بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 16 يناير، 2016

قصة قصيرة مستنقع الضفادع- عادل كامل

قصة قصيرة

مستنقع الضفادع

عادل كامل
     ما ان استنشقت الضفدعة الزرقاء الهواء، حتى صدمت برائحته، فأحست إنها غير قادرة على الحركة، فقالت لزميلتها البيضاء التي مازالت غاطسة تحت ماء البركة:
ـ رائحة الهواء لا تحتمل!
أجابتها:
ـ ارجعي...، الم ْ أخبرك بما حدث لي يوم أمس.
    وروت لها إنها ما ان تنفست الهواء حتى كاد جسدها يتجمد تماما ً، فراحت تصرخ طالبة النجدة، ولم تفق إلا بعد ان عادت إلى القاع.
ـ آ ....، ماذا نفعل؟
ـ وهل باستطاعة ضفدعة، مثلي، التحكم بالهواء؟
     فدار بخلد الضفدعة الزرقاء وهي تغطس:
ـ رائحة مشبعة بذرات بلورية لا مرئية خالية من الملمس كأنها شبيهة بغازات الإبادة التي تعرض لها مستنقعنا!
ضحكت الضفدعة البيضاء، وردت:
ـ لا تدعينا نفكر بما حدث لنا...، فحملات الاجتثاث متواصلة، منذ زمن بعيد...، فلا نحن نجونا، ولا هم محونا من الوجود....، ولكن لا أنا، ولا أنت، باستطاعتنا الفرار.
ـ الفرار؟
ـ لا، لا لن نفعل ذلك...، فالفرار خيانة، والهرب أنانية، والتخلي عن أهلنا نذالة، مع ان البقاء بحكم القبول بالموت. فهناك كلاب الحراسة، بنات أوى، الأفاعي، الضباع، والتماسيح  تملأ الساحل...، وهناك، في الأعلى، النسور، الصقور، والغربان.
ـ دعينا نغطس! فالخطر، في ظلمات القاع، اقل.
فسألتها قبل ان تغطس:
ـ ولكن كيف تراهم يحتملون هذه الرائحة...؟
ـ قد يجدونها عطرا ً! ما أعلمك، وإلا لطردونا من المستنقع، بالقوة، وأخلوها لهم.
ـ ربما.
   غطست، وتبعتها الأخرى، فخاطبتها بالذبذبات، من غير كلمات، ان للمياه الثقيلة، السوداء، الكثيفة، وللظلام، والديدان الحلزونية، والعضاضة، والابرية، وذات الرأس الحاد...، فوائد لا تحصى، في مقدمتها إنها أصبحت بعيدة عن المراقبة، والرصد. أيدتها رغم إنها أبدت استحالة ان تكون، كما اعتقدت، وإلا كيف نفقت آلاف الضفادع، خلال الأيام الأخيرة...، ولم يبق منها إلا عظامها تتآكل تحت الماء؟
ـ لا تدعينا نعرف أكثر من هذا ...، فقد بدأت رائحة الهواء تسري في جسدي..
ـ أتشعرين بالخدر، أو بالرجفة، أم بارتفاع الحرارة...؟
وسألتها بذعر:
ـ أتستطيعين التنفس...؟
ـ لا، بل اشعر ان الكلاب راحت تبحث عنا!
ـ أنا شعرت بذلك، فأين نهرب...؟
ـ نغطس عميقا ً، تحت، في الوحل.
ـ آنذاك نموت كأننا لم نولد! أليس كذلك، فالاستسلام للموت، في هذا الحال، يماثل الخلود!
ـ لا تجدفي، فانا وأنت ضفدعتان مؤمنتان، ونؤدي الفرائض، ولا علاقة لنا باليسار، ولا باليمين...، فعلنا، يا عزيزتي، إدراك ان الياس جريمة عقوبتها تفوق عقوبة الموت، وفقدان الأمل، أقسى منها!
ـ ماذا نفعل عندما نستطيع الفرار...، ولا نجد ملاذا ً حتى في الوحل؟
ـ دعينا نفكر.
ـ آ ......، لا تفعلي، لا تفعلي...، جدي لامي قال ان التفكير يقود إلى الخطيئة، والى الجحيم!
ـ وأنا جدي سمع عن جده النصيحة ذاتها، قال لي: لا تذهبي ابعد من انفك! فقلت له: وهل يسمح لي انفي الذهاب ابعد منه؟
ضحكت:
ـ دعينا، قبل ان نموت...، ان نتسلى!
ـ فكرة طريفة...، ولكن كيف؟
ـ سأخبرك ...، دعينا نستقبل الموت، ونحاوره!
ـ جيد...، فانا سأسأله: ماذا تريد...؟
ـ جميل..، سيقول: جئت اخذ حياتكما!
ـ أنا سأقول له: وهل لدينا قدرة على الاعتراض...، فأنت ملأت الهواء بالجيفة، والماء بالجثث، فلم تبق لنا إلا ان نستسلم لك.
ـ وأنا سأهتف له: مرحا بك أيها المغوار الشهم الباسل العظيم..
ـ أما أنا فسأرقص له، وأهلهل، وابتهج: ما أبهى نصرك المؤزر!
ـ ونتقدم منه: خذنا حيث تريد ...، ولا تدعنا فريسة للكلاب والهرر والجرذان...، ولا تدعنا نتفسخ مع النفايات فوق المزابل، ونلوث الهواء...
ـ سيفكر.
ـ لا ...، الموت لا يفكر، فهو أذكى من يستخدم وسائل الحمقى، والأغبياء.
ـ إذا ً....،  فالموت لا ينتمي إلى الحمى..؟
ـ بل ولا ينتمي إلى العقلاء؟
ـ لا، لا تتزندقي!
ـ بل أنا مؤمنة تماما ً بان موتنا حق!
ـ آنذاك ربما يغفر لنا.
ـ لكننا لم نرتكب ذنبا ً...، ولا خطيئة، عدا ارتكابنا حماقات بيضاء!
ـ الموت لا يميز بين الألوان..، أيتها الزرقاء!
ـ وهل أنا زرقاء...؟
ـ نعم، لأن الماء بلا لون، وأنا بيضاء، فالموت له لون الشمس؟
ـ آ ......، دعيني أفكر!
ـ الم ْ نقرر لعب لعبة للتسلية..
ـ لكننا بدأنا نفقد قرتنا على استخلاص الهواء من الماء الثقيل..
ـ دعينا نكف عن التنفس...، حتى لو غضب الزعيم.
ـ المشكلة إنني استسلمت للموت لكن جسدي لم يستسلم...، فهو يعمل ضد عقلي!
ـ أنا عقلي يعمل ضد جسدي!
ـ هل لديك جسدك؟
ـ  وأنت، هل لديك عقل؟
ـ إذا ً.....، ليس لدينا عقل، وليس لدينا جسد، والموت مازال يبحث عنا....، فماذا يريد؟
ـ وهذا ما شغلني طوال حياتي...
ـ ما الذي شغلك، أيتها الزرقاء؟
ـ بياضك الخالي من العقل ومن الجسد.
ـ آ ....، فالموت إذا ً وجد للبحث عنا.
ـ بحث عن اللاشيء!
ـ ربما اللاشيء هو الوحيد الذي لم نحصل عليه.
ـ إذا ً فالموت لا يبحث عن شيء له وجود إلا بوصفه ليس وجودا ً...، فهو يبحث عن وجود آخر لم نعرفه.
ـ ولكن دعيني أسألك: إذا كان الموت يبحث عن هذا الذي لا نعرفه، فلماذا لا نسأله فقد يخبرنا عنه..؟
ـ ربما ـ هو ـ مثلنا، لا يعرف شيئا ً عنه، وإلا لأخبرنا عنه...، فنعلم منه مثلا ً إننا نستحق الموت!
ـ أو  قد يكون مكلفا ً بعدم الإفصاح عن السر..؟
ـ لا اعتقد ان الموت يحمل سرا ً!
ـ تقصدين انه من المستحيل ان يعرف السر! ولكن هذا لا يستقيم مع المنطق؟
ـ صحيح..، ربما قد يكون المنطق هو السر، وقد كلف الموت بحمله؟
ـ آ ....، كأننا لم نمت بعد...، كأننا أصبحنا نتكلم كالذباب، تارة عن أشياء لا وجود لها، أحكمت قبضتها علينا، وسد منافذ الأمل، وتارة عن آمال تتسلى بنا قبيل الموت؟
