلى مونخ: فنون مهدت لموضوعات الملصق (السياسي) ازدهاره، في عالم: الكل ضد الكل، أو: اذا لم تكن معي فأنت ضدي.
   بمعنى ما فان إعادة رسم (الموت) له سياقه اللاواعي، وله، في الوقت نفسه، مبرراته في الانحياز ـ والاختيار . فهو ليس (استحصال حاصل) كمشهد من مشاهد اللعب، في الفن، أو في الأعراف السائدة، بل هو الصرخة وقد كتمت صوتها، وهو البذرة بصفتها تحمل نظاما ً لا ينغلق عند مفهوم أخير من المفاهيم، ولا عند غاية لها خاتمة أخيرة، مثلما (الوعي) لن يبلغ أعلى درجاته، وهو يصطدم، بتدشينات لم يتحول فيها الموت إلى عدم.
    فلم يكن بصر شوقي الموسوي منشغلا ً بالبساتين، والمباهج، مثلما لم تكن بصيرته (مثالية)، في أي اختيار من اختياراته، وهو يرى آثار (الموت) تتكّوم، كي تتسلل، من الأرض إلى النص الفني. فقد شاهد اللامعقول، في سياقه الواقعي، مثل مسرحية وجدنا أنفسنا لا نشاهدها عن بعد، بل ان نؤدي أدوارنا فيها، حتى لو كانت رؤوسنا لا حضور لها إلا كمسافة بين الحدود: حدود الواقع وحدود اللوحة. فالفنان وجد انه لا يمتلك قدرة اللعب، في التكوين، والتركيب، والتحوير، على مستوى مفهوم الرسم السائد، بل ضمن فعل الفن، فعل النائي، وفعل الغائب، كفعل تضمن خاتمته في الامتداد.
     فإذا كان موت الفن، وصولا ً إلى موت الإنسان، عبر الازدهار المرّوع للرأسمالية، بماضيها المبكر( منذ اقترن الهرم بالسلطة في ذروتها/ الفرعون، والزقورات بالملك، وبملك الملوك، السلطان ..الخ) قد غدا ظاهرة معاصرة، فان هذا الموت، الواقعي، اليومي، لم يفقد تحوله إلى عادة، في الوعي، وفي تطبيقاته المباشرة. فهناك الذي لا يقاوم، وإن لم يصبح اختيارا ً بمعنى التطابق بين الفكر والسلوك، منح الأداء الرمزي كل ما يخص استحالة تعريف: ما الإنسان، إلا عبر هذا الانحياز: رؤيته وهو شبيه ببذور تناثرت بقوة النظام، كي تثبت إستحالات أصبحت مألوفة، ليس في الواقع، ولا عبر وسائل البث، ولا ضمن الفنون، بل سكنا ً يروّض الموت نفسه فيها، وقد غدا واحدا ً من عناصر الرائي، وديمومته.


1 ـ تقدم لنا بلاد الرافدين النموذج الأمثل عن مفهوم التاريخ المفتوح، حيث نستطيع تمييز أربع مراحل للتاريخ المقدس تكشف عنها الأسطورة. ويذكر فراس السواح: " المرحلة الأولى هي السرمدية الساكنة عندما كانت الإلوهية منكفئة على نفسها مكتفية بذاتها. المرحلة الثانية هي الزمن الكوزموغوني، أو زمن الخلق والتكوين، عندما خرجت الالوهة من كمونها فأطلقت الزمان ومدت المكان وحركت دارة الوجود. المرحلة الثالثة هي زمن الأصول والتنظيم، عندما عمد الآلهة إلى تنظيم شؤون العالم والمجتمع الإنساني، من خلال عدد من الفعاليات المبدعة التي نشطت عند جذور التاريخ الإنساني. المرحلة الرابعة هي زمن البشر المفتوح على اللانهاية" انظر: فراس السواح [الرحمن والشيطان] دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة. دمشق ـ الطبعة الأولى 2000 ص23
2 ـ أرمان كوفيليه [نصوص فلسفية مختارة] بيت الحكمة. بغداد ـ2006/ ص310

[5] بين علي النجار وشوقي الموسوي

    هل كان استخدام (اليورانيوم)، في الحرب على العراق، يمتلك، في سياق نسق اشتباك الحضارات، مبررا ً، من اجل ديمومة الحياة، إلا كآلية تقسم البشر إلى من في القمة، والى من في القاع..؟ فالبحث عن الشرعية، والمعايير الأخلاقية ـ وبأي معنى من المعاني ـ لهذا الاستخدام، مع الترويع، في نظام الصدمة، وتدمير السلام الروحي للسكان، لم يفض إلا إلى نهايات كان جلجامش، وهو يتأمل مدافن أوروك، قبل خمسة آلاف عام، قد أدرك استحالة العثور على ديمومة للذي رآه يحول الجميع إلى غبار..؟
    ففي الفترة ذاتها التي شغلت علي النجار بشاعة الحرب على العراق، كنزعة تدميرية، وما خلفته من آثار في مصائر الملايين، في حاضرهم، وفي الأتي من الأيام، انشغل شوقي الموسوي برصد ظاهرة أخرى مجاورة للعدوان: القتل المبرمج للسكان العزل، المدنيين، فكانت ثمة احتفالات للقتل، تجري، وقد صوّرت، شبيهة بتلك التي كانت تحدث في الغابات: انتزاع قلب الضحية, فالحدث المعاصر، في فاتحة الألفية الثالثة، وتحت مراقبة فضائيات لا تحصى تقوم بالرصد والتوثيق، تُبعث أقدم النزعات وحشية، وتمنحها حياتها. إن الرؤوس التي صورها الموسوي، لهذا السبب، لم تعامل كنذور، فهي لم تؤد دور البذرة، بل كما في مشروع على النجار، حولت الأجساد إلى ذرات، وذبذبات، ومخلفات.
