بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 20 نوفمبر، 2014

فیزیاء الجسد و ایقاعه في مسرح مایرهۆڵد-د.فاضل سوداني:-بواسطة راباراوزري




فیزیاء الجسد و ایقاعه في مسرح مایرهۆڵد
د.فاضل سوداني: يعد كتاب د. فاضل الجاف (فيزياء الجسد.... مايرهولد ومسرح الحركة والإيقاع) من الكتب المتميزة التي لا تنقل تجربة وإبداع واحد من أهم المخرجين الروس في القرن العشرين فيسوفولد مايرهود (1874 ـ 1940) بشكل حرفي، وإنما تطمح إلى تقديم هذه التجربة ممزوجة بوعي معاصر وبحث مبدع للمؤلف الذي هو مخرج وباحث درس هذه التجربة عن قرب.
انه كتاب يساير التوهج الإبداعي والموت التراجيدي في أقبية الدكتاتورية الستالينية لفنان ومفكر ومبدع أثر منهجه المسرحي (البيوميكانيكا) في عمل الممثل في المسرح العالمي عموما. ومازال التأثير حتى اليوم وخاصة أفكاره وتجاربه في المسرح الشرطي ومفهومه عن المسرح الشعبي، وكذلك البنائية والمفهوم الجديد للميزانتسين وميتافيزيقيا الفضاء المسرحي ونظريته حول الجسد وإمكانياته الإبداعية الهائلة. و لهذا فان هذا الكتاب لا يتناول المايرهولدية من الناحية النظرية فقط وإنما من الناحية التطبيقية والعملية. وبالتأكيد فان هكذا كتب تحتاجها المكتبة العربية الغاصة بنقل الأفكار النظرية من مصادرها حرفيا بدون إمعان الفكر بها.
ونتيجة لأهمية مفاهيم مايرهولد فان تأثير البيوميكانيكا كمنهج معاصر لعمل الممثل لا يكمل منهج ستانسلافسكي الذي يعتبر من أهم المناهج في المسرح الواقعي فحسب بل يوازيه في القيمة الفنية والفكرية والجمالية مع النظر إلى الاختلافات الجوهرية بين المنهجين، فإذا كان الممثل لدى ستانسلافسكي يبدأ تحليله وعمله في خلق الشخصية التي يمثلها من المشاعر والأحاسيس الداخلية، فان الممثل لدى مايرهولد يبدأ من الحركة وإيقاعها للوصول إلى المشاعر الداخلية.
وكتاب د. الجاف (وهي أطروحة للدكتوراه قدمت إلى أكاديمية سان بطرسبورج لفن المسرح) هو من الدراسات الموثقة الأكثر أهمية وشمولية في بحث فكر مايرهولد المسرحي في مكتبة النشر العربي، لأنه يعالج منهج هذا المخرج والمربي والمنظـّر بهذه الدقة والموضوعية، ليس فقط من خلال أهميته وتأثيره في المسرح الروسي وخاصة بعد الثورة أي منذ بدايات القرن العشرين(كما جاء في القسم الأول من الكتاب)، وإنما دراسته أيضا لكيفية فهم الباحثين الأوربيين لمنهج مايرهولد والتدريب على تطبيقه في المسرح الأوربي والغربي عموما (كما في القسم الثاني) .
فكانت العديد من الدراسات أو الترجمات عن مايرهولد التي تنقل إلى العربية تغفل أهم ما في جوهر المايرهولدية واعني جانبها التدريبي والعملي والتطبيقي، مما خلق لدينا تراثاً نظرياً أحادي الجانب، ودائرة مسرحية ومعرفية محصورة بستانسلافسكي ومنهجه الواقعي ـ النفسي، حيث كانت هذه الترجمات تحذف الجانب العملي وتقتصر على الجانب النظري، مما يخلق نقصا في التعرف على أي ظاهرة وعدم التكامل المعرفي بها.
إن منهج مايرهولد من وجهة نظر الدراسات الغربية (والتي لم تكن في متناول رجل المسرح العربي)، تعد نقطة جوهرية، فقد بذل د.الجاف جهودا واضحة في البحث في الدراسات والتطبيقات العملية التي قام بها أجانب ناطقين بالانكليزية، أولئك الذين اهتموا بمايرهولد ومنهجه بحثا وترجمة منذ سبعينات القرن الماضي ، ولكن الجاف يحدثنا بأن اهتمام الأوربيين بمايرهولد بدا منذ عشرينات القرن الماضي كما سنرى بعد ذلك.
ومن اجل أن يقدم الجاف دراسة شمولية عن مايرهولد فقد تطرق إلى نشأته وحياته وتطور مسرحه حتى مقتله التراجيدي، ومن ثم تأثير أفكاره في المسرح المعاصر.
فالمؤلف يكتب عن ذلك الولع المبكر لدى مايرهولد بالموسيقى حتى كاد أن يصبح موسيقيا كما يصرح هو ذاته، ولكن هذا الاهتمام يعد من ضرورات ثقافة الفنان ورجل المسرح. وموهبة مايرهولد الشاب حتمت ترشيحه للعمل في فرقة موسكو الفني بعد تأسيسها مباشرة وهذا طبعا هو اعتراف بقدراته الفنية أبان دراسته للمسرح كما يؤكد أستاذه نميروفتش دانجنكو.
ولكن وجود مايرهولد لمدة أربعة سنوات في هذه الفرقة وتعرفه على المنهج الطبيعي ومفهوم ستانسلافسكي ودانجنكو للمنهج الواقعي في المسرح ، وما كان يملكه من أفكار جديدة أدى الى الخلاف بينه وبين أساتذته. ولكن هذه السنوات منحته إمكانية تعلم الجوهري في المسرح من ستانلافسكي وتشيخوف، فقد تعلم من الأول الأداء على خشبة المسرح، ومن الثاني فهم العلاقة بين الحياة والفن، وتعلم منه أيضا الاقتصاد والمهارة في التعبير على خشبة المسرح واعني الأسلبة والتكثيف. وبتأثير تشيخوف يعود الفضل إلى مايرهولد في تخليص المسرح الروسي والمسرح العالمي المعاصر، من ثرثرة المنهج الطبيعي والواقعي وتقنياتهما الخانقة.