ـ لكن دعينا نسأل السؤال الذي لابد ان يُسأل: هل نستطيع ان الاستغناء عن الأسئلة، بالأحرى: هل لدينا قدرة تصور إننا لم نولد، ولم يكن لنا أي وجود يستعدي هذا الانشغال...؟
ـ سأقول لك ِ: نعم! آنذاك سنسأل أنفسنا: لماذا لم نسألها. وهكذا تغدو المشكلة ان الأغبياء وحدهم يصبحون سادة، والأذكياء ينحدرون الى الحضيض. وعمليا ً لا احد يعرف لماذا ينشغل الاذكياء بقضايا الغباء، في الوقت الذي يزدهر فيه مجد الغباء، والاغبياء. انه السؤال الذي شغلنا منذ زمن بعيد: انموت وكأننا حصلنا على الخلود، أم ان الخلود جذبنا ومنحنا لغز الموت، أم إنها ترهات كلمات تتفوه بها أرانب تحولت إلى خنازير، وجمال أصبحت تزأر في حفر الجرذان، أم ان الجاموس هو وحده سيد المستنقعات...؟
ـ ما هذا الهذر..؟
ـ فلسفة!
ـ آ ...، صحيح، لأن اشد الطيور ذكاء ً نراها تستنجد بالزواحف، والأسود بدأت تمشي فوق الحبال، والجرذان بادرت بحمايتنا من الخراب!
ـ آ ...، الهواء أصبح مشبعا ً برائحة الموت، والماء، هو الآخر، ازداد كثافة...، وعقولنا لم تعد تعمل داخل أجسادنا، والأخيرة، أصبحت تعمل بطلاقة من فقد رشده..، فماذا نفعل...؟
ـ إذا خرجنا من المستنقع افترستنا الكلاب، وإذا نجونا منها تفترسنا بنات أوى، وإذا نجونا من بنات أوى فالجرذان باستقبالنا....، فصائل أعدت بإحكام وحكمة وذكاء، أما إذا مكثنا في الوحل فالموت سيأتي وينزل عقابه بنا. فمهما اجتهدنا للخلاص ندرك كأننا في المأزق نفسه. يا لها من حكمة!
ـ إذا ً...، لم يبق لدينا إلا ان نستنشق الهواء...، ونستسلم بهدوء لرحيلنا، بهدوء، ومن غير صخب، أو عويل، أو شكوى..؟
ـ يا حمقاء...، منذ ولدنا كان الموت قد اعد لنا هذه الخاتمة السعيدة!
ـ لا...، أنا اختلف معك، وإلا كيف يكون الزعيم مغوارا ً وبطلا ً وخالدا ً ...، الم ْ ينتصر على الموت، مع انه لا يفتخر إلا بعدد ضحاياه. أليس أعظم العظماء هم أكثرهم احتقارا ً لنا...؟
ـ صحيح...، ملاحظتك بارعة: فالزعيم يحتفل بهذه الحشود وهي ذاهبة إلى حتفها ...، فهو يحتفل بموتها، وكأنها خالدة إلى ابد الآبدين. لأن الزعيم وحده لوي عنق الموت.
ـ ربما يشتغل عنده؟
ـ لا اعرف...، ربما العكس؟ لكن النتيجة واحدة: لأن الموت لا معنى له من غير الزعماء، ولا الزعماء لهم معنى من غير الموت.
ـ بالضبط ...، فالزعيم أمر الموت بأداء هذا الدور: فالموت وحده لا يموت!
ـ ثم تراجع!
ـ لا...، لم يتراجع عن منهجه، ولا عن خطته..، فهو أمرنا بأمر لا طاقة لنا إلا على تنفيذه. فنحن نولد بأمر منه، ونعيش بأمر منه، ونكمل برنامجه بأمر منه أيضا ً. ففي المستنقع ولدنا ولا مستقبل لنا سواه.  
ـ يا لها من خطة..، حتى أكاد أدرك انك، في هذا المستنقع، تعملين على تنفيذها ببراعة، وذكاء...؟
ـ بل ...، حتى عندما لا اعمل على تنفيذها بذكاء وببراعة، فانا ـ لا مناص ـ أنفذها بحذافيرها بغباء نادر.
ـ ولكن الموت لم يأت... للأسف تأخر..، أو ضل طريقه...؟
ـ ربما يكون غادر؟
ـ آ ...، إذا ً فهو مثل الحياة، لا نعرف من أين دخل، ولا نعرف متى توارى. فكم تبدو الحياة سلسة ومقنعة حتى في غياب منطقها وسلاستها؟
ـ المهم إنها أتت....!
ـ آ ...، كأنها لم تأت...؟
ـ رحلت، ربما لم تأت ولم ترحل، ربما ستأتي ولن ترحل، وربما هذا كله حدث ولم يحدث.
ـ تقصدين إنها لم تأت لأنها ستأتي...، أو إنها لم تأت أبدا ً...؟
   اقتربت منها كثيرا ً:
ـ دعينا نعرف ماذا يجري فوق...، في السطح .
ـ أنا لا استطيع الحركة، جسدي ثقيل، مخثر، وقد يكون تحول إلى صخرة...
ـ حسنا ً...، أنا سأذهب واطلع كي أخبرك.
     مكثت تنظر. فدار بخلدها: قلت لها دعينا في القاع نرقد مع عظام أسلافنا، وأجدادنا، وآباؤنا...، لكنها عنيدة...، كأنها تتشهى الموت شهوتي للتشبث بهذا الوحل...؟
    رجعت الضفدعة البيضاء بلون آخر، أشلاء متناثرة:
ـ ماذا حدث لك؟
ـ احتلت الجرذان الساحل، والغربان تحّوم...
ـ عزيزتي لم يعد هناك هواء...، فما ان لمحوني حتى امسكوا بي.
   وبدأت تلملم أشلاء جسدها المتناثرة، قطعة قطعة، حتى أوشكت على جمعها:
ـ ماذا تفعلين؟
ـ أساعدك.
ـ آ ....، أرجوك، دعيني اغطس..؟
ـ لم تخبرني بما حدث بالضبط؟
ـ أنا لا أريد ان اعرف ماذا حدث لي ...، فما فائدة المعرفة يا عزيزتي، وماذا تفعلين بمثل هذه المعرفة...؟
ـ ولكن الموت تأخر كثيرا ً...؟
ـ لم يتأخر ...، نحن تأخرنا عليه.
ـ لكنك قلت انه غادر...؟
ـ أنا لم اقل انه جاء، ولم اقل انه غادر، أو وتوارى، أو غاب. كل ما في الأمر ان الماء أصبح كثيفا ً.
ـ هو .... أم نحن؟
ـ احدنا لم يعد صالحا ً للآخر...، وآن لنا ان نضع حدا ً لحياتنا.
ـ فكرة ..، فكرة جميلة، بارعة، وذكية....، ولكن كيف نحّلق، ونصعد إلى السماوات، وليس لدينا أجنحة...؟
ـ يا للكارثة...، يا للنكبة...، فلم يبق لدينا الا ان نحفر في القاع...، قبل ان يصطادونا، ويرسلوننا الى المحرقة، او يتركون القطط تتسلى بنا..؟
ـ أنا لا اقدر حتى على رؤيتك، فأين أنت، صوتك يصلني كأصداء نائية لا اعرف أهي التي تلامسني أم أنا هي التي تتوهم إنها تلامسها؟
ـ أنا اعتقد إنني ذهبت ولم اعد.
ـ إذا ً فأنت وحيدة مع وحدتك، وربما وحيدة من غيرها، مثلي لا اعرف من منا تخلى عن الآخر. فانا لم اعد اشعر حتى بالوجود الذي فقدته منذ بدأنا نتنفس الهواء، في هذا الفجر.
ـ أنا أبدو غائبة، ولست وحيدة، فحتى الماء لم اعد اعرف أمازال معنا، أم سرق منا، أم هجرنا، أم تبخر وصعد إلى الأعالي، أم ذهب إلى المجهول؟
ـ وماذا نفعل بالماء...، يا عزيزتي، والهواء لم يعد صالحا ً لنا، ونحن لم نعد صالحين للهواء...؟
ـ تقصدين: حياتنا لم تعد صالحة لا للماء، ولا للهواء، وان الماء والهواء تخليا عنا...؟
ـ آ ....، كيف مضى الوهم، كأنه حقيقة..؟
ـ تقصدين: كيف مضت الحقيقة كأنها وهم..؟
ـ لا فارق بين من أتى وذهب، وبين من ذهب وأتى، فلم يعد المستنقع لنا، ولم نعد له.
ـ ها، ها، ها.