     معرض علي النجار، الذي أقامه في عاصمة أوروبية، يخاطب الرأي العام، لم يعزل نزعته الإنسانية عن بحثه ـ وخلاصه ـ في الفن. وهذا ما منح شوقي الموسوي قراءة للبشاعة، كجمال مفرغ من الترف. فالعامل المشترك في التجربتين يكمن في استخدام اللا شرعية (اليورانيوم والقتل المنظم) في تدمير المصائر. فالنزعة التعبيرية ـ هنا ـ عملت ضد مفهوم موت (الفن) وتحوله إلى سلعة، بل، وحتى إلى إعلان، أو دعاية، وإنما للحفاظ على عدالة ما مازالت نائية، ولكن يصعب عزلها عن الرهافة، وفصلها عن إرادة الحياة.
     ثمة إشارة حول معرض علي النجار، توثق:
      [ورافق العرض نص مدون, كوثيقة مرافقة تكشف حجم الأضرار التي لحقت بالعراق نتيجة لما تعرض له من القصف بقذائف اليورانيوم ما بين الأعوام(1919 وحتى 2003), نص الوثيقة: " ليس بالإمكان وبكل الأحوال تصديق ادعاءات من أطلق قذائف اليورانيوم المنضب Depleted Uranium Munitions في الحروب الحديثة, وبأية ذريعة. ان" ليس لها" تأثير على البيئة والإنسان. بعد ما كشفه العلم من ماسي أضرارها الرهيبة. ولنا مثل في ما حدث للعراق. كونه الأكثر تضررا من يوغوسلافيا وشمال أفريقا وأفغانستان.

العراق الآن من أكثر مناطق العالم تلوّثا بالإشعاعات والمواد الضارة ، إذ تقدر التقارير العسكرية كمية ذخائر اليورانيوم المنضب التي استخدمت على العراق خلال حربي عام 1991 و 2003 ما بين 2000 و 2000 طناً مترياً بأقل تقدير. علما ان 800 طن من اليورانيوم المنضب يعادل في ذريته 83 قنبلة ذرية مثل التي ألقيت على مدينة ناغازاكي، وقد بلغت كمية الإشعاع- وفقاً لحسابات قائد عسكري حوالي 250 قنبلة نووية.

اثر إشعاع اليورانيوم المنضب والترسبات الناجمة عنه تبقى فاعلة ومؤثرة لأربعة مليارات سنة مقبلة، وتعمل ببطء على تدمير المستقبل الجيني للشعب العراقي والشعوب المجاورة بشكل لا يمكن وقفه أو الحد منه.
الإمراض المتسببة من جراء الحرب وأسلحة اليورانيوم المستخدمة: الأمراض الخبيثة، وفي مقدمتها سرطانات: الدم، الرئة، الغدد اللمفاوية، الثدي،المعدة، الدماغ، العظام،الخ. وتلف الكليتين، والكبد، وجهاز المناعة. والتشوهات الولادية الرهيبة. والولادات الميتة. والاجهاضات ( الإسقاطات) المتكررة (أكثر من مرتين). والعقم، حتى وسط الأسر التي أنجبت قبل الحرب.وعلل عصبية- عضلية غير قابلة للعلاج. وأعراض "صدمة ما بعد الحرب"، حيث يعاني اليوم قرابة الثلثين ممن كانوا أطفالاً، وأكثر من نصف مجموع العراقيين، من أمراض نفسية وعصبية مزمنة. وأمراض غريبة أخرى.
