بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 15 نوفمبر، 2014

نازحون مهجرون-كرافيك عادل كامل-1967-1968















باليت 24 ..الإصدار في زمن المحنة-



باليت 24 ..الإصدار في زمن المحنة


 


      بعد تعرض البلد إلى هزة عنيفة بسبب زلزال الإرهاب ..أصيبت جوانب الحياة بشلل وصدمة لان ما حدث جد خطير ومقلق على مستقبل الوطن .. وككل الفعاليات الفنية والثقافية العراقية تأثرت مجلة باليت والقائمين عليها بارتدادات الأحداث ومخلفاتها المؤسفة .. فجرى التريث في إصدار العدد في موعده المعتاد ,حتى تستقر الأوضاع والنفوس نوعاً ما لنعاود الرغبة في نشر الأمل والفن والجمال ونمنح أنفسنا والآخرين ذلك الشعور المتأصل فينا بالتحدي والاستمرار ...
الإصدار هذه المرة كان مواكباً لمحنة الوطن وأهله فتم تخصيص الغلاف الأول للوحة الفنان امانج امين, والملف الرئيسي عن الأحداث والحرب ومأساة المهجرين والنازحين وتأثير ذلك على الفن التشكيلي العراقي فكتب مؤيد البصام عرضاً تحليلاً بذلك , وشارك حامد المالكي بمقال في ذات الموضوع ... واخذ الرد على مقال فاروق يوسف حول معرض تراتيل بابلية حيز مناسب ..إضافة إلى تسليط الضوء على الفنانين والمعارض التي أقيمت كمعرض العراق أولا في قاعة أكد و منى مرعي وسيف الخليفة وسلمى العلاق ونبراس هاشم إضافة إلى موضوع رحيل الفنان عبد الرضا فليح ...
القسم الثاني المترجم فكان غلافه يحمل إشراقا عراقياً بهيجاً في لوحة موناليزا الرافدين لمحمود فهمي عبود والمقصود هنا خلق المعادل البصري المضاد للواقع العراقي المحزن ..حفل هذا القسم المعد باللغة الانكليزية مواضيع عن الفنانين إسماعيل خياط وتحسين الزيدي وحليم الكريم ومحمد ألشمري وكريم الوالي لتعريف القاريء الأجنبي بأعلام الفن العراقي ... وهناك مواضيع أخرى منوعة أخرى عن التشكيل العراقي في طباعة راقية وتصميم جذاب عصري..