ـ تضحكين....، بدل ان تولولي وتذرفي دموعك على ما حصل؟ تضحكين بدل ان تنوحي وتصرخين؟
ـ وماذا حصل لنا...، هل متنا ونحن لم تولد، أم ولدنا كي نموت، ماذا حصل وكأن الذي حصل لم يحصل...؟
ـ صحيح...، فالمستنقع ـ كما سمعت قبل قليل ـ سيختفي من الحديقة، فلا تسليات ولا معاقبات، لا ذئاب ولا برغوث، ولا أعياد ولا تعازي، فأفرح يا قلبي كأنك امسك بلغز الماء، حتى لو كان كثيفا ً كالوحل؟
ـ تخيلي...، حديقة بلا ضفادع..؟
ـ وبلا بعوض..؟
ـ بلا قمل ونمور وبلا تماسيح وبلا غزلان؟
ـ لكن الموت لم يأت...؟
ـ ربما خدعونا...؟
ـ لا، لم يخدعنا احد...، ولكن تخيلي إننا لم نخدع...؟
ـ سؤال دقيق: ماذا لو لم نخدع...؟
ـ الجواب ليس بحاجة إلى عقل، تفكير، روية، ومنطق...، لأن العقل نفسه ليس بحاجة إلى برهان.
ـ لكن لماذا أمضينا هذا الوقت في انتظار لا احد...؟
ـ لم يمض الوقت، أنا وأنت لم نكن بانتظار احد، ولا احد كان بانتظارنا أيضا ً.
ـ كفى ...، دعينا نفر، نهرب..، عبر الدغل، أو عبر الجداول، أو عبر الأنفاق، أو عبر الشقوق، ونبحث عن ملاذ امن ...؟
ـ فكرة عبقرية! ولكن كيف ننجوا من التماسيح، والثعالب، والقطط، والكلاب الشرسة...؟
ـ يا حمقاء..، سندعها تفترسنا، آنذاك نفقد وجدودنا، فلن نفقده أبدا ً. هل تتذكرين كيف نجونا من الحرب..؟
ـ لا، لا أتذكر.
ـ قلت لك دعينا نموت فيها، كي لا نموت مرة ثانية، فمتنا، وهكذا نجونا من فضائح الموت.
ـ آه...، تذكرت كيف متنا وولدنا بعد الموت، ثم لم نمت، ورحنا ننتظره، ولم يأت.
ـ آ ....، فلا احد بعد الآن يقدر ان يمسنا بسوء...، فعندما تبتلعنا التماسيح سنرحل معها، ونفلت من الموت...
ـ صحيح التماسيح لا تموت، فإذا ً نكون عثرنا على الخلود!
ـ ولكن...، يا عزيزتي، لماذا تموت الضفادع..؟
ـ عدنا إلى الأصل: إذا كانت الأفعى خالدة فلماذا لم تنقرض الفئران، ولماذا مازالت الأرانب تتحدى الثعالب ...؟
ـ إذا ً...، لا أحد يقدر ان يمحو الآخر؟
ـ لكن الحقيقة تقول ان الديناصورات ذهبت مع الريح!
ـ مع الريح ....، آ ...، حيث الماء غدا ثقيلا ً كالهواء، والفضاء لم يعد شفافا ً، وقد تكون التماسيح لحقت بها.
ـ الم ْ اخبرك بان النهايات مستحيلة كاستحالة مقدماتها، فمادام الموت لم يأت فانه لن يذهب، وعندما لا توجد اشياء نفقدها نكون لسنا بحاجة لها، وعندما لا يوجد هواء فهذا يعني ان الخسارة فقد لغزها!
ـ اقتربي...، الم تمزق الضواري جسدك...؟
ـ نعم.
ـ من يتكلم معي إذا ً...؟
ـ نسلي الخالد!
ـ آ ....، أيها الخلود، علينا ان نحتفل بك.
ـ لا تكوني حمقاء، الحكاية برمتها لم تحدث...، فبعد ان تكون الحكاية وقد وضعت أوزارها، لا أنا اعرف من أنت...، ولا أنت ِ تعرفين من أنا.
ـ آ ...، صحيح، قبل برهة رأيت في الحلم ساحل المستنقع ابيض مثل جسدي...،  فرحت ارقص، واللعب، واللهو ...، ثم فجأة أفقت...، فإذا أنا سوداء بلون الوحل..؟
ـ وأنا رأيت الحلم نفسه، ولكني رأيت نهايته فأسرعت إلى الفجر، رأيت الغزلان عند الضفاف، بل رأيت الثيران والنمور والخنازير أيضا ً...، ثم وثبت علي ّ أفعى برية متوحشة أمسكت بي وقالت: اغربي عن وجهي! فشكرتها. ثم أفقت...، فإذا أنا لا أرى إلا أشلاء جسدك تتناثر أمامي ...
ـ آ ...، هذا هو التفكيك...؛ أي بمعنى إعادة الصياغة، ذلك لأن اصلب المعادن، هي الأخرى، تستحيل إلى غبار!
ـ جميل...، أين أنت ِ؟
ـ من؟
ـ هذا الذي  غاب، ولم ننخدع به، ولم يخدعنا.
ـ إذا ً ..، لا خدعة، ولا خديعة، ولا أوهام.
ـ آه...، المشكلة إننا تسممنا بالهواء الملوث..!
ـ لا ..، ليس بالماء...، بل جرى اعتداء علينا، لأن الماء يدخل من الفم، ويخرج مع الفضلات.
ـ ونعود نبحث عنه...، نكد ونشقى، ثم عندما لم نجده نضطر للبحث عنه.
ـ  من اعتدى علينا؟
ـ لا اعرف..، لكن عليك الاعتذار.
ـ اعتذر لمن..؟
ـ للماء!  وللهواء أيضا ً...! فهو شبيهة بأحفادنا، يولدون هنا، ويعيشون هنا، ولا يموتون بعيدا ً عن قاع هذا المستنقع.
ـ لا ...، فانا حزينة، وأنت الآن وأنت ِ تلوحين بالمفتاح؟
ـ صحيح...، أنا امسك بالمفتاح، ولكنني لم أر قفلا ً.
ـ جدتي لخالتي قالت ان هذا هو بالتحديد دعوة للبحث عن الباب.
ـ سيدتي، لم يعد لدينا بيت، وأنت تلوحين بالمفتاح؟
ـ آن لنا ان نبحث عن فيل!
ـ جيد..، ولكن شرط ان يكون لونه شفافا ً.
ـ ليكن من غير لون، لأن العبقرية، كما يقول العباقرة، شبيهة بالأحمق الذي يعترض على الحمقى وهم يهتفون لمجده!
ـ اسكتي...، فقد تكون خواطرنا رصدت...، والتقطت ذبذبات أدمغتنا، وتم تحليها...
ـ ها، تقصدين إننا أدينا أدوارنا كاملة، ولم نخف على الريح ما حدث تحت الماء، ولم نخف ما حدث لنا.
ـ لا ...ن قسما ً بالقمل والبرغوث والذباب...
ـ لا حاجة للقسم، فانا أصدقك، لأن الضفادع التي لا تعرف الغش وحدها تذهب إلى الجحيم.
ـ جميل، كم أنت جميل أيها الجحيم، حتى لو كنت لا تخفي، ولا تتستر، ولا تراوغ ...، فقد بحت بما لم يدر برؤوسنا. لقد كانت الحياة عنيدة درجة ان مستنقعاتها تحولت إلى متنزهات، ومتنزهاتها تحولت إلى حدائق. فلا نقيق ولا نباح ولا نعيب ولا فحيح ولا عواء..!
ـ آ ....، ماذا يفعل الخوف بالعقول، لا يدعها تميز بين الأشياء، فيبدو الأسود ابيضا ً، والأزرق متوهجا ً بلون النار!
ـ بالعكس...، يا سيدتي، لولا خوفنا من التعفن، لتعرضت عقولنا للفناء.
ـ جميل، كم كان بودي لو امتلك مفتاح الفناء، بدل ان أزهو متبخترة بهذا العقل الفاسد؟
ـ لا تجدفي...، فلولا الفساد، لسردنا حكاية اقل بلادة ندفع حياتنا ثمنا ً لها.
ـ وماذا فعلنا...؟
ـ لم نفعل شيئا ً...، لأننا لم نولد لكسب هذا الذي جاء مع الهواء، وذهب مع الماء. دخل من الفم وخرج مع الفضلات، ثم عدنا نبحث عنه، وسنعثر عليه! نكد ونشقى ثم لا نجده، فنهرول خلفه، ونمسك به، لنفقده، فيمسك بنا، ليفقدنا. الم أخبرك، إنها حكاية هواء، نسجها فم، مثلما هي حكاية فم كد كي يرى ما غاب في الهواء!
14/1/2016