     الخطر الإشعاعي لليورانيوم المنضبDU أصبح يطوق البيئة بعناصرها المادية مثل الهواء والماء والتربة. وان بقيت خشيتنا من ثقب الأزون لا تزال تؤرقنا. فان نفايات قذائف اليورانيوم الحربية أحدثت ثقوبا في كوكبنا لا تقل خطورة عن ذلك. .
هذه المعلومات مأخوذة من الباحث في أضرار اليورانيوم المنضب الأستاذ الدكتور كاظم المقدادي.
وبالإمكان الاطلاع على الكثير من الوثائق المكتوبة والمصورة وأفلام الفيديو الموجودة على شبكة البحث العالمية على الانترنيت (غوغل). "


    فالفنان يدوّن شكواه وكأنه يعيد كتابة واحدة من أكثر نصوص تشيخوف رمزية: الطفل الذي كتب رسالة إلى جده يروي فيها ما آل إليه مصيره، ولكنه يضع الرسالة في صندوق البريد من غير كتابة العنوان!
     هل ثمة جدوى لتجارب كرسائل تبعث إلى آخر مجهول، رغم ان الفاعل ـ في قصف السكان فاليورانيوم، أو الاحتفال بقطع رؤوس الأبرياء ـ كما في رسالة الصبي، يضعنا في نظامنا البشري ذاته القائم على: حرب الجميع ضد الجميع، ومن اجل حفنة يمسكون بأعلى الهرم، تاركين القاعدة تمتد كقاع زاخر بالظلمات، والتخبط.
      لست أيديولوجيا ً، هنا، ولست على الحياد، وأنا أعيد قراءة نصوص فنية لا تبعث على المسرة، أو البهجة. فهي تستمد دافعها من النزعة ذاتها التي سمحت للفن ان لا يبقى في السطح، فنصوص النجار الفنية ترصد جحيما ً لا يحدث إلا في الجسد البشري، من الرأس إلى القدمين، والموسوي، هو الآخر، يرصد ما هو اشد من الألم، فجيعة، وهو صمت الجسد، فهو الموت الذي لا يدفع بالحياة إلى التجدد، بل تركها كالبذرة في العراء، بانتظار ما هو ابعد من إرادة الاختبار. إنما، في هذا الانشغال، تستعيد الذاكرة علامات لا تحصى منحت هذا المنحى، النسق، الاتجاه، القوة التي لا تلين وهي تغطس في موضوعات (البشاعة): استلاب الآخر، جسده، أحلامه، ومصيره، ولكن الأبواب لن تبقى موصدة، كما قال حكماء سومر، مع ان العثور على مفاتيحها يماثل عودة ديموزي من الظلمات.
[6] وثائق ـ وشهادات
     لم يبق من طفولة الفنان، بالأحرى لم تسمح طفولته له، أن يتوارى، أو ان يتقمص حياة النبات! كان شاكر حسن آل سعيد، قد ذاق الصدمة ذاتها في باريس، أثناء دراسته التي لم ينجزها، فلم يجد ملاذا ً أو خلاصا ً له إلا بالعودة إلى جدران بغداد، ومدافنها، كي يتشبث بالرسم، أو أقنعته. فلم يجد شوقي الموسوي، المتوحد، والمتستر على عزلته الداخلية، إزاء الخراب، إلا البحث عن ملاذ في مشروع طفولته: الرسم، أو أطيافه. على ان الاختيار لن يسمح له بصياغة سلع فنية، أو صالحة للتداول، بعد ازدهار تيارات فنية نخبوية، وفصامية، مع ما يحدث، يوميا ً، في مجتمعه، مما سيمنحه عودة مبررة ـ له في الأقل ـ لعدم إهمال سلسلة من الصدمات، ومنها مراقبته للمرئيات، رغم قسوتها، وليس بما تتركه من جماليات.
     فالأسلوب الفني ذاته، يتعرض للدحض: ينقلب، ويرتد. وكأننا لسنا في فاتحة الألفية الثالثة، وكأن شعارات (الحرية) و (حقوق الإنسان) و (الشفافية) لا تؤدي إلا الدور الذي أدته شعارات الأنظمة القديمة: أقنعة شبيهة بإشارات للتمويه، إنما الجسد (الإنسان) لم  يعد إلا شيئا ً فائضا ً، ومهملا ً كنفاية.