فالأسلبة ـ التكثيف والوسائل الأخرى هي وسائل تمنح حركة وعمل الممثل وعلاقته بالفضاء، تأويلا جديدا غير موجودا في النص أصلا مما يخلق تمايزا وغنى في الفكر الإخراجي، خاصة عندما تتكثف كل مكونات الأسلوب والأدوات الإبداعية من سينغرافيا وممثل وغيرها لتأول الفضاء من جديد .
وعندما تطور عمل مايرهولد وتجاربه في المسرح وخاصة بعد ثورة اكتو بر، واكتشف منهجه الذي يمكن أن نطلق عليه بالمنهج المايرهولدي،كان دائما لا يجد الوقت الكافي لتحقيق جميع أفكاره التجريبية الغنية سواء أثناء عمله في مسارح الإمبراطورية سابقا أو مسارح الدولة بعد الثورة أو حتى في مسرحه الخاص.
البيوميكانيك منهج مايرهولدي معاصر
وتعتبر سنوات العشرينات أهم مرحلة في حياة وأعمال مايرهولد نتيجة لفسحة الحرية التي منحتها الثورة مما أدى إلى بلورة منهجه(البيوميكانيك) لتطوير أداء الممثل ونضوج أسلوب البنائية في العرض المسرحي.
وقد طرح مايرهولد من خلال منهج البيوميكانيك ، ما اسماه بممثل المستقبل كمصطلح لتدريب الممثل وإعداده. وقد تحدث د. الجاف بالتفصيل عن تطور هذا المنهج منذ تجارب مايرهولد الأولى حتى تبلور منهج البيوميكانيك وعلاقته بالبنائية والغروتسك مستخدما الكثير من المصادر المتنوعة لإغناء منهجه كالسيرك، الميوزك هول، الجمناستيك، المسرح الصيني والياباني القديم، وكذلك العلوم كالتايلرية وخاصة في مجال الحركة والإنتاجية وأهميتها في اقتصاد الحركة في المسرح ونظرية الانفعالات لعالم النفس وليم جيمس وأفكار بافلوف في الانفعالات الشرطية مما اوجد الكثير من الأساليب والتمارين المهمة لتدريب الممثل.
واستخدام المنهج بهذا الغنى يحمل الممثل على الإحساس أوتوماتيكيا بالانفعالات الداخلية، وما يفرضه المنهج في تغير حركة جسمه بشكل متواصل وتقسيمها إلى حركات صغيرة، يخلق العلاقة بين قدرات الممثل الجسمانية وأحاسيسه الداخلية. فمنهج البيوميكانيك يكّون المبادئ الأساسية للأداء التحليلي الدقيق لكل حركة، والتفريق بين الحركات بهدف الوصول إلى الدقة النموذجية. انه منهج يمتلك الآلية للوصول إلى شعرية الأداء وتطوير القدرات الإبداعية المتنوعة للممثل.
وبالتأكيد فإن هذا يؤدي إلى تحقيق التمسرح أو المسرحة في عمل الممثل ووظيفة المتفرج أي إخضاع كل شئ على المسرح إلى قوانين اللعب المسرحي. فالمسرحة قائمة على الشرطية التي تفرض مبدع رابع هو المتفرج، والتي تجعله لا ينسى بأنه أمام مسرح وممثلين يمثلون أدوارهم، وتجعل الممثل يتذكر دائما بأنه واقف على خشبة المسرح وأمام جمهور.
إن هذا المنهج أدى إلى استخدام أشكال مسرحية أدائية مختلفة كالبانتوميم ومهارة الحركة وغيرها، وكذلك أدى إلى إمكانية دمج القدرة البدنية بالقدرة الذهنية للممثل واستخدام قواعد الفن التشكيلي الحديث في العرض المسرحي والسينغرافيا،وهذه نقاط جوهرية أولاها الباحث ما يكفي من الشرح والإتيان بالأمثلة العملية.
لقد بنى مايرهولد منهجه وعلم ممثليه بأنهم لا يحتاجون ألإنفعلات في البداية إذ ينبغي توفر الحركة الصحيحة أولا وعندها يأتي الانفعال والإحساس الدقيق. ومن هذا المنطلق فان مايرهولد يعتبر كل شئ على المسرح عبارة عن حركة ولكن ليست تلك الحركة المجرة والتجريدية كما يفعل الكثير من المخرجين غير المتمكنين من أدواتهم الإخراجية، وإنما بالنسبة إلى مايرهولد فان الانفعالات والكلمات ما هي إلا حركة وهذا هو جوهر البيوميكانيك.
وقد أعطى المؤلف د.الجاف الكثير من التعريفات للبيوميكانيك والغروتسك وأغنى كتابه بالكثير من التمارين وأفكار المايرهولدية في أسس المنهج وجذوره وذلك من خلال استعراض ما قام به مايرهولد في ورشات عمله مع الممثل مما خلق ايتودات (تمارين)معروفة عالميا ومنسوبة إلى مايرهولد، وقد ثبت هذا صحة المنهج الدراسي للبيوميكانيك والذي نفهم من خلال الكتاب بأنه منهج جديد للتمثيل والرؤيا الإخراجية باختلاف جذري عن المدرستين الطبيعية والسايكولوجية، ومازال هذا المنهج يستخدم حتى الآن في مسارح العالم.
إن اعتماد مايرهولد على الغروتسك وإحياءه من التراث القديم هدفه إغناء لغة الممثل، فالغروتسك عند مايرهولد يعني الكشف عن ازدواجية الظاهرة، وكذلك الكشف عن بشاعتها وسخفها، لأنه يربط بين المأساوي والساخر ويمزج بين الواعي والخيالي ويكشف عن النواقص الأخرى. وإدراك هذه الظاهرة وتحليلها بهذه الدقة يؤدي إلى تعميق المعنى الحقيقي لها وارتباطها بالواقع والحياة عموما.
ويؤكد المؤلف في كتابه استنادا إلى المراجع والدراسات الموثقة ببطلان الاعتقاد بأن الغروتسك يعني التباين والتناقض فقط، إذ أن في الغروتسك يوجد هنالك صراع بين الشكل والمضمون، وعدم الترابط الظاهري هو نتيجة لأسباب كثير ة. ولهذا فان مايرهولد يعد مخرج غروتسكي يؤمن بان المسرح هو غروتسك.. و يؤكد دائما بأنه عندما يوجد الغروتسك في الفن المسرحي وفي صراع الشكل والمضمون يتغلب الأول وعندها تغدو روح المسرح بمثابة روح الغروتسك.