كنائس بلا نواقيس-كاظم فنجان الحمامي

كنائس بلا نواقيس

كاظم فنجان الحمامي

لم يشترك المسيحيون في الفتنة الطائفية المتفجرة في العراق، ولم يكونوا طرفاً في النزاع السياسي القائم، ولم ينهبوا ثروات العراق، ولم يخربوا العراق، ولم يطمعوا في حكم العراق، ولم يتجسسوا على العراق، ولم يتواطئوا مع القوات التي غزت العراق وسرقت ثرواته، ولا مع القوى الإقليمية العابثة والمحرضة والحاقدة.
ظل المسيحيون منذ قرون وقرون وحتى يومنا هذا من أقوى رموز المحبة والسلام على أرض العراق. وأقوى رموز الوطنية الصادقة، وأقوى رموز التحضر والرقي، وعلامة فارقة من علامات الانتماء الحقيقي لبلاد ما بين النهرين بجذورهم الآشورية والكلدانية والسريانية والأكدية والبابلية، فلم تشفع لهم إنسانيتهم ولا وطنيتهم ولا براءتهم ولا نزاهتهم ولا عفتهم ولا استقامتهم في التمتع بأبسط حقوق العيش بأمان على الأرض التي ينتمون، فكان القتل والتعذيب والطرد والتهجير والتشريد والابتزاز من نصيبهم.
ظهرت داعش فجأة من أوكار المنظمات الظلامية لتنسف التاريخ المسيحي للعراق بذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية على الطريقة المغولية، وبذريعة القضاء على المشركين من المسيحيين والأيزيديين على الطريقة النازية. في الوقت الذي تعالت فيها الصيحات التحريضية من أقبية الصوامع المؤمنة بثقافة الموت، فلاذ المثقفون والمفكرون بالصمت المطبق، وتجاهلت الفضائيات المحلية والإقليمية والعالمية ما حل بهم من مجازر ومآسي وكوارث لم تخطر على بال هولاكو ولا على بال جنكيزخان. واكتفى الفاتيكان بالسكوت من دون أن يقرع ناقوساً واحداُ يوقظ به الضمائر المعطوبة.
كانت أمريكا في مقدمة الأقطار التي سلمت رقابهم لسيوف الدواعش، وكانت تركيا وقطر والغجر في مقدمة المؤيدين لحملات الإبادة الجماعية، وكانت الأقطار العربية في طليعة المصفقين لحملات تهديم كنائسهم وحرق أديرتهم.
أين اختفى المتشدقون بالتنوع الديني والقومي في العراق الجديد ؟، وأين اختفت شعارات الدين الحنيف التي جاءت لتحرر الناس من تراكمات الجاهلية الأولى وتهديهم إلى سواء السبيل بالحكمة والموعظة الحسنة ؟، وأين اختفت تطبيقات الآية الكريمة التي تقول: ((لا إكراه في الدين)) ؟.
ألا يحق لنا أن نتساءل: لماذا يسكت العالم على المأساة الإنسانية التي لحقت بالمسيحيين في العراق ؟، ولما يسكت على تهجيرهم وانتهاك كنائسهم وتحويلها إلا مقار وثكنات للقتلة والسفلة ؟، ما الذي يجري في العراق ؟. لماذا وقف زعماء العالم كالصم والبكم متفرجين حول ما يجري من تطهير عرقي بحق المسيحيين في هذا البلد ؟. أيعقل أنهم يتذكرون باستمرار المحارق والمجازر على مر التاريخ ويتناسون ما يحصل اليوم أمام أعينهم ؟. ألا يرون أن الوضع أخطر بكثير مما يبدو ؟.
لقد ترك المسيحيون بيوتهم وتنازلوا صاغرين عن ممتلكاتهم ونزحوا مذعورين من قراهم على غير هدى هربا وخوفا من بطش الضباع الداعشية المتعطشة لدماء الأبرياء. الكنائس كلها أغلقت أبوابها في المناطق الساخنة، وفر القساوسة والرهبان بحثا عن الملاذ الآمن، بينما اكتفت حكومات كوكب الأرض كلها بالوقوف على التل لمراقبة المأساة وكأنها لم تسمع صراخ النساء وعويل الأطفال في الكهوف الجبلية الباردة.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

Grup Yorum Sevda Türküsü

الخميس، 13 نوفمبر، 2014

مقروناً بقراءة لديوانه "طائر بلا سماء" الكائن الذي عزف موسيقاه على ضفاف شط الحلة-أحمد الحلي

مقروناً بقراءة لديوانه "طائر بلا سماء"