    فالرسام لم يعد يتسلى، أو يلعب. وهو لا ينتج فنه إلى سوق، أو إلى نخبة. فدكاكين الفن أُغلقت، وما تبقى منها لا مهمة لديه إلا للإجهاز على ما تبقى من علامات الفن العراقي، وأداء الدور القديم نفسه: السمسرة. فمعظم تلك الدكاكين، التي أدت دور (الصالة الفنية/ الكلري) مارست دورها في تصفية ما تبقى من العلامات الفنية. أما النخبة، فإنها، عمليا ً، تعرضت لضربات قاصمة، فبدأت بالهجرة، منذ العام 1990، أو تعرضت للتشتت. فبعد العام 2003، لم تعد ثمة نخب إلا بحدود منعزلة عن الوسط الفني/ الثقافي، الذي ـ هو الآخر ـ فقد حضوره.
    فالرسام، وهو يستعيد لذائذ الرسم، وجد انه في ذروة التعبير: القبح ـ: اللا رسم. فلم يعد للرهافة، ولا لموضوعات الجمال، حضور يوازي الانشغال بالإنسان وقد أصبح فائضا ً، كمصير يواكب ـ ويؤكد ـ سلسلة من الإشاعات، حول تقليص سكان العراق، إلى الربع، مما يؤكد ان فعل (القتل/الإبادة) لم يكن عشوائيا ً، أو للأسباب التي روج لها.  ثمة جثث متناثرة، لكثرتها، لم تعد تثير القلق، أو القرف، أو حتى الاستغاثة والاعتراض، إلا بحدود مواكبة القدر وهو يقهر إرادة الحياة. فثمة شعور ما جعل الفجوة بين الحياة والموت أكثر اندماجا ً، وكأنها تتحرك من غير علة. فنظام (الصدمة) مكث يكمل مقدماته، بعد ان تحولت (بغداد) إلى مدينة أشباح. حتى ان مشاهد الجثث، بعد عام 2006، أصبح جزءا ً من تلال النفايات، وشبيه بما دوّن عن الاحتلالات السابقة، لم تترك رجلا ً إلا وتعرض للموت.
      هذه المشاهد ليست بحاجة إلى كينونة، وليست بحاجة إلى اختبار، كي تشغل الفنان، فالكينونة (الجوهر) هو ذاته قد أصبح فائضا ً، مثلما لم يعد للطبيعة، أو موضوعات الفن التقليدية، معنى, لقد ترك الفنان أصابعه توثق، ولا تدفن، أو تتستر على الحدث، الفجيعة، تركها محكومة بغياب حريتها، وليس بانعتاقها، او تمتعها ببراءتها. فالأصابع تشترك، كشاهد، في العبور من الواقع إلى النص الفني، من غير الولع الذي تحدث عنه اريك فروم، حول التدميرية (1)، فالنزعة (النكروفيلية) هي جزء غاطس في الذات لن يظهر إلا كحالات مرضية يصعب ـ في هذا المنحى ـ ان تكون دافعا ً للفن، وإلا فإنها سترجعنا إلى ولع الإنسان بعبادة الموتى، وعبادة الميت، وقلب المعنى، أو تزويره، من مجاله السحري ـ ألتشبيهي ـ التعليمي، إلى نزعة تدميرية متأصلة في الإنسان، وليست مستحدثة حسب، إنما ثمة معالجة نقدية ـ بمعناها التعبيري ـ سمحت لهذا الاختيار ان يرصد الاستثناء، كبشاعة لها فاعلها، وكجريمة تاريخية ذهب ضحيتها آلاف العزل ـ والأبرياء. (2) ربما ما شاهده شوقي الموسوي، لا يخفي ما تجسد في الفعل، لدى هؤلاء الذين مارسوا القتل، بلذات (تدميرية/ نكروفيلية) سمحت لهم بإقامة احتفالات قتل أفصحت عن (عبادة الموتى)، وإلا كيف ظهرت مجموعات أدت هذا الفعل بعيدا ً عن الأعراف ـ والمُثل..؟ فالفعل ذاته جرى ضمن دوافع انفرد بها أشخاص من الصعب تصورهم كائنات (سوية)، ولكن تصوّر الحدث ليس بالضرورة ـ عندما يكون واعيا ً ـ هو جزءا ً مكملا ً له، وإلا فالفن سيفقد أي معنى من معانيه، ليغدو شبيها ً بالإعلانات في صلتها بعمليات الإنتاج ـ الاستهلاك، القائمة على تراكم الأشياء، وزوالها.