أما أفكار مايرهولد في البنائية فلا يمكن أن تكون متكاملة بدون تعاون مجموعة من فناني السينوغراف المجددين مما خلق تنوعا في الأفكار والتجارب واكتشاف المجالات الجديدة لفضاء المسرح وساعد (هذا التنوع من خلال الديكور والأزياء على تأكيد حقيقة هي، إذا كان ستانسلافسكي قد سعى لإظهار الحقيقة على المسرح، فان مايرهولد كان مؤمننا بالمسرح كفن بحد ذاته).
وكان الهدف هو إيجاد مسرح جديد يمهد للانتقال من الطبيعية التي كان ستانسلافسكي يؤسسها إلى الرمزية وخاصة عندما اخرج مايرهولد مسرحيات مترلنك، أندرييف، بلوك، سولوغوب وهوفمان. ويعتبر مايرهولد الأول من الذين عملوا على تحقيق المسرح الرمزي في روسيا، وأفكاره أسست أهم الإنجازات التي تحققت في مجال سينوغرافيا الفضاء الذي تحول من فضاء مسطح إلى فضاء غني بالممثل الجديد والرموز البنائية الأخرى.
فمايرهولد اكتشف بان الميزانتسين الطبيعي والواقعي الذي كان يُؤسس في مسرح موسكو الفني بإشراف ستانسلافسكي، غير مفيد ولا يتناسب مع التحولات الثورية الجديدة في روسيا، ولهذا فانه اعتمد على فناني السينغراف الجدد،لأنهم بعملهم يقومون بتشكيل العالم من جديد مما ساعد مايرهولد تقديم عروض مع ممثله الجديد إضافة إلى أغناء فهمه لمبدأ (المسرحة)الواعية المبنية على الزمان (الإيقاع) والمكان(الميزانتسين).
وقد ساعد مايرهولد استخدامه للميزانتسين كجزء من أغناء الخطة الإخراجية التي تصبح أكثر وضوحا عند إعطاء أهمية للضوء كعنصر يغني الميزانتسين، ولهذا تعتبر البنائية اليوم من أهم اكتشافات المسرح الروسي آنذاك ويعود الفضل إلى مايرهولد. وهذا ما تؤكده عروضه الشهيرة في هذه الفترة مثل : موت تراكلين، الغابة، الانتداب والمفتش العام،البقة وحمامات الدم. لكن منذ بداية الثلاثينيات بدأت الستالينية تنظر إلى منهجه في البيوميكانيك على انه تطرف خاطئ من مايرهولد.
مايرهولد وبرشت
يعتبر مايرهولد هو المخرج الذي وضع الأرضية الأولى للمسرح السياسي والتحريضي وذلك في عروضه، الفجر، وهبت الأرض، مستيريا بوف و(د.ي) وغيرها، وهو بهذا قد سبق برشت وبيسكاتور
. حيث أن أفكاره التي سبقت عصره سبقت أيضا برتولد برشت في طرح مفهوم التغريب في المسرح، أي في عدم اندماج الممثل بالشخصية وإنما تغريبها وخلق مسافة بينه (الممثل) والدور، من اجل الوصول إلى المسرحة وبعد ذلك التغريب.
لقد بحث الكثير من الدارسين أهمية أفكار مايرهولد في تشكيل أسس المسرح السياسي التي اعتمدها كل من بيسكاتور وبرشت كمصادر لهم وهذا ما تؤكده الباحثة كاترين بليس إيتون بان برشت اخذ الكثير من المصادر في تكوين مسرحه وخاصة من أفكار مايرهولد ، الذي هو بالذات اكتشف تلك الطرق والوسائل التي نعزوها اليوم الى بيسكاتور و برشت .
وقد أدى اهتمام برشت بالمسرح الروسي والسوفيتي، آن يضيف الكثير من مكتشفات مايرهولد ومفرداته الفنية إلى مسرحه الملحمي والتغريب الذي اشتهر به بدون أن يكون نقلا فوتوغرافيا وإنما عمد إلى تمثلها واستيعابها ، ومن هنا فان مايرهولد يسبق برشت بعشرة سنوات في هذه التجربة، التي أكدت على طرق جديدة أسلبت التجربة المسرحية العالمية وخلصت المسرح من الكثير من الغثاثة والثرثرة الفنية.
وهنالك ملاحظة مهمة يوردها المؤلف عن ثورية مايرهولد الفنية التي شكلت قلقا وإزعاجا لبيروقراطي الحزب وذلك من كون أن الثورة انتهت باستلام السلطة من قبل الشيوعيين، ولكن بعد ذلك بدأت تصفية المنادين بالديمقراطية، ولابد أن تزعجهم أيضا أفكار مايرهولد وتوجهاته الفنية لجذب جماهير إلى المسرح عبر تقديم عروض شعبية تتناول همومهم الأساسية وخاصة أبان مرحلة عروضه السياسية، إضافة إلى أن مايرهولد كانت له القدرة على التأثير على الجمهور وعلى عموم العاملين في المسرح الثوري ـ اليساري آنذاك .
العين الصفراء السرية لستالين
ونتيجة لغنى وتنوع أفكاره كان يحول أي نص كلاسيكي إلى عرض تجريبي متفرد. من هنا جاء حقد معاصريه عليه لدرجة العمل وبشكل حثيث لدفع ستالين للتخلص منه بتهم ستالينية مضحكة وجاهزة (كالعمالة للأجنبي، التجسس لليابان وبريطانيا ولتوانيا والتعاون مع تروتسكي) واتهامات أخرى حاقدة كونه فنان رمزي أو مثالي وان مسرحه لا ينسجم مع الثورة.... والحقيقة عكس هذا تماما حيث عندما كانت تقام حفلتهم لقتله، كان الجمهور يتزاحم لحضور عرضه المسرحي (الحفلة التنكرية) بعد أن عرضت 500 مرة، لأن أفكاره الطليعية تنسجم مع طليعية الثورة آنذاك وتهم الناس حتى الشعبيين منهم.
إن الفكر الآديولوجي الخانق دائما يقف بوجه أصحاب الفكر والإبداع الحر كما هو مايرهولد، فكلما كان يبدأ مشروعا مهما يؤسس فيه فكراً إخراجيا جديداً، كانت توضع أمامه العوائق والعراقيل، لذا فان مايرهولد دائما يرى نفسه عاطلا عن العمل في مجتمع اشتراكي .
إذن كل هذا لابد أن يقلق أصحاب القرار الذين أصبحت الديمقراطية عدوهم، وأصبح مايرهولد بعروضه الثورية المتجاوزة لحاضرها والعابرة الى رؤيا مستقبلية واحد من أعدائهم أيضا.