الكائن الذي عزف موسيقاه على ضفاف شط الحلة

أحمد الحلي
مدخل
منذ أن وطأت قدماه النديتان مدينةَ الحلة حتى أحسَّ مثقفوها وأدباؤها
أن ثمةَ عاصفة ثقافيةً  أخذتْ نُذرُها  تلوح في الأفق تبعثر الأوراق  وتُشابك الخيوط ....
تعيد ترتيبَ أبجديةٍ جديدة لثقافةِ المدينة ولا سيّما في ميدان الشعر
وترسم أفقاً معرفياً متّسماً بالحيوية والنضارة منذ أن وطأت قدماه النديتان مدينة الحلة بدوافع الحبِ والشغف ، حتى أحس مثقفوها أن ثمة صباحاتٍ أخرى أكثرَ طلاوةً ونداوة باتت تطرق أبوابَ المدينة ...
منذ أن اكتحل شطُّ الحلة بمرآه
حتى أخذ  يسري في مويجاته دفقٌ من الحيوية والعذوبة  لم يألفه من قبلُ
كنا نجلسُ سويةً ، نتسامرُ ضمن مساحة مصغرة جداً اعتدنا أن نطلق عليها تسمية وطننا الصغير المحرر  بعد أن انتهك طغاة البلاد حدود وطننا الكبير ... ونشرع بإيقاد شمعاتِنا الخاصة لسهراتٍ قد تمتد فتعانق خيوط الفجر ...
كنتُ أحسُّ وأنا اتمشى معه في طرقات المدينة بأن النخيل  وسائرَ الشجرِ يوشك أن ينحني ليطبع قُبلة الوفاء على جبينه ....
سعد جاسم ... الذي تعلّمنا وأفدنا منه الكثير ...
شكّل بالنسبة للكثيرين في هذه المدينة الوادعة الشغوفة بالثقافة والشعر والمعرفة أفقاً ونافذة ورئةً نتنفس من خلالها هواءَ الثقافةِ النقي ....
طالما أدمنتْ آذاننا ووجدانُنا أن نستمع منه بصوته الرخيم وإيماءاته المذهلة في جلساتنا الخاصة قصيدتة اللائبة "عصافير ضارة "  ...
كنا نصغي ونسمتع ونستزيد ...
اعتدنا ، حين كان يحضر معنا ، أن نعد عدتنا ونتأهب بحذر وترقب ، يهيئ كلٌّ منا نصوصَه الجديدة التي سيتلوها  على مسامعه ، كنا نحرص أن ترتقي نصوصُنا إلى مستوى حذقِهِ وذائقته الخلاقة ، كنا نعوّل كثيراً على خبرته وتمرّسِهِ في فنون الكتابة الشعرية ، كان يشذب لنا الجمل ، يشدّ الكلمات يموسق ويدوزن الحرفَ ويمنحه جُرسَه ونبضه ، شأنه في ذلك شأن أيِّ عوّادٍ حاذق ....
................................
عبر رحلته الطويلة والثرية في مجال الكتابة الشعرية ، استطاع الشاعر سعد جاسم أن يكرّس له وجوداً وحضوراً في مشهدية الشعر العراقي الحالي ، آخذين بنظر الاعتبار أن تجربته الكتابية امتازت بالديناميكية والحركية على خلفية اتساع الرقعة الجغرافية التي أتيح له أن يتحرك فوقها ومن خلالها ، مقروناً باتساع الجغرافيا المعرفية التي انطلق منها وعمقها ... إلا أنه ظل وفياً لمشروعه  ومنطلقاته الأساسية فيما يتعلق بالمرأة والأمكنة والأصدقاء ....
نسوق هذا الكلام ، ليكون مدخلاً لنا لإلقاء نظرة متأنية على ديوانه الشعري صغير الحجم المعنون ( طائر بلا سماء) ، الذي أصدرته له دار الشؤون الثقافية في العام 2013 ... وكما يتضح فإن العنونة هنا بحد ذاتها تثير إشكالية رؤيوية ، وهي إشكالية تتعلق بالطائر الذي يفتقد السماء ، فيفقد  بذلك معنى وجوده ، ولا يخفى أن الطائر هنا هو الشاعر نفسه الذي تختلف سماؤه وفضاءاته عن أية سماء أخرى تظلل الآخرين ، ولدينا أمثلة أخرى موازية أو متناغمة مع هذا الطرح أو متواشجة معه بطريقة ما ، ففي إحد اللقاءات مع الروائي المغربي محمد شكري وصف عمل المبدع بأنه "الطيران بأجنحة مقصوصة" .