مسرح مسرحية مواطن اسمه ... التوه في المحنة.-مؤيد داود البصام


مسرح


مسرحية مواطن اسمه ... التوه في المحنة.

مؤيد داود البصام
       عرضت مسرحية المواطن(ه)، تأليف الكاتب حسين نشوان، في أكثر من عرض على المسارح الأردنية، وقدمت أخيرا في مهرجان( عشيات طقوس المسرحية الثالثة، دورة مؤاب)، من أخراج محمد الضمور، وبنفس الكادر من الممثلين الذين قدموا عروضها السابقة، إلا أن المخرج طور الإبعاد التقنية في مسرحيته في الديكور والسينوغرافيا، مما يعني استفادته من الدراسات النقدية التي ظهرت في الصحف أو إثناء مناقشة العمل في الندوة التي أقيمت على هامش مهرجان المسرح الأردني السابع عشر، وهذه نقطة تسجل له، في اهتمامه بالنقد وما يعني الاهتمام بالرأي الآخر، الذي يعني التطلع للتطور والرقي، والتخلص من الأنا والنرجسية، التي تؤدي بالمبدع إلى الفراغ الفكري والإبداعي.
التأليف والإخراج....
       المسرحية لم تنشر كمطبوع،  مما يعني أننا إزاء عمل لا نعرف فيما أذا قام المخرج بوضع رؤاه في النص أو التزم بما جاء في النص، لكن ما أكده المخرج في النقاش، الذي دار في ندوة مهرجان (عشيات طقوس المسرحية الثالثة)، بان بعض التغييرات في المشاهد فرضت نفسها إثناء العمل، أي أنه ألتزم بالهيكل وتلاعب في الجدران، ووضع رؤيته الى جانب رؤية الكاتب، أو حسب فهمه للنص،  مما يجعلنا نناقش العمل دون إن نعطي رأيا، في البنائية التي اختارها المؤلف، لان المسرحية بشكلها التي عرضت كانت عبارة عن مجموعة مشاهد أو محطات يجمع بينها وحدة الموضوع، ولكنها تصنف بصورة عامة ضمن مسرح الفرجة العربية الساخرة، أقام النص رؤاه على مجموعة حيثيات تخص حياة وواقع المواطن العربي عموما،ولم يخصص، لأنه لم يحدد مكانا لما يحدث وتركه مفتوحا ً ، ولكنه حدد الزمن بان جعله واقعنا اليومي الذي نعيش الآن .
      تستند مسرحية مواطن أسمه ( ه). إلى كشف حال المواطن العربي وبالذات المواطنين من الطبقات الفقيرة، وهم الذين يشكلون الشريحة الأكبر في مجتمعاتنا العربية، وتستل حياة مواطن منذ لحظة الولادة إلى صيرورته، عندما يدرك إبعاد وجوده الكوني، وكيف ينشأ على أسس تربوية خاطئة في البيت والمدرسة والشارع، وكيف يتعرض للاضطهاد والتهميش عندما يكبر وينضج، عندها تبدأ الأسئلة تأخذ طريقها في مجمل تفكيره، واستطاع الكاتب حسين نشوان من جمع معظم القضايا التي تهم المواطن والجماهير العربية وتساؤلاتها التي ليس لها مجيب، من خلال تساؤلات المواطن ( ها ) في حديثه عن حقوقه كمواطن، في حق إبداء الرأي في مصيره، وحقه في انتخاب ممثليه، وعن حقوق الإنسان والشرائع الدولية، وكيف ينظر الجيل الجديد للهزائم التي منيت بها الأمة والمهزومين من هذه الأمة، وعلى رأس هذه الهزائم ما حدث في القضية الفلسطينية، ويسخر من الكذب الذي تمارسه القوى الاستعمارية قي دعواتها، بكذبة الديمقراطية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان، التي تضعها في أفواه البعض لترويج بضاعتها، وهي التي أنشئت وجودها على القتل والدمار والاستغلال والاحتكار، واستعمار الشعوب، وأسست لحكومات تتبنى تكميم الأفواه، وتربية المواطن بعدم التدخل في الشؤون التي  تهم شؤونه الحياتية وحريته، ولكن الكاتب أراد إن يغير الطابع السوداوي الذي ناقشه النص، بان غير تجاه المسرحية بحلم جعل الجيل الجديد يحمل لواء التغيير والحرية، عندما أنطلق  مواطنه والفرقة المسرحية يرددون في نهاية المسرحية، قصيدة الشاعر الراحل محمود درويش ( أيها المارون بين الكلمات العابرة / أحملوا أسمائكم وانصرفوا / واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا.. الخ)، وهو ما يتوافق مع ما أتخذه المخرج بانتهاج اسلوب الفرجة، وسنأتي على ذلك لاحقا ً .
المعالجة الإخراجية...
       وظف المخرج الرؤيا الإخراجية بروح معاصرة،  ولكنه اتخذ من أسلوب الحك واتي التي جاءت من الفرجة المسرحية العربية القديمة، وكما يعرفها د. أبو الحسن سلام، في دراسته سيميولوجية العرض، ( مفهوم الفرجة: الفرجة من الانفراج، وهي نقيض الكبت ونقيض التأزم، والفرجة هي الخلوص من الشدة )، وهو ما اشتغل عليه المخرج لنص يحمل كل أنواع الأزمات والكبت، فحرك العمل لنقل المشاهدين ( من حالة شعورية إلى حالة شعورية أخرى )، لنقل الفكرة التي خاطب بها المؤلف عبر نصه المتلقي، بنفس عناصر الواقع التي تتماشى وعقلية ورغبات المشاهد، ابتدأت المسرحية لفرقة مسرحية تريد تقديم عملا، فتتفق على اختيار موضوعها حياة مواطن رمزت له بحرف (ها)، رمزا ً لعمومية الفكرة لتتحدث عن حياة عمومية لأي مواطن، ممكن أن يكون في أي مكان، ملغيا بهذا تحديد المكان، وانطلق تمثيل الفرقة بما يشبه حلقات المدائح الصوفية، لكل مشهد حقائقه، وأغانيه ورقصاته، وهي إحدى عناصر الفرجة،  في عملية تتابع للحكايات لتترابط الحلقات المنفصلة على أسلوب التضمين في قصص إلف ليلة وليلة، حكاية تتبع حكاية، وحتى يظهر المخرج مدى الخنوع والإذلال الذي يعيشه المواطن بشكل عام، وظف الطفلة، التي مثلتها ( بتول الضمور) وقدمت عرضا ً بعفوية وقدرة إبداعية، وكأنها مدركة لخطورة دورها، الذي رمز للتلاعب بالإنسان بأيدي الجهلة، وجعل الكنترول علامة على اللعبة الشطرنجية في التحكم بمصائر العباد، يتحركون كدمى بحركة الرمودكونترول، واشغل الحيز الخلفي لما بعد الستارة بحركة الدمى المصاحبة لرقص وغناء الفرقة، وذلك باستحداثه  الجدار الرابع الذي أوجدته الستارة الخلفية، وسمح للممثلين باستخدام الحركات والإيماءات والرموز بالكلمة والحركة، ضمن إيقاع الحس الشعبي الذي يشكل بنائية الفرجة الشعبية، وقد حافظ المخرج في العروض التي قدمها على المسرح الدائري أو على المسرح الرئيسي ذو المساحة الواسعة، على طقس الفرجة أو ما يشبه حلقات الذكر الصوفية، مما جعل بؤرة العمل في الحركة المركزية لوسط المسرح، ولم يشتت حركة ممثليه بالدخول والخروج، ولكونه اشتغل على فكرة الفرجة الشعبية، حافظ  على المنظور المكاني للفرجة، بالرغم من عرضه ضمن مسرح العلبة الايطالية، فقد حاول بحركة الممثلين الدائرية من إيجاد هذا التوازن، الذي يلغي إلى حدا ما، الموقعين بين العرض والمشاهد، من حيث جغرافية المكان، ووصل بعرضه إلى حد ما في المسرح الرئيسي إلى إسقاط الحاجز المكاني، بخلاف عرضه على المسرح الدائري، كان أكثر توافقا ً مع السياق بإحاطة الجمهور للفرقة، مما يحقق احد العناصر المهمة في الفرجة، هو الرؤية البصرية التي يفرضها موقع المتلقي، وهو ما يفرض على الفرقة الحركة الدائرية، لتكون الرؤية البصرية لكافة الإطراف والاتجاهات بنفس الابعاد، وهذا ما جعله يحرك المجاميع في نهاية المسرحية، لإيجاد التلاحم وإيصال الخطاب بين المرسل والرسالة والمرسل له، عندما جعل الممثلون يدخلون القاعة بين الجمهور وهم ينشدون قصيدة محمود درويش، وحقق المواجهة التفاعلية بين المشهد المعروض وجمهوره، وكثف من اللوحات الراقصة والممزوجة بالغناء على إيقاعات تتواشج مع كل فكرة طرحها النص، وظل مسيطرا ً على التوازن العام للكتلة في حركة الممثلين وتقديم المشاهد الراقصة والغنائية، لإيجاد المناخ المشابه للفرجة التي تقام عادة في فضاء مفتوح، ساحة عامة أو باحة بيت واسعة أو حديقة عامة، ومن اجل إبراز فكرة النص بانعدام حقوق المواطن في ظل الحكومات التي تحكمه، كان وجود الطفلة وهي تدير المجاميع في حركتهم وتوقفهم عبر جهاز الكنترول، أثره الواضح في فهم المخرج لإبعاد النص وفهمه للواقع السياسي.
السينوغرافيا وبقية المكملات للعرض المسرحي ..
       من أهم عناصر الفرجة، وجود الفرقة الموسيقية الحية مع المغنين والراقصين، وياتي بعد ذلك بقية العناصر المكملة للفرجة المسرحية، من شموع وبخور وأصوات مصاحبة، وقد حققت معظمها تقريبا ومن أجل استكمال إيصال الخطاب، رسمت خريطة الوطن العربي وفلسطين في وسط خشبة المسرح، وجعل الممثل الرئيسي المواطن ها ، الذي مثله الفنان زيد خليل، يتفاعل مع المعروض، عندما أخذ وضع الانبطاح حاضنا الخريطة، وهكذا جاءت الملابس والاكسسوارات مع الديكور ببساطتهم ما يمثل عروض الفرجة، كما أن الاصوات الغنائية التي قدمها يوسف كيوان وعبد الله كيوان اضفت لمسة أبداعية، افرجت عن حالة الاحتقان للمتلقين وهم امام مآسيهم ، وحلت روح الفرجة من حالة الاحباط الى حالة التفريغ عبر الغناء واللمحه، والنقطة المهمة التي عالجها المخرج في تكييف السينوغرافيا بوجود الجدار الوسطي الذي عزل الدمى وهي ترقص مع الراقصين، في لقطة تعبيرية ، لاشك ان علاقة الفهم والتفاهم بين المخرج والكادر المسرحي وبالاخص ، منفذ الديكور والاكسسوار خليل ابو حلتم، أصل الكثير من الخطاب الذي اشتغل عليه الاخراج لاظهار النص بما قدم عليه،

الأحد، 10 يناير، 2016

8 ومضات قصصية عن الجنون-عدنان المبارك (6-7-8)


8 ومضات قصصية عن الجنون


عدنان المبارك

6 - سأغني إلى نهاية العمر

- في عالم مجنون يكون المجنون وحده عاقلا. أكيرا كوروساوا
Akira Kurosawa ( 1910 – 1998 )