وبعد اتهام مايرهولد، الغي تراثه وعروضه المسرحية (التي كانت مستمرة أثناء ذلك). وأغلق مسرحه في 1938 بالرغم من إن الضغط الشديد على الفنان بدأ منذ عام 1927، وحورب بشدة بعد أن فرضت الستالينية ما يسمى بالواقعية الاشتراكية كمنهج موحد مفروض على جميع العاملين في المسرح والإبداع الأدبي والفني.
وعندما حدجته العين السرية لجلاوزة مخابرات ستالين ووضعته في شبكيتها، لم ينقذ مايرهولد حتى اعترافه بأخطائه ونكرانه لأعماله العظيمة واعتبارها أخطاء في الفكر ولا تنسجم مع المرحلة الستالينية، وطالب بما يشبه العطف المذل في السماح له ولأيزنشتاين وشستاكوفيتش(كانوا من الملعونين أيضا) في مواصلة أعمالهم من اجل تصحيح أخطائهم في المستقبل، وكل هذا أعلنه مايرهولد في خطبته (كانت كمؤامرة و شرك له) التي ألقاها في مؤتمر المخرجين في موسكو.
وعندما اعتقل دافعت عنه زوجته الممثلة زينادا رايخ بكتابة رسالة معنونة إلى ستالين، ولكن رده كان سريعا حيث دخلوا عليها فقطعوا جسدها بسبعة عشر طعنة سكين، أما شقة مايرهولد فقد استولى عليها رئس المخابرات بيريا ليقضي فيها لياليه الحمراء مع عشيقاته.وحرمّت أفكار مايرهولد وحتى ذكر اسمه قرابة نصف قرن عن الذاكرة المسرحية. مع الأسف هذه هي الظروف التي عمل فيها مخرج عظيم مثل مايرهولد، أما الغرب وأوربا فإنهم كانوا يعدونه مخرج المستقبل لذا أعطوا أهمية خاصة لدراسة تجاربه.
مايرهولد والغرب
والقيمة المهمة التي سجلها الكتاب هو أن المؤلف استعرض آراء الباحثين الغربيين المختصين بالمسرح الروسي بعد الثورة وخاصة مسرح مايرهولد، إضافة إلى آراء أعداءه فيه أيضا.
ومجموع الدراسات والبحوث القديمة والحديثة هذه تمتلك أهميتها الآن لأنها سهلت الطريق العملي أمام المنهج المايرهولدي في المسارح الأوربية، والميزة الأساسية لهؤلاء الباحثين، أنهم كانوا يبحثون تراث مايرهولد وأهميته ضمن تطور العملية المسرحية في العالم، حيث يستلهم الباحث كارتر من البيوميكانيكا المايرهولدية التأكيد على القضايا المهمة التي يمنحها المنهج الجديد كتمايز النوعية الجديدة للممثل، أي أداءه لنظام جديد بما فيها تطور أساليب جديدة، ومنح المسرح فضاء آت جديدة، وتنفيذ مسرحي له تأثيره على الممثلين و الجمهور.
وهو يقيم مايرهولد على أنه لم يؤسس مسرحا جديدا فحسب،وإنما أيضا جمهورا مسرحيا جديدا من خلال توحيده بين المصادر الكلاسيكية للماضي وربطها مع الوعي الجديد للناس .
وقد اهتمت الجامعات الأمريكية والبريطانية بتراث مايرهولد بشكل كبير حيث ترجم ادوارد براون كتاب (مايرهولد.. في المسرح)،
أما بول شميدت فكتب كتابه (مايرهولد أثناء العمل) وركز اهتمامه فيه على عمل مايرهولد بعد الثورة. وقد اصدر جيمس سيمونس كتابه
(مايرهولد مسرح الغروتسك) وتناول فيه مسيرة مايرهولد الختامية ونضاله ومعاناته مع الستالينية. أما براون فقد أكد في كتابه (مسرح مايرهولد ثورة على المسرح الحديث) بان مايرهولد فهم الغروتسك كتعبير لفلسفة الإنسان المعاصر. ويعرض لنا براون أيضا في كتابه (المخرج والمسرح) الصادر في 1982 أهمية دور مايرهولد ومكانته بين مخرجي المسرح المعاصر مركزا على أعمال مايرهولد في مرحلة المسرح السياسي.
فكما يوصف مايرهولد بأنه كان يحارب الجهل الفني بوضعه أسس جديدة لعمل الممثل وتقديم قيم جمالية للمتفرج، إلا أنه في ذات الوقت كان عليه أن يتحاشى الملاحقة العلنية من قبل رجالات الحزب والمخابرات ويحافظ على حياته من الحزبيين الجهلة والفنانين الحاقدين.
ولهذا فان المؤلف د. فاضل الجاف في كتابه هذا أعطى صورة كاملة لأفكار ومنهج ودواخل ومصير مايرهولد، الإنسان والفنان و المخرج، إضافة إلى أنه أعطى صورة تاريخية عن حركة وظروف المسرح السوفيتي مابين 1917 وحتى مقتلة مايرهولد في 1940 . وكانت هنالك مساحة كافية وضرورية لشرح المفردات التي يقوم عليها منهج مايرهولد مثل الغروتسك والبنائية والبيوميكانيكا وغيرها، والشئ الأكثر أهمية في الكتاب هو تقديم منهج مايرهولد وكذلك البحوث و التطبيقات العملية والتدريبية المعاصرة على المنهج. ومن ثم البحوث التي تناولت تأثير مسرح وأفكار مايرهولد في مسرحنا العالمي المعاصر، فأفرد المؤلف ملاحق وضح فيها أسس البيوميكانيك وكيفية التدريب واللإستفادة منه وخاصة في تجارب مسرح الأودن ليوجين باربا في الدنمرك و مسرح شهرزاد السويدي، أو التطرق إلى تلك الحوارات عن تجربة الباحث الانكليزي روبرت ليتش وعلاقته بالمايرهولدية واعتبار البيوميكانيك كمنهج لإعداد الممثل و العرض المسرحي، فهو يعتبر مسرح مايرهولد جوهر المسرح الحقيقي المعاصر.
fasoudani6@hotmail.com
ــــــــــ
د. فاضل الجاف، فيزياء الجسد (مايرهولد... ومسرح الحركة
والإيقاع) إصدارات دائرة الثقافة والإعلام ـ الشارقة 2006
مصدر المقال: جریدە ایلاف العدد: ٤٥٧٧