     فالمسافة (في هذا النسق التعبيري/ النقدي، بجذوره الواقعية) وضع الفنان إزاء أسئلة لا تخص (الذات) أو (الفن) بمعزل عن: الموقف؛ أي المسافة ذاتها بين  أي اختراع مزدوج الغايات. فالموقف هنا يتقاطع مع أي مفهوم للدعاية، أو للإعلان، بل يستعيد الكثير الذي حاولت الحداثة ـ في معظم تياراتها ـ تدميره، ألا وهو: موت الإنسان ، وموت الفن.
   فهل ثمة نزعة أخرى مغايرة للتدميرية ستستعيد موقعها في الخطاب الفني، بصفته لم يعد نخبويا ً، بصفته لم يعد نخبويا ً، وجزءا ً من عالم قائم على التصادمات، والبراغماتية كبديل لشرعية الأنظمة القائمة على المنافسة، أم إنها، وهي تحفر في المحركات، تؤدي دورها الأخلاقي ـ الجمالي..؟
    تستعيد القراءة، في هذا السياق، تاريخ التعبيرية، بصفتها تتقاطع مع القسوة، قبل ان تظهر لدى روادها المحدثين، من فان كوخ إلى مونخ ونولده، بل تحفر في تاريخ نشأة الرسم، وجذوره الموغلة في القدم. فالتعبيرية تستعيد موقعها طالما ان الإنسان لا يتجه نحو نهايته، بإرادته، فالتعبيرية  ستحافظ على خلق توازن بين حرية الذات والتدميرية كنزعة مستقلة، وشمولية.
    والفنان عندما ترك عاطفته تعمل بقصدية، فان موضوعات (الحرب) وصدماتها، تغدو قضية إنسانية لا فائدة من استبعادها، أو تبريرها، بأساليب مغايرة. فالموقف يعيد للموضوع أهميته في إعادة القراءة: قراءة البشاعة، وما حدث من عنف، ليس كتاريخ فحسب، بل كيف يتحول إلى عبرة ـ وعلامة، لإشكالية لا تخص الرسم، أو الرسام، أو المتلقي، بل تخص البيئة برمتها ـ والتاريخ الإنساني.
      على ان الفن ليس وسيلة (تعليمية) حتى بالمعنى البرختي، أو بأي مفهوم وعظي، أو أيديولوجي، رغم ان التعليم، لم يفقد ـ عمله المشفّر في صياغة توازنات لم يندثر فيها الفن، ولم يتم استبعاد اشتغالاته النائية. وشوقي الموسوي، وهو يتشبث بأحلام عميقة لطفولته، لم يسع التضحية بالموقف (الفني) بدافع الوعظ، أو التحريض، إنما اختياره للتلقائية سمح له ان يحدق طويلا ً في موضوعات (البشاعة) ويمنحها ما لا يمكن استبعاده، كما تم استلاب أرواح آلاف الضحايا، وتركهم في العراء، مع القمامة. فانشغاله بالحدث، أسهم ببلورة الأسلوب، في الحاضر، وليس ان يأتي بعد الموت، كما قصد بيكاسو. فالحاضر في النص الفني، لم ـ ولن يفقد قسوة الفعل، جريمة الاحتفال بالقتل، حتى بعد دفن الضحايا، وبعد ان تستعيد الحياة دورتها. فالنص الصامت يواصل باثاته، حتى وهو يفقد كل ما صاحبه من رعب، وعويل، واستغاثات، كي يتكلم الصمت، بلغة سابقة  على اللغة، وملحقة بها أيضا ً. وهو تاريخ لصيق بالموضوعات المماثلة، التي صوّرت تلك اللحظات بين الكائن بما يمتلك من نفس، وبين تحوله إلى غياب؛ لحظة لم تفقد نزعتها في قراءة ما حدث، لأنه، يحدث، ولأنه لا يجد من يمنع حدوثه على نحو يضع الحياة برمتها إزاء اندثارها ـ وغيابها. فلم يعد الموضوع، في هذه المعالجات، هو قراءة التدميرية، كجزء من إرادة، بل كاستحالة عزلها عن أنظمة تمجدها، وقد تخطت كل ما تأسس من تصوّرات ذات نزعة إنسانية عادلة.