يقول الشاعر في مفتتح ديوانه ، معرّفاً قارئه بنفسه ؛
هذا أنا / عراقيٌّ وضوحي/ ودمي فرات ذبائح / وأنا صيحةٌ مؤجلة / دائماً أفكّر بأشياء فادحة ...
بوسعنا أن نلحظ احتدام لغة الشاعر وتوفرها على الزخم الوجداني الذي نراه أكثر وضوحاً بعد ذلك ؛
لماذا الأنوثة تتوهج في حفلات الدم والأوبئة ، ليصل التصعيد الدرامي إلى ذروته ؛ كيف البلاد تستحيل إلى مجرّد راية ؟
وهو تساؤل مشروع وحيوي وضروري يبقى حيّاً وفاعلاً في أذهاننا .
بوسعنا أن نتلمس أن الشاعر ، ومن خلال جميع المحبطات والمثبطات التي تحاصر وطنه وهو المنفي البعيد في صقيعة النائي ، كيف أنه اعتاد أن  يجد ملاذه وخلاصه في المرأة / العاشقة والمعشوقة في آنٍ معاً التي يعلّق على جسدها ومفاتنها كل خيباته ورغباته المستحيلة  ؛
كيف لي أن لا أشكّ ، وأنا المغيّبُ فيكِ عشقاً وخسائر ، ومضيءٌ كما صلصال صيرورتك وسواقي دموعك النافرة ...
ونقرأ في هذا الإطار ؛ هكذا أراكِ أنا / واقفةً بنداكِ وعطوركِ وصهيلكِ ، تبتكرين ربيعاتٍ لأجلي وتهطلين بغيم الكلمات . ونلحظ هنا أنها ربما تكون المرة الأولى  التي تقع أعيننا فيها على جمع لمفردة ربيع .
ونقرأ أيضاً في قصيدة (محروسةٌ أنتِ بآيات دمي) ؛
أعرف أن ليلكِ شائكٌ وطويلٌ حتى صحارى الأرق ، وأعرف أن غابات التوجس والسهاد المالح تسرق كحلكِ..
ليصل إلى الذروة وتسمية الأشياء بمسمياتها ؛
تختارينني خلاصاً ، وأريدك ملاذاً .
على أننا نود التوقف قليلاً عند قصيدته الطويلة المعنونة (الديوانية يا أمي وحنيني) ، وهي كما يتبدى من العنونة موجهة إلى مدينته التي ولد ونشأ وترعرع فيها وانطلق منها إلى آفاق الله الرحيبة ، وهذه القصيدة المتوهجة بالحنين والحميمية ، يمكن لنا أن نعدها ملحمة شعرية عالية النبرة  تتغنى وتستحضر وتتهجد معالم المدينة وتستحضر رموزها المعرفية الشاخصة ، والتي ربما يكون الكثير منها مغيباً أومهمشاً أو منسياً بفعل عوامل عديدة ، ابتداءً بأسماء عدد من الشعراء الذين أرسوا حضوراً قوياً في ذاكرة المدينة كالشاعر كزار حنتوش وكذلك تطرزت القصيدة بأسماء عدد من الشعراء الشعبيين والمطربين والمطربات أو الباعة المتجولين أوحتى بعض الصعاليك الذين كثيراً ما نرى الشاعر المتأنق دوماً محتفياً بهم ومؤثراً لهم ...
نقرأ في مفتتح هذه القصيدة/ الملحمة ؛
وأنا ؛ سعد السيد جاسم ، أحبُّ الله وسنته ، أحب ماركس ، وعليَّ الفحل وفرات الأغاني والنحيب ، وأحبّ النبيذَ الأحمرَ والهامشيين والأرامل .
ليصل النص إلى ذروة تأججه حين يأتي على ذكر أمه المتوفية وهو بعيد عنها في منفاه ؛
أفكّر كثيراً بقبر أمي الذي لا أعرفه أين ، أمي ساقيةُ حليبٍ وعذاب ، يُتمٌ ، وخساراتٌ وسواد ، أمي فقدانٌ وغيابْ .