٠٢.١٢.٢٠١٣

الأربعاء، 19 نوفمبر، 2014

غالب المسعودي - ظاهرة ألأحتباس الثقافي...كلٌ يغني على ليلاه.....!

في معرض وسام زكو* أسئلة الإنسان وملغزاته- عادل كامل






في معرض وسام زكو*
أسئلة الإنسان وملغزاته





  عادل كامل
   في أحلك الفترات التي عاشها وسام زكو، وهو يتأمل، حد الاكتواء، العوامل التي راحت تحد من مكانة الإبداع في حياتنا، في هذه الفترات ـ وهو الذي عاش حياة المنفي، المخلوع، المهجر، بدءا ً من أرمينيا، مرورا ً بالعراق، نحو الولايات المتحدة الأمريكية ـ لم يفقد استبصاره بان الإبداع الفني تأسس على اعقد علاقة بين (الأعلى) وبين (الأسفل)، ليس وساطة، أو فجوة، بين الله والتراب، ولا بين المعقول واللامعقول، ولا بين المعنى واللا معنى حسب، بل انشغالا ً بمقاومة الرداءة، والاندثار.






   فهذا الإنسان (المتوحد)، المحصن بالذاكرة، ومخفياتها، تعلم كيف يقاوم القبول بالأمر الواقع، واعيا ً بالحتميات وبقانونها اللاذع، القديم قدم رسومات الكهوف، ودمى إنسان المغارات،  والذي يكمن في عملية (التدجين)، أو القهر، أو ما يصطلح عليه اليوم بالاندماج، أو الاحتواء، فلم يرضخ، في أحلك الفترات التي عاشها، داخل وحل البلد الذي ولد فيه، لا الاستسلام للجحيم، ولا الأمل بالحصول على حديقة في السماء. كان وسام زكو قد تعلم ان الحرية لا تدمر إلا بالعشوائية، فليس ثمة عشوائيات خلاقة، وان الإنسان لا يدمر إلا بمحاولة ترويض حماقاته، كي يصدم بالواقع العنيد: ماذا يفعل الإنسان فوق هذه الأرض، وقد تعلم ان (التفكير) لم يكن هبة خالصة، ولا تامة، بل خبرة تشكلت عبر هذا (الأعلى) و(الأسفل)، عبر اللغة، الأداة التي سمحت للأعضاء ـ من الأصابع إلى الرأس ـ ان تحفر في اللغز، لا ان تحوله إلى درب آمن. فالحياة برمتها لم تقل كلمتها ...، وإلا فإنها ستؤكد كم كانت فائضة، وربما قبض ريح، وان ما راود مخيال القدماء، أسلافنا، لم يسع أو يقد الحياة إلا إلى خاتمتها: الربح ـ القائم على التراكم، والهدر، والزوال، بل إلى قهر المسلمات، الشعارات، والصيغ المبنية على القرارات الراسخة، الأبدية...، نحو ذلك الضوء المخبأ في الظلمات، والكامن، رغم القوانين المحكمة، عديمة الرحمة، في مكان ما في الرحلة: في ومضات القلب، وفي ترابط أعالي (المخيال) بالصفر: التراب.






    رسومات وسام زكو تعلن عن وعيها، بدل ان تتحول إلى علامات سلع، في عصر حرية السوق، وفوضاه العنيدة، فهي رسومات لا يمكن عزلها عن أقدم تصوّر لقصة الخلق، في حضارة العراق القديم، ليس تصوّرا ً يرتد من الحاضر إلى ماضيه، ولا يمتد من ماضيه نحونا، بل يضعنا في أتون المحنة وعمقها: التراب، وتحولاته.  فالإنسان لم يخلق خارج المعادلات، وأنظمتها البالغة الإحكام، والجبرية، وقد دوّن كاتب ملحمة "جلجامش" أدق تفاصيلها، فالثلث الأعلى/ الإلهي، يوازيه الثلثين: الإنسان وتاريخه.  لكن هذا التصوّر سيفضي بالإنسان إلى العدم، المتمثل بمقتل (ديموزي/تموز) ونزوله إلى تحت، إلى العالم السفلي، الذي لم نر أحدا ً دخل فيه وخرج منه، لكن الحياة ـ بتصورات وسام زكو ـ لم تقهر الظلمات،  ولم تعّول على السماء، بل أبقت الديمومة قادرة على قهر نهاياتها، بالامتداد.


      لقد أولى وسام زكو (الطين) الأسس ذاتها ـ في فلسفة السومري ومن جاء بعده، برمجة صاغتها العوامل الموضوعية، لكن (الوعي) ليس موضوعيا ً حد عدم تلمس تساؤلات الإنسان في حضوره الملغز، وكأنها عابرة، أو زائدة. فهذا (الإبداع) ـ  المنحدر من اللا عضوي نحو الوافد من عفن السواحل، هو ذاته سمح بقراءات متجددة لمفهوم موت ديموزي ـ وانبعاثه. والسيد المسيح ذاته أكد ان من يريد الحياة إنما عليه ان يموت. فهو امتداد للقانون ذاته: البذرة التي لا تدفن لن تنبت. ووسام زكو لم يصدم بالموضوعية/الجبر، بالقانون الإلهي، كي يقبل بالهزيمة، وبالانخلاع، وبما سنه البشر من تشريعات للقبول بالقهر ـ القهر القائم على المعتقدات، أو الانتماءات الاثنية، أو الثقافية، أو الأيديولوجية ...الخ ـ  بل راح يتشبث بالبحث عن اللغز المخبأ في قلب الإنسان، لكن ليس الإنسان عديم الشفقة، الصانع للأدوات، بل هو هذا الذي رآه يمشي: فوق الماء. تلك النزعة الكامنة في كل ذات وهي تنسج معادلها بين المحدود ـ والأبدية.




    انه يقدم رسومات غزلت بغزل من صنع عذاباته، كذات محكومة بنظام المنافي، لكن ليس طلبا ً بالحصول على خلاص لروحه، وترك الآخرين يذهبون إلى الجحيم، وبالنسق ذاته، لم يهن أو تخمد فيه جذوة البحث كي لا يدع حواسه تخمد وهي تغزل خامات الإبداع ـ المكونة لأجسادنا وعقولنا وعواطفنا ـ علامات لمعنى ما ثمرة هذا الوله، وهذا الانشغال، والقبول بحتمية ان (الحرية) ليست كابوسا ً، أو ورطة، بل مدرجا ً لا يخلو من المصالحة، لكن ليس مع الظلمات ـ التي أبصر داخلها بصيص الأمل ـ بل ما توارى فيها من ومضات انتظرت ان تشكل عنصرا ً ديناميا لها في: التمثيل، الكلمات، الرسومات، وقبلها، في الصائغ نفسه وهو يشق طريقه وحيدا ً في أكثر الدروب وحشة، وعزلة، واغترابا ً.




     فالفترات العصية التي عاشها وسام زكو، وأدرك فيها ان القوى الخلاقة للإنسان تكاد تصاب بالوهن، والانحلال، حولها ـ كما تبلورت أنظمة الإبداع التي ولدت من رحمها، من الأرض، إن كانت في أرمينيا، أو في وادي الرافدين، أو في أي ارض لا تنتهك فيها حقوق المنفيين ـ إلى علامات اندمجت فيها (الأعالي) بالتاريخ، والمطلق بالمقيد، والمجرد بالفنان الذي راح يبني نصوصه الفنية كمن حول منفاه إلى إقامة، لكن ليس بدافع الخلاص، إنما، في الوقت نفسه، لم يتخل عن تلمس رؤية تلك الومضات الكامنة في اشد الظلمات حلكة: الإنسان!
     فالفنان عجن رؤاه اليومية، الآنية، المضطربة بالأصول، كي لا يقيم في مدافنها، وأطلالها، بل كي يشترك معها بالانعتاق، والمغادرة: نصوص فنية تزخر بالمسامير ـ وهي مستمدة من تماثيل الأسس،  وتحاكيها، بوصفها احد مكونات الحروف والأبجدية المسمارية ـ لا تدع الأعلى يستقل بعلوه، بعيدا ًعن الحواس، والحركة، والاشتباك، كما لا تدع المسامير تفقد قدرتها على إثارة الأسئلة، والامتداد، والتشبث بدينامية إن (الدفن) ليس إلا حلقة، لا تجعل من المرئيات إلا مساحة للشهادة، والتجدد، والأمل.