هذه الحياة الماصخة علمتني بأن لا أنتظر أي عون من أحد. ولماذا ؟ الكل مشغول بمشاكله وهمومه ومنغصاته. والأسوأ هنا أن هؤلاء المجانين يتهموني بالجنون، ولأسباب تافهة حقا : لبست فردتي جوارب مختلفتين ( لعلمكم أنا معروف منذ الصغر بسهوي وضعف التركيز الذهني ). وحتى هنالم يكن اختلاف كبير في الألوان والنقوش ، فهما بدتا وكأنهما من نتاج واحد. اذا أردتم سأوضح المسألة : في الفردة الأولى أربعة خطوطة عريضة بعض الشيء - حوالي خمسة سنتمترات ، صبغت باللون الأزرق الهاديء ، أما الخلفية فكان رمادية فاتحة. في الفردة الثانية : الخطوط خمسة لكنها أنحف وبجنبها نقش صغير لخط منحن أراد له الفنان أن يمثل طائرا رشيقا بدأ طيرانه ، أما الخلفية فكانت بالقهوائي الفاتح. اذن ، أين الجنون ؟ في عدد الخطوط ؟ في لوني الخلفيتين ؟ في جنون الناس الموّجه صوب كشف عيوب الآخرين. اذا استمرت الحال سأكون مرشحا مضمونا كي ألتحق بجنون الأكثرية التي صارت ساحقة من زمان ؟ و أقول للعقلاء منكم : لو كان الأمر يتعلق بالجوربين وحدهما لما أكترثت له. الا أن اللعنة في أنهم يتهموني بالجنون وعلى طول الخط. أوه ، الامثال كثيرة جدا ، ويتعبني حقا ذكرها جميعا. لكن لا مانع من ذكر بعضها :
- اعترف للجميع بأن ضحكتي ليست بالساحرة ، لكن اذا لم تكن هكذا فلا يعني الأمر بأنها ضحكة مجنون, أنا حسّاس جدا فيما يخص النكت والنوادر , عند سماعها أضحك بهستيريا أحيانا وحتى أني بنفسي انتبه لهذه الحال وأكف فورا عن الضحك. لكن فكرة أن أكثرية الناس عبوسين متجهمين وفارغي القلوب والرؤوس ، صارت راسخة في تفكيري.الأمثلة كثيرة جدا. خذوا مثلا هذه الحادثة الصغيرة التي عشتها في الأسبوع الماضي : أسير في شارع بعيد قليلا عن المركز التجاري في مدينتنا التي هي ليست بالصغيرة ، وماذا أرى ؟ فتاة صغيرة ذات صوت ساحر ولطيف حقا تنشد احدى البستات المحلية ويرافقها عزف رجل كهل على كمان بدائي. أمام الاثنين صينية ليست بالكبيرة وجدتها مليئة بقطع النقود الصغيرة. هذه الفتاة كانت لا تعرف جيدا البستة وأنا كخبير باغانينا وبستاتنا بفضل عمتي أم محفوظ ، وقفت بجنب الفتاة وأخذت أنشد معها بستة ( يا نبعة الريحان ). كان صوتي القوي قد طغى على صوت الصغيرة ، ومن هنا لقيت أعجاب الحاضرين مما دفعهم الى القاء قطع النقود في الصينية. لا أقول بأن أب الفتاة كان غير راض لكنه خشي العواقب كأن أطلب حصتي من المدخول. أبدا ، لم يكن في نيتي أن أشاركهما المدخول بل مجرد نداء فنّي دفعني الى مشاركة الصغيرة في الغناء. قد يكون الأب محقا حين صاح بوجهي : ( منو طلب منك تغني ويّانا ، يلله روح بدربك.). فالناس وقفوا كي يستمعوا الى غناء الصغيرة وليس الى غنائي بصوتي القويّ الذي طغى على انشاد الصغيرة الساحر رغم أخطائها في الغناء. ألقيت في الصينية قطعة كبيرة من النقود ورحت صامتا باتجاه النهر ، فقد تذكرت أن شوي السمك بدأ في مطعم أبو منذر. في الحقيقة أبو منذر يحبني ، فأنا من أقرب أصدقاء ابنه ، والخصلة التي أعجبته فيّ أني هاديء وأميل الى الصمت، ربما كان بحاجة الى ذلك ، فمنذر صاخب وثرثار وحتى أني لا أعرف لم أخترته زميلا لي. لا أنكر بأنه له صوتا يصلح لغناء البستات خاصة. وهكذا أقنعته بغناء مشترك طالما أن علي أنتظار سمكتي. المطعم كبير بعض الشيء ، ووضع أبو منذر حاجزا لركن العوائل. في الأخير اقنعت منذر بأن يغني معي تلك البستة التي كان مغرما بها جدي ، وقال ان جدّه كان معجبا بها أيضا. اذن بدأنا الغناء بستة كنا قد وضعنا لحنا سريعا لها و اخذنا كلماتها من شتى المصادر. كان مستهلها ( يا حلوة الوجه والنهدين شوكت تنطينا بوسة ...). كان اللحن مأخوذا من أغنية مصرية معروفة الا أننا أخضعناه لتحويرات هنا وهناك. كان كلانا يملك صوتا قويا طغى على ضرب منذر على الطاولة من أجل مسك اللحن. وقدأضاف منذر ردّة ( بوسة ) وكررها لأكثر من عشر مرات ، وكان في نيته أن يكررها الى ما لانهاية لولا دخول أبيه علينا وهو في أقصى الحنق الا أنه تمالك نفسه. انحنى على الطاولة وقال هو يصك بأسنانه :
- شنو قلة الأدب هاي ، عميان ما تشوفون أكو هنا عوائل.
كانت خيبتنا نحن الأثنين كبيرة جدا ، فقد تصورنا أن الجميع سيعجبون بصوتينا وأيّ كانت كلمات الأغنية.
تركني منذر وحيدا وذهب الى أبيه ، وعلى الأكثر كي يعتذر باسمي أيضا. وفي اليوم التالي أعلمني برأيه في الحادثة ،. قال ان الناس يتصرفون وفق قواعد ، وليست مهمتنا أن نخرقها. علقت على هذا الكلام غير المقنع بالقول : وشنو العيب في أن تذكر الاغنية بعض أعضاء الجسم ؟ لم أقنع منذر ، ومنذها صرت أكثر صمتا ونفورا من مجتمعناالغارق بسخافات من هذا النوع وغيره ( في الحقيقة أنا لم أحب هذا المجتمع منذ الصغر ). أضفت بأني منذ اليوم سآخذ ربابتي وأنشد الاغنية التي أثارت حنق أبو منذر في كل مكان من مركز المدينة ، بل أضفت كلمات فاضحة أخرى الى تلك الأغنية. وماذا كانت النتيجة ؟ منعوني من الغناء وجرّوني من ياقة قميصي ذي اللون الأزرق الفاتح ، ولعلمكم هو قميصي المفضل ، الى أقرب زقاق وأنهالت عليّ الكفحات التي صاحبتها كلمات مثل ( يا مخنّث ) ، ( يا طايح الحظ ) ، ( يا متربي بالكلجية ).
هل تعرفون بأني لم أتعظ ، بل واصلت الغناء لكني اخترت للغناء بستانا في الطريق الى مسقط رأس أبي ، كي أتجنب الكفخات والشتائم . مكان رائع حقا ، فخبر غنائي انتشر هناك بسرعة البرق ، وفي اليوم التالي جاء اليّ حشد كبير من الشباب كي يستمع الى أغنياتي الداعرة. وبقيت أغني وأغني لغاية اندلاع الحرب الرابعة مع الجار الذي هزمنا وحرّم رجاله علينا الغنا في الأماكن العامة . بالنسبة لي ازدادت الحياة مصاخة لكني لم أترك الغناء أبدا نكاية بمجتمع المجانين هذا.

*

7 - لاخطر مني على أحد ولا على العالم

- عندما أكون وحيدا في غرفة مغلقة تصبح مخيلتي كونا ، وبقية العالم مفقودة. كريس جيمي
Criss Jami ( 1987 )