الاثنين، 10 نوفمبر، 2014

هل يعاني الأدب العربي من «فوبيا» المستقبل؟-*المصطفى نجار

هل يعاني الأدب العربي من «فوبيا» المستقبل؟


*المصطفى نجار
يقول أحمد خالد توفيق، الأديب المصري المعروف، في كتابه «دماغي كده»: «الحقيقة أن الناس في مصر محظوظون.. فهم ليسوا بحاجة لقراءة أدب الرعب لممارسة بروفة الموت.. إن الرعب ضيف دائم معهم، خاصة أسوأ أنواعه: الخوف من الغد». من المؤسف حقا أن ينادي أحد الكتاب بإلغاء جنس أدبي من ألفه إلى يائه، ولكن ما يجعل من هذه الكلمات مزحة لا تقبل أن تؤخذ على محمل الجد هو كون قائلها أحد أعمدة أدب الرعب والخيال العلمي في العالم العربي. غير أن الكثير من القراء، وحتى الكتاب، العرب لا مانع لديهم من أخذ كلام توفيق على المستوى الظاهري فقط: لماذا نضيع الوقت في القراءة والكتابة عن المستقبل في مثل هذا الحاضر المزري الذي تمر به منطقتنا؟
ربما مثل هذا الموقف يفسر إلى حد كبير سبب إعراض معظم الكتاب العرب، منذ صدور تحفة نجيب محفوظ «الثلاثية» (1956 - 1957)، عن الكتابة حول المستقبل، إلا في حالات نادرة طبعا. فخط الأحداث في مجمل الأعمال الأدبية العربية يسير بسلاسة في أحد اتجاهين: الماضي أو الحاضر، أو يتأرجح بينهما.
لكن القص العراقي قد يَعِد بما هو جديد. في خطوة طال انتظارها، قامت دار «كوما بريس» الإنجليزية بتكليف القصّاص العراقي حسن بلاسم بتحرير كتاب بعنوان «العراق + 100»، وهو مجموعة قصصية عن عراق المستقبل ستصدر في عام 2015. ستتضمن المجموعة 10 قصص قصيرة بأقلام كتاب عراقيين تدور أحداثها في العراق تحديدا في عام 2103، أي بعد 100 عام بالضبط من الغزو الأميركي لبغداد عام 2003.
يتعين على كل قصة أن لا تتجاوز 6000 كلمة، وأن تدور أحداثها في إحدى مدن العراق أو كردستان العراق. وبحسب الموقع الإلكتروني للناشر، على الكاتب أن يختار مدينة واحدة بعينها ليقدم قصة كاملة عن مستقبل البشر هناك. المساهمون غير مطالبين بالخيال العلمي فقط، وإنما لهم الحرية المطلقة باستخدام أي نمط كتابة يخاطب المستقبل. الكتاب واعد حقا، وإذا ما تم نشره سيكون بالفعل إضافة ثمينة للساحة الأدبية العربية التي تهيمن عليها ظاهرة أشبه بـ«فوبيا» الكتابة عن المستقبل.
لكن ندرة الكتابة الأدبية حول المستقبل في العالم العربي تثير التساؤل التالي: تُرى هل المخيال العربي يمتلك الأدوات اللازمة ليكون على مستوى هذا التحدي؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، إذن ما تفسير غياب هذا النوع من الكتابة عن الساحة العربية خلال نصف القرن الماضي أو أكثر؟ بعبارة أخرى، هل الأدباء العرب بالفعل قادرون على أن يقدموا إسهامات أصيلة للأدب المستقبلي، دون الاعتماد على تراث غربي في مجمله؟
في الحقيقة، ليس الأدب التأملي (أو المستقبلي) غريبا تماما عن الأدب العربي الحديث، وهناك عدة أسماء، كالسوري فرنسيس مراش (1836 - 1873) والمصري توفيق الحكيم (1898 - 1987)، تتبادر إلى الأذهان كأمثلة عن بعض الكتاب العرب الذين تناولوا القضايا السياسية المعاصرة بإطار أدبي مستقبلي (تأملي).
يدرك بلاسم، الذي فاز بجائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي لعام 2014، الصعوبات التي تطرحها هذه التجربة الجديدة، إذ يقول في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «الكتابة عن المستقبل نوع جديد بالنسبة للأدب العراقي، لهذا يحتاج الكاتب إلى المزيد من البحث والاكتشاف لتطوير أفكار وتصورات معينة من خلال القص». ولكن في نفس الوقت فإن شغف الكاتب العراقي بمشروعه المستقبلي لا يخفى على أحد، كما أن نبرته الحماسية تشعرك بأنك في حضرة عالِم يشهد ولادة ظاهرة فريدة من نوعها.