*[ لمناسبة معرض وسام زكو "أسس حضارة الطين" المركز الثقافي العراقي في واشنطن تشرين الثاني 2014 ]

يوم الفلسفة العالمي - 20 تشرين الثاني 2014- د. وريا عمر أمين




يوم الفلسفة العالمي -  20 تشرين الثاني 2014


 




و للكاَبة ألوان ، و افجعها .....ان تبصر الفيلسوف الحر مكتئبا
                                                         ألجواهري

د. وريا عمر أمين

      اقرت اليونسكو في دورتها الـ 33  بقرارها المرقم 4533/C ابتداءا من عام 2002 ان يكون ثالث يوم خميس من شهر تشرين الثاني من كل سنة يوما عالميا للفلسفة لتكريم الفكر الفلسفي في أنحاء العالم بتوفير مجالات فكرية حرة يمنح فرصاً للتأمل في بعض تحديات العصر الكبرى لتشجيع الناس في جميع أنحاء العالم على تبادل التراث الفلسفي مع بعضهم البعض وإنارة عقولهم لأفكار جديدة وتشجيع التحليلات والبحوث والدراسات الفلسفية للقضايا المعاصرة المهمة من أجل مواجهة التحديات المطروحة امام البشرية.
 

     يعد احتفال عام 2014 ( يوم الخميس 20 تشرين الثاني)  باليوم العالمي للفلسفة هو الثاني عشر بهذه المناسبة ليتيح للافراد تبادل الآراء والخبرات في جو من الاحترام الكامل للتنوع الثقافي وذلك بتنظيم مختلف النشاطات  (الحوارات الفلسفية، والمناقشات والمؤتمرات وحلقات العمل والفعاليات الثقافية مع مشاركة الفلاسفة والعلماء من جميع فروع العلوم الطبيعية والاجتماعية، والمربين، والمعلمين، والطلاب، والصحفيين و ممثلي وسائل الإعلام، وعامة الجمهور).
 و من المؤمل ان يحتفل هذا العام حوالى ثمانون بلداً بيوم الفلسفة والتي تمنح كل فرد، بغض النظر عن ثقافته و انتمائه الفكري و العرقي و الديني ، فرصة للتفكير الحر في مسائل مختلفة يهم الانسان اينما كان.
لقد أتاح يوم الفلسفة لنا الفرصة لنطرح على أنفسنا الأسئلة التي غالبا ما تكون منسية:
1 – هل استطاعت الفلسفة ان تجيب على اسئلة الانسان الاساسية حول وجوده و مصيره؟
2 -  من نحن كأفراد وكمجتمع عالمي؟
3 -  ما هو الشيء الذي أهملنا التفكير به؟
4 - ما هي الحقائق المشينة التي اعتدنا عليها؟  وهل تتطابق مع مصالحنا في العدالة والمساواة؟
5 - هل يعيش مجتمعنا وفقا للمعايير الأخلاقية والأدبية كما وردت في المواثيق الكبرى؟
6 –  لماذا لم يستفد الانسان من جمهورية افلاطون و وتعاليم ارسطو و سقراط وعدمية نيتشة و تفكيكية دريدا و تحاليل فوكو و سارتر و..و.. ومالذى قدمته الفلسفة و الفلاسفة للانسانية والانسان الذي لا يزال يعاني في كل مكان و زمان من الفقر و الجوع و الحروب والارهاب و الكوارث!!؟؟



منحوتة مزورة لخالد الرحال-د.أحسان فتحي

منحوتة مزورة لخالد الرحال

عمل مزور لخالد الرحال





    أعزائي المعماريين والفنانين العراقيين في كل مكان، تحياتي وسلاماتي، مرة أخرى، تعرض في عمان حاليا لوحة منحوتة خشبية طويلة ( 50 في 400 سم) موقعة تزويرا بأسم الفنان الراحل الكبير خالد الرحال ومؤرخة تزويرا بتاريخ 1957.  ان هذا العمل لا يمت بأي صلة إطلاقا بأسلوب خالد الرحال المعروف بقوته التشكيلية، كما ان خالد لم يحبذ النحت بأسلوب الرليف على الخشب أبدا، وان العمل فيه الكثير من روحية الراحل محمد غني وشيء من جوا د سليم ، ومن المرجح جدا بأنه من عمل النحات منقذ الشريدة الذي رحل قبل شهر فقط وكان قد عمل طويلا مع محمد غني وتأثر به. وكيف تم السكوت على مثل هذه اللوحة الهائلة كل هذه الفترة اذا كانت فعلا من عمل الرحال  ؟ من الواضح ان المزور أو المزورين قد وضعوا اسم خالد الرحال والتاريخ مؤخرا ومباشرة بعد وفاة الفنان منقذ وكأنهم كانوا ينتظرون وفاته على أحر من الجمر، ذلك لان السعر المطلوب في هذا العمل المزور هو مليون دولار على الأقل  !  الرجاء من مالك اللوحة حاليا أما أتلافها فورا أو إزالة التوقيع والتاريخ المزورين فورا والكف عن هذه الأعمال اللا أخلاقية المشينة!

د.أحسان فتحي


جواد سليم في واحد من الإصدارات الفنية اللافتة- خليل جليل*


جواد سليم
في واحد من الإصدارات الفنية اللافتة
عادل كامل يثير أسئلة متجددة ويقدم سردا تاريخيا وفنيا جديدا لنصب الحرية
                                                                                                      خليل جليل*
                                                                                             
اذا كانت هناك إصدارات من الممكن ان تستعرض لها على نحو سريع وتقدم لها تحليلات نقدية سواء كانت فنية او أدبية او ثقافية تبقى هناك إصدارات أخرى ليس من الممكن ان نتوقف عندها سريعا او نقدم لها بشكل عابر نظرا لما تتميز به هذه الإصدارات من قيم مضمونية لافتة الغاية منها ابراز اوجه ما زالت مختفية عن رؤية النقاد والكتاب خصوصا انها اذا كانت مثيرة للتساؤلات المتجددة ومحفزة لقراءات لاحقة وهذا ما وجدناه  في الكتاب الفخم والباذخ للناقد التشكيلي والكاتب اللامع عادل كامل وهو يعزز ويثري مشروعا  يسهم في استعادة بصمات فنية متميزة في تاريخ الحركة الفنية التشكيلية في العراق عبر كتابه الجديد الذي حمل عنونا هو الآخر مثيرا للنقاش ويفتح الباب امام سلسلة من الأسئلة والإجابات "نصب الحرية لجواد سليم..ملحمة شعب وذاكرة حضارة".
ومن المعروف ان هذا المشروع الاستعادي الفني الرصين  ويأتي  هذا الكتاب واحدا من عناوينه  المهمة والحيوية يكاد يكون مشروعا وطنيا مهما آثر صناعه للتصدي له بعد ان غاب عن اهتمامات المؤسسات الثقافية
ومما يزيد من اهمية المنجز الجديد لهذا المشروع الفخم انه يتصل بواحد من رموز الحركة التشكيلية العراقية وأحد روادها وبأهم منجز ابداعي له ...انه الفنان التشكيلي الراحل جواد سليم المولود  1921 والمتحدر من عائلة عرفت الفن التشكيلي وارتبطت به عبر اسماء راسخة  وقدمت اصغر فنان يحصل على جائزة فضية بعمر 11 سنة بمشاركته في اول معرض للفنون يقام في بغداد عام 1931 عن عمل نحتي شارك به في هذا المعرض وكان ذلك دافعا لكي يكمل دراسته  في روما وباريس  قبل ان يعمل مدرسا لمادة النحت  في معهد الفنون الجميلة في بغداد اثر عودته الى العراق ليواصل رحلة فنية ناضجة وبليغة لكنها توقفت عند عام 1961 انتهت بوفاته أثناء  اشتغاله في إقامة  نصب الحرية نتيجة نوبة قلبية داهمته أثناء العمل بسبب جسامته  والارهاق لكبير الذي تعرض له.