__________________________________________________
 1 ـ يعّرف فروم النكروفيليا بمعناها في علم الطباع عنده بأنها "الانجذاب العاطفي إلى كل ما هو ميت، ومتفسّخ، ومتعّفن، وسقيم، إنها الشغف بتحويل ما هو حي إلى شيء غير حي؛ وبالتدمير من اجل التدمير؛ والاهتمام ألحصري بما هو ميكانيكي خالص. وهو الشغف بتفكيك كل البنى الحية" اريك فروم [تشريح التدميرية البشرية] الجزء الأول، ترجمة: محمود منقذ الهاشمي وزارة الثقافة ـ سورية ـ دمشق ـ 2006 ص 15



[7] الأثير مرئيا ً

   لم تترك الأزمنة المضطربة ـ أزمنة التصادمات، والتحولات، إن كانت بحدود داخلية أو خارجية ـ أثرها، وعلاماتها، كما تركته في الجسد، وفي النصف الأعلى منه تحديدا ً. لكن الأزمات، المآزق الكبرى، إن بلغت أعالي درجات الاحتمال، فإنها لا تمحو الأثر الفني، بل صانعه أيضا ً، فيما نجد المجتمعات الأقل اضطرابا ً ، عامة، غير مكترثة للدراما، ولا لموضوعاتها.
     وإذا لم نجد دراسات تسلط الضوء، وتحفر في المخطوطات، والمخلفات، بعد تدمير بغداد عام 1258، حتى سنوات الحرب العالمية الثانية، في التشكيل العراقي، فان أوربا، في حروبها، تركت تاريخا ً فنيا ً يسبق محاكم التفتيش، إبان العصور الوسطى، ويلحق بها أيضا ً، فمفهوم الانعكاس لا يقل أهمية عن مفهوم التعبير، ففي المجال الأول ثمة اقتران المدلولات بدالاتها، وفي المجال الثاني تكون الذات أكثر وضوحا ً في التعبير، ليس في الحدث، بل في أشكاله. إنها إشارة ترجعنا إلى أزمنة الرسم الأولى: الألم المدوّن، بصراحة أو عبر المخفي في الأجساد، كرصد لعمليات الاشتباك والتقاطع، الهدم والاستغاثة.
    والسنوات التي عاشها  شوقي الموسوي، تلميذا ً ومعلما ً للفن، لم تشهد استقرارا ً يذكر. فما ان توشك الحرب على نهايتها، إلا لتولد أخرى. فقد عاش عمليا ً ـ مع جيله ـ حربا ً دائمة، في احتفالاتها وفي انكساراتها، في غليانها وفي ما تركته من رماد.
    ولأن الفنان نشأ في بيئة منغلقة، قياسا ً بالمدن الحدودية، أو التي تعرضت لويلات الحروب، وأثرها. بيئة تركت عطر بساتينها، مثلما تركت عطر أضرحتها عميقا ً فيه، فان الحدث سيشكل صدمة مزدوجة له، صدمة انتقلت من المرئيات إلى وعيه، وأخرى، ستجد تحولها من وعيه إلى النص الفني.
   ومع ان طفولته ستبقى شاردة في لاوعيه السحيق، وفي لا شعوره، إلا أنها لم تتوارى وهو يؤسس مشروعه الفني، مجاورا ً للأساليب السائدة، او في الخروج عليها، والعناية بتقاليده الشخصية. فالعائلة اللونية (السعيد\ة/ الخضراء والزرقاء والحمراء) لم تختف مع معالجته للألوان الحادة، الصريحة، الأكثر عناية بالمتضادات، في الألوان، وفي دراجتها. انه بمثابة تحول معالج بتلقائية وازن فيها بين ما اعتاد عليه، وما سيشكل قسوة في اختيار الموضوع، وفي الأداء، على صعيد التعبير.
      ولكن أجساده، ورؤوسه، ليست بلا تاريخ سابق، مدفون. فهو ـ في هذه المعالجة ـ يلقي الضوء على إشكالية: المحاكاة ـ وعلى إشكالية التناص. فإذا كانت التأثيرات الفنية الأوربية، فلسفة أو فكرا ً، أو على مستوى الأساليب، وقد أسهمت ببناء أصول الفن (الحديث) وليس الحداثة، فان تأثيراتها، لدى الرواد، هي الأخرى، ستجد تنصيصاتها، للاشعور، والمحاكاة، في اختيار موضوعات الحرب، ومآسيها.