يقول بلاسم: «أنت تكتب عن حياة شبه مجهولة تقريبا، ولا تتكئ على تجربتك الشخصية (في الماضي والحاضر) فحسب. الكتابة عن المستقبل رائعة ومثيرة، محاولة لفهم أنفسنا ومخاوفنا وآمالنا عن طريق كسر قيد الزمن. وكأنك تحلم بمصير الإنسان».
بلاسم الذي أشاد النقاد بمجموعته القصصية الأولى «مجنون ساحة الحرية»، وذلك للجرأة التي اتسمت بها على مستوى الصورة واللغة، يصف «العراق + 100» بـ«مشروع صغير يحاول أن يحرك تجربة (التنوع) في الأدب»، كما يشكو من افتقار العالم العربي إلى التنوع في الكتابة الأدبية: «لا يوجد لدينا مثلا وعلى نطاق واسع أدب جريمة، خيال علمي، فنتازي... إلخ. مثلما لا يوجد تنوع وشفافية في حياتنا بشكل عام. نحن عبَدة الشكل والفكرة الواحدة!».
لكن الكتابة عن المستقبل لا تخلو كذلك من التحديات. يقول الكاتب البريطاني جيمس غراهام بالارد (1930 - 2009)، الذي يعتبره النقاد مؤسس ما بات يعرف بـ«الموجة الجديدة» في أدب الخيال العالمي، إن الكتابة عن المستقبل هي «الشكل الأدبي الوحيد الذي ينظر إلى الأمام»، لذلك لن يكون سهلا على الكتاب المشاركين في «العراق + 100» القيام بتلك النقلة نحو المستقبل، خصوصا أن غالبية النتاج الأدبي العربي المعاصر ما زالت عالقة بين الماضي أو الحاضر، وتستند إلى شخصيات «تنظر إلى الوراء»، حسب تعبير بالارد.
يتفق بلاسم مع هذه الرؤية، إذ يؤكد على أن الكتابة الإبداعية في العالم العربي هي في أمسّ الحاجة إلى تحرير الخيال والتجديد على مستوى التقنيات المستخدمة، وأولها التخلي عن اللغة المنمقة التي لا تزال إلى اليوم «تزين» غالبية نتاج المبدعين العرب. «الكتابة عن المستقبل بحاجة إلى جرأة وتأمل وبحث ودراية بما يحدث من حولنا في العالم! تصل إلينا في الحقيقة قصص كثيرة، لكنها أغلبها لا يلبي الشروط المطلوبة، وبعضها كسول يفتقر إلى البحث والصبر. فتخيل الحياة بعد 100 سنة لا يحتاج إلى الاتكاء على اللغة الشعرية وتجربة الكاتب الشخصية فحسب، بل إلى الانتقال بالمخيلة إلى شواطئ جديدة».
على الرغم من احتفاء الغرب الحار بنتاج بلاسم، فإن عدة أصوات عربية عابت على الكاتب العراقي استخدامه اللغة «البذيئة» على حد قولها، كما مُنعت كتبه في الكثير من البلدان العربية للسبب ذاته. برأيي، من الأمور التي ساهمت في إهمال الجوانب المستقبلية في أدبنا العربي هو انشغال، لا بل هوس، مدارس النقد الأدبي العربية بقياس قدرات الكتاب اللغوية، الأمر الذي أحال الأدب العربي، بشكل أو بآخر ومع الأسف، إلى ساحة لاستعراض العنتريات اللغوية. لكن بلاسم يبدو مصمما على كسر هذه العادة، فقد صرح الكاتب العراقي خلال حفل إطلاق مجموعته القصصية الثانية «المسيح العراقي» في مدينة نيوكاسل البريطانية عام 2012 بالقول: «لست معنيا بالحفاظ على (جمال اللغة العربية)».
إن مشاريع مثل «العراق + 100» يجب أن تحظى بالدعم والتقدير، إذ إن غايتها، أولا وأخيرا، تحفيز الكتاب على تخيل مستقبل منطقتهم التي تعيد النزاعات الدائرة رسم حدودها باستمرار. فالعرب هم في أشد الحاجة لأن يقرأوا ويكتبوا عن أسوأ كوابيسهم، كما يقول توفيق.
يبقى القول إن تحاشي الكتاب العرب تناول المستقبل لطالما كان من أكثر الأمور غموضا، بالنسبة لي على الأقل. فجدران القمع والرقابة التي تضغط بشدة على العقل العربي هي بحد ذاتها بيئة مثالية للكتابة عن المستقبل، ذلك الفضاء الخالي من التابوهات التي تثقل كاهل الماضي والحاضر.
______
*الشرق الأوسط