عشائي خفيف عادة . فبعد ذلك الهجوم الغادر للكبد قبل أربع سنوات صرت بالغ الحذر فيما يخص الطعام والاجهاد العضلي. لا أنكر بأن أفكاري تغلي طوال الوقت ، وأنا أعرف بأنها تغلي لأسباب معقولة ، وأنا لست مخطئا البتة ، فكل جماد وحيّ هو الحطب لأفكاري. أفكر كل ساعة بل أقل ، بأن هذا العالم سيء. لو كان سيئا بنسبة قليلة لهان الأمر لكن أن يتجاوز العطب أكثر من تسعين بالمائة فهذه ظاهرة تتخطى تصورات الرب وملاكه الساقط. سأكون صريحا أكثر. لا شيء مما خلق هو موضع رضاي. لاشيء نموذجيا ، وقد فكرت، لكن قصيرا فالأمر لا يحتاج الى تفكير طويل : لذا العالم غير نموذجي بل خلق وكأنه عاقبة نزوة لسكير افتقد بقية كحوله اليومي. من حين الى آخر أبتعد عن كل شيء وكل حيّ خشية أن تنعكس خيبتي من العالم على هذا وذاك. عموما الكل راض عن حاله. ولماذا ؟ هكذا يفعل ولأنه يخشى الأسوأ. سأكون صريحا مرة أخرى : تزوجت خمس مرات. وأنا الساذج الأبدي تصورت بأن أحوالي ستكون أحسن وسأغرق بالسعادة مع هذه الجميلة واللطيفة وذات القلب الذهبي الخ . ثم حانت اليقظة والسقوط من جديد في هذا الواقع المنقوص الى أبد الآبدين. الأولى كانت طمّاعة ( لا أنكر بأن أمي نبهتي الى هذه الخصلة المعيبة ، لكن سقط الفاس على الراس ولات ساعة مندم ) . يقيت مع الطماّعة أقل من سنة. الطلاق يكلف وليس قليلا لكن أحوالنا المادية كانت جيدة وراحت الطمّاعة الى بيت أهلها وهي راضية ومملوءة الجيب بالفلوس. الثانية كانت شريفة وذات أخلاق نبيلة لكنها ، وكما نعتتها أمي ، كانت نار كبرى. يكفي أن يسقط قليل من الماء على الأرضية وهاهي تشعل حريقا في النفس لم يكن من السهولة اخماده. واستمرت الحرائق سنة ونصف. وهذه المرة جمعت عددا من الشهود الذين كشفوا الحقيقة أمام المحكمة. والآن لماذا بدأت الكلام عن عشائي الخفيف ؟ زوجتي الثالثة مغرمة بطبخ الأكلات الدهينة والمليئة بالتوابل ( لا أقول بأنها لم تسألني قبل الزواج عن أيّ أنواع الطبخ أفضل. أجبتها بأن الاعتدال ديدني في الحياة ثم سألتني :هل أقترب من الكحول ؟ أجبتها بأن الاعتدال فضيلة ولو أني عارف بعدم رضا الرب عني. سؤالها الثالث هل ألعب القمار ؟ أجبتها بأني أتمسك في كل مكان بالاعتدال وحتى أنه ليس قمارا شراء ورقة يانصيب في كل أسبوع ). هذه الثالثة ، واسمها على غير مسمى : رحيمة ، دفعتني الى ركن مسوّر في جهنم. لم يفد بشيء تذكيرها يوميا بأني مريض بالكبد وسيقتلني مطبخها الهندي هذا. كان جوابها الدائمي بأني مريض بالوهم ومن هنا أبالغ في تجنب التوابل والدهونات. في البداية كنت استشيط غضبا بيني وبين نفسي لكن الكيل طفح وها أن أنفجاراتي صارت شبه يومية. لغاية الشوط الأخير مع رحيمة لم تتصورأبدا أن هناك من يعترض على مطبخها الذي هو تقليدي مائة بالمائة. الشيء الإيجابي هنا قرارالمحكمة بالطلاق ومن دون إعطاء نفقة ، فرحيمة كانت مدرّسة وراتبها لم يكن بالصغير.
بعدها حصلت فترة استراحة طويلة ( حوالي عشر سنوات ) فيما يخص الزواج . بقيت أعزبا يحتاط من أي هجوم غادر على كبدي . لكن ما العمل اذا كانت الوحدة لا تطاق خاصة لواحد عصابي مثلي ( اثناءها فقدت الوالدين ). كنت مدركا بأني قد دخلت ، في السنة الأخيرة ، العقد الرابع وأنا وحيدا كالاصبع في الحياة. ولذا لم أتردد طويلا حين ألتقيت بمهجة الجميلة والعاقلة جدا. العيب الوحيد هنا أنها كانت ضحية عملية جراحية فاشلة ولو أن وعود الأطباء بعودتها الى الصحة كانت كثيرة. بالفعل ، بعد الزواج بأقل من عام واحد قيل لها بأن عملية جراحية تنتظرها وستكون حاسمة أي أن رجوعها الى الصحة أمر مؤكد تماما. تبين أن الأطباء بالغوا في التفاؤل ، وفي النتيجة راحت مهجة الى العالم الآخر.
عدت الى العالم القديم وحيدا مهموما استيقظت فيّ كل الأمراض القديمة. كما جاءني مرض جديد : صار العالم مشوها الى درجة لاتطاق تماما كما لو أن أجمل امرأة في العالم اخذت تنظر في مرآ ة مشوهة تضخّم الأنف الى حد مضحك أو تطيل الرأس ثلاثة أضعاف وتحوّل الذراع الى ذراع قرد. وشيئا فشيئا قلّ خروجي من البيت وأخذت أجلس في الشرفة طوال النهار مفكرا بعالم آخر خال من البشر والحيوان والمجتمعات والعمران– مجرد صحراء شبيهة بتلك التي تطل مدينتنا عليها. وأسوأ ما في الأمر أني غيّرت معظم عاداتي ، فها أني اغرق طعامي بالتوابل والدهن وأشرب يوميا قنينة عرق وأطلق شتائما قبيحة جدا ، وأضحك من شرفتي على الرايح والجاي مما أثار غيظ الكثيرين وحتى أني لا أعرفهم جميعا ، لكن كان يكفي مرورهم من تحت الشرفة. في الحقيقة أنا قمت باستفزاز الآخرين مما دفعهم للاستنجاد بالشرطة التى جاءتني في الصباح الباكر واقتادتني الى مستشفى المدينة للتأكد من قواي العقلية. نتيجة الفحوصات لم تكن لصالحي. وكي أعبّر عن رفضي لقرار المستشفى بأني مخبول أطلقت تلك الضحكات التي كان يعرفها كل من مرّ تحت الشرفة. في الحقيقة ان ما اغاظني في القرار تلك الفقرة التي تذكر بأني قد أكون خطرا على المجتمع اذا بقيت مطلق السراح رغم أنهم عرفوا جيدا بأني من الصنف الهاديء والمسالم ، وتلك الضحكات من الشرفة لاتعني العكس.

*

8 - خمسة فرسان بلا خيول وسيوف

- هل تظن بأنه من الممكن أن يكون مجنونا شعب بكامله ؟ تيري براتشيت
Terry Pratchett ( 1948 2015 )

في الأخير اقنعت ألأربعة بأنه لا بد من القيام بعمل بوجه هذا الجنون العام. لم أجهد كثيرا في الأقناع ، فهؤلاء الأصدقاء الأربعة كانوا متفقين معي فيما يخص ضرورة العمل لكن وجهات النظر المتباينة كانت قد صعّبت عليّ اقناعهم. في الأخير توحدت الافكار لكن بقيت قضايا تطبيقها. ونحن شرحنا كل شيء في التويتر والفيس بوك والبريد الشخصي ( راجح قام بكتابة بعض شعاراتنا على حيطان الشوارع الخلفية ، ومرة أو مرتين وزّع منشورات في الأسواق خاصة كتبنا فيها ما نريده من المجتمع الذي طالت غفوته ). وكنا قد أتفقنا على أن تكون كتاباتنا وشعاراتنا وأقوالنا العلنية بعيدة عن استفزاز أيّ جهة وحتى المتزمتين والمتعصبين الدمويين الذين هم مستفزون ( بفتح الفاء ) طوال حياتهم. وبحكم اطلاعنا الواسع على التأريخ الأحدث للبلاد لم نتعرض للسلطة القائمة بأيّ نقد أوهجوم رغم علمنا بأن مجرد وجودنا هنا والآن هو أكبر استفزاز لها ، لكننا أخذنا بقاعدة عدم الاستفزازالى النهاية. لا أقول بان آراءنا موحدة بهذا الخصوص ، فمصعب بهجوميته المعروفة أراد توزيع الاتهامات يمينا وشمالا ولأن مجتمعنا كالانسان السائر في نومه – يمشي ويمشي غير آبه بما يحدث حوله ومن هنا ضرورة ايقاظه. زعيمنا الروحي مهدي جهد في أن يوضح لمصعب بأن هذا هو الواقع ولابد من أخذ كل شيء بعين الاعتبار ، ومن الانجع ايقاظ مثل هذا المجتمع برفق وتأن ، فسباته عميق وطويل.
كل هذا كان قبل أسبوع واحد ، أما الآن فالوضع تغيّر جذريا : مهدي تعرض لجلطة دماغية سجنته في الفراش ، ونجاح اعتقلوه حين كان يكتب على جدران أحد الجوامع شعارا استفزازيا يشيد بالديمقراطية وحرية الرأي الكاملة. صادق الذي كان مسؤولا عن اتصالاتنا الألكترونية اضطر الى السفر الى مصر حيث جزء من عائلته هناك وقد أخبروه بأن والدته مريضة جدا. أما احسان صديقنا الصامت والودود فقرر الزواج في الأخير، وها هو مشغول ليل نهاربالاعداد لهذا الحدث الكبير في حياته. أما أنا فمحظوظ : تفرغت تماما لكتابة قصص الخيال العلمي - مواصلة الكتابة. أنا أجد أن ما أكتبه ليس خيالا ولاعلميا أي على العكس فهو من حياتنا هنا والآن : لاشيء فيها معقولا ، ولا مشجعا على مواصلة البقاء على سطج هذا الكوكب المنكود. ها أني أكرر بعض آرائي القديمة. فأنا لم أجد لغاية الآن أن هناك آراء جديدة في بقعتنا الأرضية ، نعم نحن وحيدون ولا انقاذ هناك لا من جهة الرب ولا الشيطان... لدي أفكار أخرى لكن لأتوقف عن الكتابة اذ لا داعي لتعميق حفرتي وقد يوصاني الأمر الى ذلك المبني الأبيض في نهاية شارع الأمام الرضي. في الحقيقة أنا كنت هناك لكن لفترة قصيرة ، فقد تدخلت العائلة وعثرت على من له نفوذ كي أعود الى هذه الحياة اللامعقولة. كانت تجربة قاسية ولا أريدها أن تتكرر. وأظن أن هذا سبب وجيه للكف عن كتابة هذه القصة...