ابتدا الناقد عادل كامل الذي ذاع صيته كاتبا للقصة والنصوص الأدبية والنقديات الفنية التشكيلية منجزه الجديد عن نصب الحرية ورمزيته الوطنية والتاريخية باستهلال تاريخي وفني لهذا العمل اللافت بأيحاءاته  المنفردة عبر رؤية فنية تميز بها جواد سليم وانعكاسات وعيه على مساحات ذلك الامتداد الأفقي للنصب ورموزه المنتشرة عليه وعناصره المتقاربة والمتشاركة برمزية الحياة مثلما اشار كامل وكلها تتمحور حول عناصر الحياة  المتوهجة فوضعها على هيئة قرص الشمس الى جانب  والمقاتل  والمرأة والمشعل وغير ذلك من التفاصيل الفنية الاخرى التي تندرج ضمن مفهوم البناء الفني المتواصل بنسقه وتفسيراته وهي تنمو من جزء لآخر حتى تكتمل حدود الحكاية الفنية لعمل عملاق   هذه الحكاية التي تتفتح عليها عيون العراقيين صباح كل يوم .
يقول الناقد التشكيلي كامل في مستهل محور خصص كما في عنوانه" ذاكرة النصب" ان كانت تجارب نيازي مولوي بغدادي وهو أقدم مؤلف ونساج دشن مقدمات للفن الحديث في العراق خارج دائرة الاهتمام والأضواء  إلا إنها كانت وليدة تحولات سمحت للفنان ان يرتقي بالحرفة الى  نحو الفن والفن نحو المجتمع  المعرفي  وبالذاكرة او الموروث نحو العصر ليؤلف في ما بعد بين الحس اللغوي و التشكيلي وبالتالي ان هذه الريادة وجدت لدى الفنان جواد سليم انموذجها
ويضيف كامل لا مناص من ان جواد سليم عاش زمن نشوء دولة مستقلة بمعنى عاش تدشينات وتحولات شملت الحياة العراقية واخذ يوظف رموزها في عمل فخم مثل نصب الحرية تتداخل فيه الرموز العراقية
المستلهمة  من الواقع الحياتي مع العودة إلى الحياة الرافدينية وأشكالها التاريخية
وفي محور آخر من هذا الكتاب الممتع والشائق بأسلوبية الناقد عادل كامل والذي نجح فيه بتأجيج الذاكرة لمراجعة هذا العمل وكأننا نكتشف في هذه القراءة ما هو جديد، يقول كامل في محور" تمرين في الرؤية"  الفنان جواد سليم صاغ طريقة ونموذجا خاصا في الرؤية يتمثل بوجود اشتراطية للحرية والعدالة اللتان  تشترطا بأن  لا تجعل الإنسان معاقبا   ومما يبرز في شكل الرؤية للعمل هو ذلك الوعي الممتد والمتكامل للفنان سليم وهو يعي ويدرك أهمية فنية يحقق فيها علاقة مستديمة بين النصب والأجيال التي تمر عليه وهذا يعكس حقيقة واقعية تتمثل بالموهبة الاستثنائية التي تمتع بها سليم وقدرته بالحصول على حلول يصل حلالها إلى منجز فني إبداعي راقي.
وفي هذه الرؤية مثلما يقدمها الكاتب ، نجد التصاعد الملحمي لتفاصيل النصب عبر الرموز التي انتقاها سليم وجعلها مكملة لبعضها البعض فالمرأة والفلاح والجندي والشمس والنهر  والعامل كلها رمزيات حياتية تكتمل جميعها بدورة واحدة  وكأن النصب يمثل تفكيرا دائما بالحرية لدى الفنان ذاته والحث على مواجهة الاستعباد
"الجذور والتواصل"