ثقافات || طوق الحمامة.. لسان الحب في كل العصور

وجوه تشبه وجوهنا الان-كرافيك عادل كامل 1967











عملاق آخر تفقده البصرة-كاظم فنجان الحمامي

عملاق آخر تفقده البصرة

كاظم فنجان الحمامي

في اليابان يكرمون العلماء وهم في عنفوان شبابهم، وفي أمريكا يكرمونهم في ربيع العمر، وفي أوربا قبيل إحالتهم إلى التقاعد، وفي البلدان العربية يكرمون العلماء الموتى فقط. أما عندنا في العراق فلن ينالوا التكريم حتى لو سجلوا أعلى الانجازات، وربما يحمدون الله ويشكرونه لو توفرت لهم أدنى ظروف الأمن والأمان والعيش بسلام في خضم هذه التقلبات العنيفة التي عصفت بالعراق منذ عام 1914 وحتى عام 2014.
رحل عنا عملاق من عمالقة الرافدين، وعلمً من أعلام البصرة. هو الأستاذ الدكتور خلف الربيعي. من دون أن تتحدث عنه فضائياتنا المئوية، ولا إذاعاتنا المحلية ولا صحفنا الوطنية. انتقل بهدوء إلى جوار ربه في السابع من أيلول الماضي عن عمر يناهز 84 سنة، بعد رحلة أكاديمية شاقة امتدت لأكثر من خمسين عاماً في مجال التعليم العالي، وفي تأسيس وإدارة متحف التاريخ الطبيعي في البصرة. لم يزره أثناء مرضه إلا عدد قليل من طلابه النجباء. أما الجامعة التي أفنى فيها عمره فلم يتكرم رئيسها ولا عمداؤها بزيارته.
يتمتع العلماء والأساتذة في العالم المتحضر بضمانات صحية واجتماعية تفوق الخيال. أما في العراق فما أن يُحالون إلى التقاعد حتى يكون النسيان من نصيبهم. شأنهم شأن أي مبدع رفع أشرعته في بحار الفنون والآداب. دائماً ما ينتهي بهم قطار العمر في المحطات المهملة، حيث يقفون في الصفوف الأخيرة بينما يقف الفاسدون والغشاشون والوصوليون والمزورون والمشعوذون في الطليعة.
أمضى الراحل سنوات خدمته في قسم علوم الحياة بجامعة البصرة. أسس مختبر الفقريات. نال لقب الأستاذية عام 1992. يُعد من أشهر أساتذة الفقريات في جامعة البصرة. برع بتدريس مادتي التشريح المقارن والحبليات. مارس البحث العلمي في علم الطيور. لكنه كان أول باحث عربي يكتشف ستة أنواع من الحيتان والدلافين في الخليج العربي. أشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه. أسس مجلة المتحف باللغة الانجليزية، والتي بادلها مع حوالي (300) ثلاثمائة معهد ومتحف وجامعة في العالم. أسس محطة دراسات الأهوار في الشافي. مثل العراق في مؤتمرات الطيور المهاجرة في الهند والأمارات واسكتلندة، ومؤتمرات المتاحف الطبيعية العالمية في كوبنهاكن ولينينغراد.