أستره بارك ، كانون أول 2015

Adnan1935 @ gmail. Com

8 ومضات قصصية عن الجنون-عدنان المبارك(3-4-5)


8 ومضات قصصية عن الجنون


عدنان المبارك


3 – السعادة في أن تكون بهلوانا ولو لأمد قصير


- نزهة عرضية في دار المجانين تظهر أن الايمان لم يدلل على أيّ شيء. فريديريك نيتشه
Friedrich Nietzsche ( 1900 – 1844 )

يقول مثل عاد جدا ( الفلوس تجيب العروس ). للغالبية العظمى هو مثل عملي وصحيح تماما. لكني أحذف العروس وأضع بدلها طلبات عملية أيضا. أنا لست بحاجة الى العروس. السبب ؟ خشية ما لايحمد عقباه. فتاة ، وليس من المستبعد أن تكون جميلة ، صبغوا وجهها بالمساحيق وأجلسوها على كرسي ونصحوها بأن تمنح وجهها ابتسامة خجولة وتتظاهر بأن خوفها مما سيحصل شديد جدا. مختصر مفيد : أنا بحاجة الى دخل أضافي ، فكل الأشياء معطوبة . سيارتي المتهالكة ومبردتي العاطلة والنفقة التي أدفعها منذ عشر سنوات ، تصرخ بي : ابحث يا رجل عن مدخول إضافي ! وهكذا قررت في الأخير أن أنزل الى الشارع كبهلوان. مفهوم أني تدربت على بعض الأفعال السيركية كمهرج يتظاهر بالغباء التا م ، أو ممثل لأيمان ديني ما أوجمباز يقفز الى أعلى ويحرّك رجليه بايقاع سريع الى الأمام والخلف. فكرت بأن استعراضي سيكون أكثر اثارة وتشويقا لو رافقني قرد ألبسه طربوشا على رأسه و صدرية ملونة. صرفت النظر سريعا عن هذه الفكرة ، فامتلاك قرد يكلفغاليا رغم أن القرود البشرية متوفرة في كل مكان. من ناحية فكرت بأن أدفع اجرة لصبي يتظاهر بأنه قرد. أصبغه بالأسود وألصق بمؤخرته ذيلا. كذلك صرفت النظر عن هذه الفكرة التي كلها استفزاز : تحويل الانسان جهارا الى قرد. فتحويل القرد الى انسان ذي سلطة أمر ممكن...
بعد عرض نال الاعجاب عدت الى البيت فخورا راضيا عن النفس. واخذت أفكر بأضافة فقرات جديدة الى برنامجي. رأسي مليء بالأفكار، لكنها تتجنب تلك المتعلقة بالسياسة وشؤون الديانات وبينها معضلة هل الله موجود أم لا ، كذلك تجنب كل ما يغضب الناس عليّ. في الحقيقة بقي أمامي هامش للعمل لكنه ليس بالصغير. لمست بأن ما أعجب الجمهور وأثار عاصفة من ضحكهم هو قيامي بدور المهرج مما دفعني الى التفكير بان موهبتي تعبّر عن نفسها في حقل التهريج. اذن أخذت أهتم أكثر فأكثر بفنون التهريج التي أخذت تشيع في هذه الأيام بشكل ملفت للنظر. وهل تظنوا بأني غير متابع لما يحدث في عالم الفنون مثلا. عرفت مثلا أن الكثير من مسارح العالم يشرك الجمهور في الفعل المسرحي. بالنسبة لي ستكون فرصة طيبة بل أكثر : باهرة للغاية أن أفعل الشيء نفسه مع جمهوري .وهكذا أعددت هيبيننغ أو فعلا من هذا القبيل فحواه التوجه الى الجمهور بالاسئلة. وأعترف بأنها كلها من النوع الخبيث ، بعبارة أخرى من النوع المنتزع من واقعنا.
اذن رحت الى الشارع بعد أن بالغت في ماكياجي كمهرج وأتحفت أنفي بكريّة حمراء واستعرت من جارلي جابلن عصاه الشهيرة ، وكنت قد تدربت طويلا أمام المرآة على رمش العينين والتظاهر بالغباء والبلاهة. مجموع الأسئلة التي ألقيتها كانت أربعة قبل ظهور أولئك الثلاثة الذين بدوا وكأنهم من أبطال المصارعة الحرة.اقتادوني أمام الجمهور الذاهل الى مكان ليس بالبعيد كثيرا. قبل أن أفتح فمي للسؤال عن جلية الأمر نزلت علي كفخات قوية وجلاليق مؤلمة وسط صراخ وصياح بكلمات لما أفهم منها الكثير سوى أني ملحد وعميل سعودي ( هكذا سمعت رغم أن الصراخ كان عاليا ) ومخنث وجودي . وحين عدت الى البيت بعد هذه البهذلة التي لم تخطر على بالي أبدا اخذت أفقه السبب في ما حصل . كانت تلك الأسئلة الأربعة اللعينة ! ، فأنا سألت عن مجموع السرقات ، الكبرى بالطبع ، وهنا أردت اضحاك الجمهور بذكر قول دارج ( من طيز الدجاجة لحلك أبو علي ). السؤال الثاني : هل هي مجرد شائعة بأن الله خلق كوكبا آخر تعيش على سطحه مخلوقات هي طبق الأصل منا لكن بدون لعنات كالشر والحروب و الايمان ( في الحقيقة رفض ذلك الرجل من الجمهور الإجابة على السؤال ). السؤال الثالث كان في الواقع في غاية البساطة : هل أنت انتخبت هذه الحكومة وهل قرأت سيرة حياة الرجل رقم واحد فيها ؟ السؤال الرابع الذي لا أغفر لنفسي توجيهه الى شيخ من بين الجمهوركنت قد انتبهت الى أنه ضحك طويلا في اثناء عروضي الفقرات الجديدة من البرنامج : واحد ألماني قال بأن الله مات ، هل سمعت بهذا الخبر ، وهو قديم جدا ويعود الى نهاية القرن التاسع عشر؟ ...
انتبهت أيضا الى أني خرقت مبدئي في عدم التدخل بالسياسة والمعتقدات. وفي الصباح التالي طرق الباب بعنف. سلمني أحدهم ورقة فيها قرار سلطات المدينة بحظر عروضي الشارعية. كانت هناك ورقة أخرى من المحكمة تستدعيني للحضور بعد كم يوم للنظر في شكايات من مختلف الجهات وبينها ذلك الشيخ الذي لم يصلني حينها جوابه على سؤالي الرابع.
فكرت بأنه اذا لم يلقوني في السجن فسأفكر بعمل جديد يوفر ذلك المدخول الأضافي اللعين. وجدت من بين كل الأفكار الأكثر عملية و بعدا عن السياسة و المعتقدات والله أيضا ، أن أبيع تلك الحلوى التي تجيد اعدادها عمتي أم عمار.

*
4 - حين لم أسمع نصيحة هشام


- محادثات حلوة جنونية مليئة بانصاف الجمل و أحلام اليقظة و أحوال سوء الفهم هي أكثر أثارة من أحوال فهم سوف لن تكون أبدا . توني موريسن
Toni Morrison ( 1931 )