   فلا يمكن ان تغيب رسومات (نولده) و (مونخ). فالأول ترك المجال لمناقشة انهيار الرسم التقليدي، من الجسد إلى الرأس، انهيارا ً تجاوز حدود التعبير، الذي عالجه مونخ كاستغاثة، كما في لوحته الشهيرة (الصرخة). فنولده راح يلطخ، كأنه يحافظ على طفولة مهددة بالزوال؛ يلطخ بمعنى انه ترك أصابعه تعبر بصفتها الجسد كاملا ً. بل حتى البورتريه غدا لطخات غائمة ومتداخلة نجدها تلغي المسافات بين الحدود. فالنص الفني لا يفصح عن صرخة، أو عبورا ً، بل عن توغل في الداخل؛ حيث النص الفني  يتحول إلى معالجة حرة وعشوائية للجسد في انهياره. فالنزعة الانتقادية لا تعلن عن محركاتها، أسبابها، بالوضوح الذي عالجه مونخ، مثلا ً، لأنها تكاد تلغي هذا الانشغال، وتدفع بالفن إلى ذروته: اللا فن. فيما حافظ مونخ على مفهوم السرد، وشروطه. فبتعددية أساليبها ـ لا يغدو تأملا ً (انطولوجيا ً) خالصا ً، بل شديد الصلة بالحدث، وبموضوعات الإنسان. على ان تجارب (جورج روو) لم تغب عن رسومات شوقي الموسوي، بصفتها سابقة عن عصر نولده، ومونخ، في اهتماماتها الميتافيزيقية، فالتعبير عن (روو) ذهب أبعد من مفهوم التعبير عند (فان كوخ) بتوغله في المناطق المظلمة للنفس البشرية، فالأول مازالت المرئيات تحكي معالمها الثرية، بينما ازدادت المشاهد المعتمة عند الثاني. ولا نهمل أسماء كبيرة درسها شوقي الموسوي، لحقبة ما بعد الانطباعية، أمثال: ماتس، موريس فلامنك، شيم سوتين، كيرشنر، أوسكار كوكوشكا ..الخ، على ان الانتقال من الانطباعية إلى ما بعدها، لدى الموسوي، ليست بلا تاريخ.
   فيذكر (الآن باونيس)، تمهيدا ً لدراسة التحول من الانطباعية إلى ما بعدها:
" نشأت التعبيرية، سياقا ً فنيا ً، في ألمانيا حوالي عام 1910، وهي محدّدة الآن في الأكثر بفن أواسط أوربا، وليس من السهل تعريفها إلا في حدود علاقتها السلبية بالانطباعية، لكنها في أصول استعمالها الألماني ضمت تحت لوائها ما أطلق عليه روجر فراى، في تلك الفترة بالذات، تسمية "ما بعد الانطباعية" (1)
   فالتحول اظهر مدى الانتقال من الانطباع المباشر للمرئيات نحو الداخل. فكتب فرانز مارك : " نحن اليوم نسعى إلى ما وراء قناع المظاهر الذي تتستر وراءه الأشياء في الطبيعة، إذ تبدو لنا انها أهم من اكتشاف الانطباعيين" (2) وربما وجد شوقي الموسوي ثمة صلة ما بين (روو) و (نولده) حيث المقارنة أشار إليها باونيس بقوله: كان لروو نظيره البروتستانتي أميل نولده، الرسام الألماني الشمالي، الذي أنجز أجود صوره الخاصة بحياة المسيح، وقد جعل منه ومن حواريه قرويين ألمانا ً، لتعادل الرؤية البدائية هذه طريقة بدائية في الرسم أيضا ً. وضع الألوان غير الممزوج على القماشة رأسا ً: التكوين الفظ واللمسة الخشنة غير المهذبة.(3)
   تحيلنا هذه الإشارة إلى ذاكرة بصرية وجدت هوى لدى لشوقي الموسوي: الانتقال من الانطباع ـ المباشر ـ المشغول بمباهج الطبيعة، نحو: التعبير (الغوص في مناطق النفس النائية، حيث الإفصاح غدا يتطلب العثور على ممرات نحو المخفيات، وهي إشكالية لن تتحقق بيسر ما دامت الطفولة شديدة الانتماء إلى أجواء بيئته الهادئة، إلا عبر معالجات لونية لا تخص صراعه في اختيار أسلوب لم يعد تعبيريا ً، بعد ان أجرى عليه سلسلة من التشذيبات، والاختزال.
     على ان التعبيرية لم تظهر، بعد تجارب متفرقة لمحمود صبري، شاكر حسن، رسول علوان، محمد علي شاكر، وسمير الموزاني ..الخ بالوضوح كما في تجربة شوقي الموسوي، وهو يعالج بها موضوعا ً كالحرب ـ بصفتها أصبحت مشهدا ً يوميا ً، وليس حدثا ً يقع خارج المدن.