كان رحمه الله عضوا في جمعية الحيتان والدولفينات العالمية (مقرها كندا)، وعضواً في منظمة المتاحف العالمية، وعضواً في المنظمة الإفروأوربية للطيور المائية المهاجرة، وعضواً في جمعية البط البري المهدد بالانقراض (مقرها شتراسبورك)، وعضواً في جمعية خبراء دراسة أنواع البط (مقرها هولندا)، وعضواً في جمعية خبراء دراسة الغزلان العالمية (مقرها سان ديكو).
كان مولعا بفن التحنيط منذ صباه. تعمق في فنون هذه الهواية النادرة حتى أصبح مؤهلا للمشاركة بالمعرض الوطني الذي أقامته وزارة المعارف في بغداد، فأبدى الوزير إعجابه بمحنطاته، وأرسله للالتحاق بإحدى دورات التحنيط في ألمانيا الغربية لمدة سنة. حقق تفوقاً أذهل الألمان أنفسهم، فوجهوا الدعوة لوزير المعارف العراقي لزيارة المعرض الذي أقامه (خلف الربيعي) في ألمانيا عام 1956، فنال أعجاب الوزير الذي وافق على بقاءه في ألمانيا لإكمال دراسته الأولية والعليا.
تفوق (خلف) في تعلم اللغة الألمانية ودراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه بمدة زمنية مختزلة. عاد حاملا الدكتوراه في الفقريات عام 1964، وما أن وصل إلى العراق حتى شرع بتأسيس متحف التاريخ الطبيعي عام 1970، وباشر بجمع الأسماك والزواحف والقنافذ والغزلان والأرانب والطيور المائية والبرية من الصحاري والأهوار والأنهار. كان يمضي أوقاته في البحث عن الحيوانات النادرة في هور (الحويزة) ومناطق (الشيب) و(الطيب) بمساعدة أشقائه (الأستاذ سلمان والدكتور داود)، وبمساعدة طلابه الأمناء. نذكر منهم: فاضل الجبوري ونجاح عبود حسين اللذان أكملا دراستهما فيما بعد، فأصبح الأول رئيساً لجامعة بابل وملحقاً ثقافياً في استراليا. بينما حصل الثاني على مرتبة الأستاذية وكان مديراً متميزاً لمركز علوم البحار. ومن طلابه أيضاً الدكتور سلمان داود الذي ترأس جامعة البصرة، فضلا عن الموظفين التقنيين الذين عملوا معه في المتحف كالفنان (عبد الرضا بتّور)، والفنان عبد الأحد الرسام.
يموت المبدعون والمخلصون غرباء في وطني من دون أن يرثيهم أحد، ومن دون أن ينالوا أبسط استحقاقاتهم في الرعاية والعناية. لم يكن رحيل الأستاذ الدكتور (خلف الربيعي) استثناءً بل جاءت نهايته ككل النهايات التي آل إليها غيره من المبدعين الكبار. رحل هذا العالم الكبير بصمت وفي قلبه ألف غصة من تنكر دولته ومسؤوليها لكل ما قدمه لوطنه الذي أفنى حياته رهن إشارته وفي خدمته.