هكذا أنا ابحث عن الناقص دائما – نقص في الفهم ، نقص في الأخلاق ، وحتى نقص في التسامح رغم أن أحاديثي مع الاخرين لا تخلو من الجنون . اسمع دائما الرد نفسه على سؤالي بخصوص هذه الهوة بيني والناس والتي أشعر بأنها تكبر باستمرار. لحسن الحظ انا أتجنب كل مواجهة ومهما كانت صغيرة وتافهة. صار طموحي كله في أن أكون مسيحيا نموذجيا ، يدير خده الآخر لتلقى الصفعة التالية ، ويحب اعداءه ( الكلام بيننا لا أحب جميع هؤلاء خاصة اذا كانوا من النوع المؤذي والخطر على المجتمع والناس الآمنين.رغم مسيحيتي النموذجية وجدت نفسي معزولا وتحيطني الشبهات . لا أعرف السبب الحقيقي. صديقي الأقرب هشام لخّص المسالة بأني لا أثير التعاطف بسبب أمراضي النفسية وشكوكي المرضية وانعدام مطلق للثقة بالجهات الرسمية. بالطبع دافعت عن نفسي بالقول اني لست شاكا بل متحوطا وحذرا ، أما علاقتي بالجهات الرسمية فهي مثقلة بالأخطاء والخطايا من جانبها. هشام يعرف كل شيء لكنه يرى بأن عليّ أن ألجا الى سلوك شبيه بما يفعله الساسة ، فالمهم هنا ليس طبيعة السلطات بل الغرض ، غرضي ، من كل هذه العلاقات السيئة. هشام صديق حقيقي ، فعلاقتنا قائمة على التفهم والتساهل من جانبه. وما يحزنني أنه لا يجد عندي هذين الشيئين. ففي أغلب الأحوال يكون شاهدا على انفجاراتي العصبية وانزال اللعنات وحتى على الرب في بضع مرات ( لعلمكم لا أعتبر هشام من المؤمنين ولا هو يعتبر نفسه هكذا ). هشام أوضح لي أكثر من مرة بأن كل هذه الانفجارات لا تقدم ولا تؤخر ، وعموما ( أنت يانعمان لن تحقق شيئا بطرقك مثل هذا الدرب الوعر ). المفارقة الكبرى هنا أني على اقتناع تام بأقوال هشام لكن المشكلة في أني أنساها بأقرب مناسبة. أنسى بأن السلطة هي السلطة وأن هناك بشرا طيبين وكلهم احتشام وآخرين على العكس منهم. اذن ما العمل؟ نفي الأشرارالى كوكب آخرأم تخويفهم ليل نهار بما سينتظرهم في العالم الآخر ؟ لا أظن بأنه تخويف ناجع ، فهم واعون بأفعالهم. أما السلطة فهي كما كانت وكما هي وكما ستكون. برأيي طالم لا يمكنني الاجهاز عليها فلألجأ الى تنغيص عيشها ومهما كان هذا التنغيص - كبيرا أو صغيرا. المهم أن أفرغ هذه السموم من جسمي. وهكذا وصلت حينها الى نتيجة معيّنة. لحسن الحظ كانت التنغيصات التي أديتها من النوع الصغير بل البريء على وجه التقريب كأن أضيف كلمة او كلمتين الى واجهات المؤسسات الرسمية. هذه الأضافات استغرق تنفيذها وقتا ليس بالصغير ، وقد حالفني الحظ في أنهم لم يكتشفوا الفاعل فورا. لعلمكم أيضا أن هشام لم يمنع نفسه من الابتسام حين عرف بمؤامراتي الصغيرة هذه. وكنت قد بدأت بواجهة وزارة الصحة التي صارت ( وزارة الصحة والعافية والأوبئة والمقروبات ). خطّي جيد جدا والتنفيذ كان متقنا حقا و لو جاء مخلوق ليس من بلادنا لصدّق بأن هذه الوزارة ترعب المقروبات أيضا. بعدها رحت الى وزارة المالية وكتبت هناك ( وزارة الخزينة الخاوية ) ثم وزارة الري التي صارت وزارة للجفاف. أقول لكم باني لم أكن مغتبطا في حياتي وكما في مغامراتي مع واجهات السلطة. جابهتني بعض الصعوبات مع واجهة وزارة الخارجية لكثرة الكلمات الموائمة لعمل هذه المؤسسة لكني أضفت في الأخيرالكثير من الكلمات : ( ... والخوارج والطبيخ و " أوكي " على بركة الله والأولياء ).
أكيد أنه كانت هناك إخبارية ضدي ، فبعد انتهائي من تلك الإضافات بيوم واحد قاموا بفتح بابي عنوة ( كنت في الحمام ولم أسمع زعيقهم ) وأكتشفوا كل شيء : الأصباغ و نماذج الكلمات المنقوشة على الواجهات. لم يضربوني بل أرسلوني الى الطبيب الاختصاصي الذي اكتشف فيّ بارانويا لا يستبعد بأنها أكثر خطورة على المجتمع من التفجيرات في الأسواق. في الحقيقة أنا سعيد في سكني الجديد. فجميع القاطنين هنا هم رمز كبير للوداعة وقلة الكلام لا أعرف مدة اقامتي في هذا السكن المريح لكن قراري نهائي : سأواصل ، في اثناء ما بقي لي من العمر ، تنغيص حياة هذه السلطة.


*

5 – أنا كلي سعادة ، ف( سقراط ) معي


- الجنون نسبي. ويعتمد الأمر على من هو المسجون وفي أيّ قفص. ري برادبري 1920 – 2012ٌ
Ray Bradburyٌ

- إلى الصديق عادل كامل
يزداد يقيني بصحة حكمتنا ( الجنون فنون ). فالكثير من هذه الفنون لا يظهر على السطح دائما . بعضها كامن الى نهاية العمر ، وربما تستيقظ في العالم الآخر. الحال عندي على النقيض ، فمنذ سني الطفولة كنت أعرف بأني مجنون ، و الفضل هنا ليس لوعيي بل لسماعي في كل يوم بأني ( موعاقل ). بالفعل في عمر الرابعة أنزويت في زاوية من غرفة الجلوس الكبيرة ورحت أفكر : لي عينان وأذنان و منخران لكن عندي فما واحدا. هل كان هذا سهوا أم أمرا متعمدا ؟ بقي السؤال لغاية اليوم بلاجواب. في عمر المراهقة بقيت أوجه الأسئلة في ذلك الركن من الغرفة. ثم جاء سن البلوغ شغلتني أمور أخرى أي دفعت جانبا تلك الأسئلة لكني لم أمحيها من العقل والذاكرة. بالطبع جاءت أسئلة جديدة لكنها لا تخص فسيولوجيتي هذه المرة بل فسيولوجية المجتمع وأفراده ثم العالم القريب والآخر البعيد. كنت أسمع اللغط في شارعنا و لغط التلاميذ في المدرسة و هناك أيضا لغط الكتب . اجتمع كل هذا كي يعمّق جنوني الذي صار يتمثل بلامبالاة وانفصال تام عما يشغل الآخرين. أكثرت من التحديق في السماء . رحت أنسج قصصا عجيبة غريبة عن حيوات في النجوم. مرة كشفت عما يدور في الرأس لأمي ، وهي معلمة وتعرف الحياة على الأرض جيدا كان جوابها أني أجتاز طريقا وعرا بمثل هذا التفكير ( قالت أنها هواجس يغلب عليها اللون الأسود ) الذي يوقف مسيرة حياتي ويدفعني في طريق جانبي مسدود. أعترف بأنها لم تقنعني ، وصار شاغلي أن أعثر من يشبهني في مثل هذا التفكير. خلال عشر سنوات بحثت طويلا لكني فشلت. ليس تماما فقد كان هناك من يشبهني بخمسين بالمائة و آخر بستين وثالث بعشرين. كل هذا كان يعني أنصاف حلول. ولذلك لم تستقر علاقاتي مع هؤلاء.وهكذا دخلت دربا آخر و جديدا تماما : قوّيت علاقتي بالحيوانات خاصة أني أرى بأنها تفهمنا لكنها تعجز عن التواصل معنا بلغتنا. بضعة وقائع أقنعتني بأن الحيوان يفهمنا أيضا لكننا بدافع غرورنا البشري وتفوقنا العقلي نظن بأنها مجرد حيوانات. وهكذا مضت ست سنوات واعتاد واحدنا على الآخر. أقصد القط الذي أطلقت أسم الدلع : سقراط. وكما لمست اعتاد هو على الاسم الى درجة انه لا يقترب مني اذا ناديته بدون هذا الاسم. وكان يرافقني وحتى في اثناء الوظيفة ، فقد اتفقت مع أحد السعاة في أن يبقى ( سقراط ) في احدى الغرف الفارغة في الدائرة لغاية انتهاء الدوام. المبهج حقا أن ( سقراط ) فهم كامل هذه العملية ، وبقي في الغرفة لساعات ثمان مظهرا صبرا عجيبا. الا أني كنت أجزيه بالقشدة والمثلجات التي صار مغرما بالتهامها. وحدثت المأساة عند عبورنا الشارع . لغاية الآن لا أعرف لم تكاسل ( سقراط ) و لم يعبر بنفس السرعة التي عبرت بها. المسكين نفق فورا. ودخلت في مشاجرة حامية مع السائق مما أثار ضحك المتفرجين على هذه الواقعة.
لا أعرف أين قرأت بأن الأرواح ، وليست أرواح البشر وحدهم ، تتخاطب معنا ، وربما مع مخلوقات من كواكب أخرى. بالفعل جاءتني روح ( سقراط ) في ليلة من ليالي الشهر الماضي .لم يكن حلما بل واقعا شبيها تماما بواقع تحريك ساقي اليمنى الآن. وظهرت المشكلة القديمة من جديد فيما يتعلق بالتفاهم مع ( سقراط ) الا أني لمست تحسنا في الوضع ، فها أنه حين أتكلم يهز رأسه موافقا ويقوم بهزة أخرى حين يعلن عن عدم موافقته. بأختصار كنت في غاية السعادة ورجوت ( سقراط ) أن يعود الى رفقتي القديمة ان أمكن. تبين أن عالم الأرواح هو أحسن بكثير من عالمنا ، فهم سمحوا له بمرافقتي ليل نهار. نعم ، لا أزال سعيدا رغم تبدل سكني .الا أن ( سقراط ) معي ، و لا أظن أن بمقدورهم أن يبعدوا أحدنا عن الآخر. المهم لدي أن سكني الجديد يلقى قبول ( سقراط ) فهو سكن مشترك ، وأحيانا يعلو ضجيج السكنة من ضحك ونحيب وتمزيق اللباس بل وصل الأمر الى أن حبيب وهو جاري الذي كان وديعا وهادئا شنق نفسه. لا يهم ، فالسكن يطاق هنا ولامقارنة البتة بينه والسابق حيث كنت تحت مراقبة مشددة طوال الوقت. الأهم لدي أن لا تظهر ظروف سيئة تفصل بيني و( سقراط ). الاشكال الوحيد هنا هو أني لا استطيع توفير القشدة والمثلجات ل( سقراط ) ، فهم يمنعوني من الخروج .
( سقراط ) تقبل هذا الأمر بهدوء رواقي حقا الا أني وعدته بالقشدة والمثلجات في اول فرصة مواتية.