لعل أهم محطة أو محور توقف عندها الناقد البارع عادل كامل كانت في الفصل الأول من كتابه  تلك التي جاءت تحت عنوان" الجذور والتواصل" اذ حاول ان يقدم أدلة وتفسيرات فنية وتاريخية استند عليها تؤكد مجددا بان هذا العمل الملحمي يبقى يخبئ الكثير من الأسرار ويثير الكثير من الجدل والمناقشة على الرغم من مرور ما يقارب أكثر من نصف قرن على إقامة  هذا النصب العملاق ...فعلى الرغم من مرور هذه الحقبة الزمنية فان النصب ما زال يثير الكثير من الأسئلة  التي تبحث عن إجابات  تفضي إلى أسئلة متلاحقة جديرة بالمناقشة مثلما يرى ذلك هذا الفصل الممتع من الكتاب وهو يتحدث عن نصب مفتوح امام الرؤية باستمرار  تصافحه عيون العراقيين  يوميا لتتواصل معه وفق جذور فنية وتاريخية  رافدينية  تنبه اليها الفنان وكرسها في عمله الفخم  وهو خلاصة ما يمكن ان يطلق عليه بفن الشعب الذي  يرصد ادق التفاصيل الحياتية  مما دفع بالفنان جواد سليم ليستحضر كل اشكال  الفنون  التي كانت تعكس علاقة الانسان بالنظام الذي يحيط به سواء كان غطاؤه سياسيا او اقتصاديا مستفيدا في تنفيذ ذلك من الحداثات الفنية الاوربية التي كانت حافزا له في خوض تجربة او مغامرة فنية تحمل بسببها الكثير ودفع ثمنا باهضا لذلك بوفاته مبكرا اثر انتكاسات صحية رافقته ، فالحرية التي اراد ان يبحث عنها سليم ويكرسها في منجزه الملحمي ليست الا ارادة عمل وارادة بناء تقترب او تتشابه من التنمية البشرية  بالمعنى السائد اليوم لا سيما  وان هذا النصب استمد ديناميته من هذه التنمية والا لم نجد تلك القراءات المتجددة لهذا العمل التي تذكر بقراءات سابقة تبقي على علاقة مستديمة بين العمل والمتلقي والاخير بالطبع  يحفر يوميا بمكونات واجزاء النصب
ومثلما كان للجندي او المقاتل دور بارز في صياغة مفاهيم الحرية والعهد الجديد للدولة العراقية بعد ثورة 1958 ونحن نرى ذلك الدور في احد أجزاء نصب الحرية فان الفنان جواد سليم لم يغفل حقيقة أخرى لا تقل أهمية وهو يقدم المرأة ومشعلها الذي تحمله يقدمها عنوانا مهما اخر من عناوين ورموز الحرية وهذا الاهتمام يأتي في سياق نزعة الفنان في التركيز والاهتمام بعوالم الطفولة والمرأة تلك العوالم والحكايات التي نجدها في الكثير من أعماله إلا انه أعطاها هنا في هذا النصب تأثيرا بليغا وسمح للتعرف على مفاهيم انسانية متدفقة تضطلع بها المراة العراقية فقدمها جزءا أساسيا في أعماله ونصوصه الإبداعية ورمزيات خصب الحياة ليستند بذلك الكاتب والناقد عادل كامل في تقديم كتابه الجديد على مجمل هذه الاشتراطات مثلما يتوقف عندها ويتصدى لها وهو يتحدث عن معادلات فنية متوازنة تبدا من أول جزء إلى آخر جزء من هذا العمل
    فإذا كان الفنان جواد سليم وضع المقاتل العراقي في قلب عمله الذي يمتد لمسافة أكثر من خمسين مترا فانه لا يريد ان يقول ان هذا الجندي وحده صاغ ملامح الحرية والخلاص من الاضطهاد حسب ما كان يتصور ذلك إلا انه وضع المرأة بجانبه مانحا إياها دورا رئيسيا في تحقيق تلك الملامح  أي انه حاول ان يجرد نصه من اي مضمون سياسي  فنجد المرأة ترفع رأسها مع يديها مبتهجة بمشاركتها في صناعة الحدث اي حدث الحرية  وهناك امرأة تحمل مشعلا يرمز إلى مساهمتها في صناعة هذه الحرية  وامرأة أخرى تنهض  وأخرى متكورة تحتضن وليدها  وهكذا أصبحت المرأة طرفا مهما في مثل هذا المشهد الملحمي وهذا هو فهم الفنان جواد سليم سواء لعلاقة المرأة بالحياة   بل صار هذا الجانب من أهم ركائز تجاربه  التي نجد فيها المرأة تارة رمزا للبؤس وتارة أخرى رمزية للابتهاجية الحياتية  وقدمها واحدة من رواد الثورات الى جانب الفلاح والطالب والمقاتل  والعامل
قراءات مهمة
وإذا كان كتاب الناقد عادل كامل وما قدمه فيه من استعادة لقراءة نصب الحرية من زوايا عديدة  قد شكل أهمية استثنائية متجددة فان القراءات التي خصصها لنخبة من نقاد الفن التشكيلي وفنانين تشكيليين وشهاداتهم التي تضمنها هذا الكتاب فأنها ارتقت إلى الأهمية ذاتها  وهم يتحدثون عن القيم الفنية والبصرية والتاريخية فكانت هناك قراءة للناقد جبرا إبراهيم جبرا  وشاكر حسن والأخير قدم قراءته في كتاب حمل عنوان "جواد سليم الفنان والآخرون" وبالطبع تحدث حسن في كتابه عن تشفيرات نصب الحرية  والجوانب المعمارية والنحتية بينما نجد في قراءة اخرى تلخيصا حيويا وبليغا لنصب الحرية عندما يرى الاخرون ان واقعية النصب لخصت احد قوانينها  التي تشير الى ان الظلمات لن تدوم طالما هناك توق للحرية  والحياة  فهذا التوق يشكل  ارادة الانسان  فالنصب في الأخير  ليس معالجة لعلامات دونت مسارها عميقا في ذاكرة الاجيال  بدءا بجيل ثورة 14 تموز  1958 فحسب بل ذاكرة تدون مصيرها طالما ان إرادة الشعوب تمتلك قدرتها على قهر عوامل القهر وهذه هي فلسفة الفنان وتفسيراته التي ضمها النصب المتكون من 14 مجموعة برونزية وكل واحدة فيها عدة شخوص تنتشر على مساحة تمتد لأكثر من خمسين مترا في افريز يرتفع عن الأرض مسافة ثمانية أمتار"وثائق وشهادات"كرس الناقد عادل كامل الفصل الثاني لكتابه الممتع والرائع  (نصب الحرية لجواد سليم ملحمة شعب وذاكرة حضارة ) لسلسلة من الشهادات والوثائق لعدد من النقاد والفنانين التشكيلين الذين قدموا أفكارا ورؤى فنية حول هذا النصب وما يشكله من علامة مهمة في تاريخ الحركة الفنية التشكيلية في العراق  ومساراتها بكونه واحدا من الأعمال اللافتة لواحد من رواد الفن التشكيلي العراقي لكل جزء فيه  من أجزائه  موضوع  لكنها جميعا تميزت بالمحافظة على مضمون وهدفية مشتركة حتى أصبح هذا النصب رمزا لمدينة مكتظة بصفحات الأزمنة والتاريخ أراد الفنان ان يضعها مرة واحدة في هذا الامتداد الأفقي الذي يقترب من الأسطورية   ومن تلك الشهادات التي تعود لجبرا إبراهيم جبرا  وعباس الصراف وشاكر حسن آل سعيد  وإسماعيل الشيخلي  وشمس الدين فارس  ومحمد صادق رحيم  وعدنان المبارك وتيسير عبد الجبار الآلوسي  وخالد القصاب  وعادل ناجي  وشوقي الموسوي و لابد ان نتوقف هنا عند واحدة من أهم الخطوات الفنية التي اخذ أصحابها  على عاتقهم مهمة التذكير بمسيرة الفن التشكيلي العراقي والمحافظة على مسارات حركاته واستعادة المنجز الإبداعي لرموز الحركة الفنية التشكيلية  العراقية ..تلك الخطوات المتمثلة بسعي دار الأديب للطباعة والنشر التي صدر عنها هذا الكتاب وقبله العشرات من الكتب الفخمة والرائعة تتناول مشوار عدد من الفنانين التشكيليين وما تركوه من بصمات وارث فني جميل  متواصل كل جزء من أجزاء النصب له موضوع مستقل لكنها جميعا تميزت بالمحافظة على مضمون وهدفية مشتركة ليصبح هذا النصب رمزية لمدينة مكتظة بصفحات الازمنة والتاريخ اراد الفنان ان يضعها مرة واحدة في هذا الامتداد الأفقي الذي يقترب من الأسطورية  
*كاتب وإعلامي من العراق
* صدر الكتاب عن دار الأديب للطباعة والنشر ـ عمان ـ الاردن.


بوضوح - للكبار فقط | أب يقتل إبنته بدم بارد بطريقة بشعه فى قضية هزت الرأ...