    انها ليست الحرب بما تمثله من تصادم إرادات، وما خلفته من خراب، بل الحرب وهي تتحول إلى صراع له ماضيه السحيق، كتاريخ، كما في ملحمة ألطف، وله علاقته بالنزعة الإنسانية ذاتها، على صعيد آليات عمل النفس، فضلا ً عن تحول (الحرب) إلى مشاهد تدميرية تجاوزت حدود الواقع، وتركت أثرها العميق في الحياة برمتها.
    فإذا كانت الطبيعة منظومة متكاملة لديه، فان الحرب ستضعه إزاء الجسد ـ الرأس ـ، على نحو مباشر: إنها ليست مخفياتها، بل ظاهرها وقد غدا من غير ستر.
    فها هو يلتقط الأجساد، لرجال في الغالب، مع ظهور ملامح أنثوية، ويعيد تكوينها، داخل مربعات، ومستطيلات، بمنظور مماثل لرؤيته إلى الطبيعة، تارة، أو بتدميرها، كتركيب يلغي المنظور، ليغدو متداخلا ً، وبتلقائية لونية تعيد للذهن رسومات البدائيين، والفطريين، والمتوحشين في حقبة ما بعد التعبيرية، للحفاظ على (الصدمة) وليس (الدهشة)، و (القبح) وليس (الجمال)، ليعمل على إجراء قطيعة مع تيارات فنية طالما سمحت لتداخل جماليات المعالجة بالمأساة، مانحا ً ذاته حرية العناية باختيار حقيقة الانتهاك: الفكر، تارة أخرى. لأن الأجساد ليست محض لقى، ولا حجارة، ولا نفايات، وإنما ستحافظ على وجودها الفريد بين باقي العناصر؛ ربما لأنها مازالت تؤكد أنها لم تفقد لغز نشوئها القديم: النفس. فهي ليست محض تكوينات فيزيائية، لها تاريخها، وسماتها، بل لها فكرها أيضا ً.
     فالرسام يلطخ بتلقائية أفصحت عن موقف الفنان إزاء موضوعاته، فهو مقيد بحرية رسام صعقه الحدث، القتل، ومشهد آلاف الجثث التي تناثرت، وتركت تتعفن، مع نفايات المدن، ومزابلها، تحت الشمس، وفي الهواء، كمشاهد كادت تغدو مألوفة، بعد ان أصبحت عملية الدفن، تهدد حياة من يحاول إنقاذ الموتى، بالموت، كي يبلغ الفن ذروته: تصوير البشاعة وقد بلغت الخاتمة في تدشيناتها: الموتى معنا، أو نحن معهم، وهذه مقدمات لزمن آخر قيد التشّكل. فالوجوه، وقد فقدت بصرها، أصبحت تحدق في الظلمات، لتعيد صياغة (سيكولوجيا) غير مألوفة، ولم تحدث، إلا في أزمنة الغزو، وأزمنة غياب السلطة، وهيمنة اللصوص، وفرق الموت، والقتلة، كمرآة لمجتمع تراكمت داخله سلاسل من الانكسارات. إنها شهادة مغايرة لكلمات الرئيس الأمريكي، بوش، حول حرية العراق، ومن الصعب نفيها، أو التستر عليها، وهي وثيقة دامغة لعصر تنتهك فيه الحريات، بهذا الوضوح، والقسوة، واللامبالاة.
    وجوه لا تخلو من براءة، مع ذلك، كأنها لم تفقد أسئلتها، وطفولتها، لتترك أثرا ً شبيها ً بما تتركه البراكين، أو جثث الموتى عند ضفاف الأنهار. فالمشهد يحافظ على واقعيته ـ ورمزيته، وقد لقى معالجة فنية تحافظ على لغز: الحضور المنبثق من الغياب. وجوه منفصلة، أو بقايا وجوه، قطعت، أحرقت، وكومت، وتوزعت من غير عناية، لتمتلك قدرة ان تنطق بما حدث لها، كي تدوّنها، في الأثر الفني، وما يتوخاه، كوثيقة، لحياة لم تتحول إلى أثير، فالغبار مازال يعيد نسج: ان البذور العنيدة تمتلك قدرة تفكيك اصلب المعادن، حتى لو كانت قد تقمصت إرادة الموت، وفعله.


1 ـ الآن باونيس [الفن الأوربي الحديث[ ترجمة: فخري خليل. دار المأمون ـ بغداد 1990 ص 135
2 ـ المصدر نفسه ـ ص 135
3 ـ المصدر نفسه ـ ص 152