بحث هذه المدونة الإلكترونية

Google News - Top Stories

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 27 أبريل، 2016

صرخة و قصص قصيرة أخرى- عادل كامل

صرخة
 و قصص قصيرة أخرى


عادل كامل

[يسرد دومينيك كوبا حالات وحشية بحق النساء، تتحقق كهجوم على الامومي. كما هي الحال مع هذه المرأة البوسنية في العام 1996: "في احد الأيام قام الجلاد بعصب نهود امرأة حتى يعرف كم سيستمر رضيعها في الحياة بدون طعام. ستقوم الأم نفسها بقتل ابنها من اجل الحد من آلامه.]
حورية عبد الواحد




[1] صرخة
   انفجر الغراب الواقف بجوار حمامة، أمام المستنقع، ضاحكا ً، ذات صباح، متمتما ً:
ـ ذاك يعوي، والآخر يغرد، تلك تنق والأخرى تخور، السبع يزأر والحمار ينهق، ذاك يصهل والعصفور يزقزق...
فقالت الحمامة بلا مبالاة:
ـ هذه هي السيمفونية...!
ولم تكمل كلامها، فصاح الغراب:
ـ  الخالدة!
قربت الحمامة رأسها منه، وناحت، فقال لها:
ـ هذا ما كان ينقصنا!
فقالت للغراب:
ـ  أيها الحمار....، إذا كان كل هذا الألم لم يؤثر فيك..، فماذا افعل لك...؟
أجاب بهدوء:
ـ لم يكن الألم هو الذي بلغ أقصاه...، وسلب مني مشاعري، بل بحثكم المراوغ عن حياة يعيش فيها الحمل مع الذئب، والنمر مع الغزال...، والإنسان مع الإنسان!


[2] أسئلة
ـ هل تعلمت الدرس...؟
سأل الفار الأرنب:
ـ المشكلة إن الحياة تمنحنا الكثير الذي تسترده مرة بعد أخرى...
ـ أنا طلبت إجابة منك....، ولم اطلب منك إضافة سؤال؟
ـ المشكلة إن الحياة ستسترجع إجاباتها، ولا تترك لنا إلا أن نسأل...، وإن لم نفعل ذلك، تكون إجاباتنا أقسى من الأسئلة...!

[3]  محنة
   فكر السنجاب مع نفسه: لِم َ سكان هذه الغابة قساة، أجلاف، خالية قلوبهم من الرحمة، وكل منهم يظن انه لم يخرج من المجرى ذاته الذي تخرج منه الفضلات والشوائب...؟
    ولأنه كان يحدث نفسه، وحيدا ً، في أعلى الشجرة، جاوب نفسه بسؤال:
ـ  ألا تعتقد انك  تفوقت عليهم بقسوتك، وعنجهيتك...، ولم تقل: إننا هبطنا من السماء؟!

[4] رغبات
   بعد أن تعبت النعجة من الرقص، فوق المسرح، عادت إلى موقعها وجلست بجوار كبير الحمير، قال لها:
ـ حقا ً كل ما فيك يثير الدهشة، والغواية، والرغبات....
نظرت شزرا ً في عينيه الدمويتين:
ـ حمدا ً للرب انك لست من المفترسات...، ولا من البشر...
فصاح:
ـ لا تذكريني بالغابة، فالضواري مازالت تترصد خروجنا من المسرح!
   وانخرط يبكي حتى فقد وعيه، فقالت مع نفسها:
ـ الآن عرفت لماذا اخترت الانتساب إلى أقدم مهنة فوق هذه الأرض!
سمعها الحمار، فقال لها هامسا ً:
ـ بعد فن القتل، وسفك الدماء!

[5] لعنة
  قال العصفور يخاطب زميله، وهو يتأمل الحرب الدائرة بين الفصائل:
ـ ما هذا الإسراف في القتل....، كأن الجميع لا يدركون إنهم يحفرون قبور أحفادهم، قبل أن يبولوا على قبور أسلافهم!
ـ لا تكترث...، فالحرب لن تقضي على الجميع، لكن من ينجوا ...للأسف سيعيد ويبني الحياة التي نهايتها وضعت....، قبل أن يكون هناك سلام أو حرب!

[6] لغز
ـ اخبرني من آذاك...؟
ـ وأنا احتضر واستعد للموت اسأل نفسي: لِم َ كانت حياتي حزينة، حتى إني لم أصادف مخلوقا ً يبدد لي هذا الشك؟
ـ ولكنك ـ سيدي ـ مكثت تعاقب نفسك حتى فقدتها!
ـ كأنك تقول إنني كنت استثناء ً، أو كنت تقصد: عندما لا تجد من تؤذيه فلا مناص ستعاقب نفسك!
ـ لا! بل كنت أود أن أسألك: كيف نجوت....، لو لم تكن تمتلك دفاعات أنزلت فيهم ألما ً اشد من هذا الذي  ستدفنه معك في التراب والى الأبد؟

[7] مسرة
    بعد أن اكتشف الثور عقارا ً ما أن يتناوله حتى يتوارى عن الأنظار. سره الاكتشاف، مبتهجا ً، وقد أقام وليمة كبيرة للأبقار، الخيول، الخراف، والبغال...، لكن أحدا ً لم يستجب ويلبي دعوته، لأن أحدا ً لم يستطع أن يراه! لم يحزن، ولم يصدم لعدم الاستجابة له، لأنه ازداد فرحا ً عندما لم يره القصاب، ولا السبع، لا النمر ولا الذئب، لا التمساح ولا القط الوحشي....
   إنما في ذات يوم، رأى القصاب يقود جده الأعظم إلى المسلخ، والسبع يطارد جدته، النمر يجري خلف حفيده العجل حديث الولادة...، فصرخ، كي ينقذهم، لكن أحدا ً لم يكترث له، ولا لصوته. فعاط، زمجر، وراح يرفس الأرض، ناح وخار ....، لكن بلا جدوى.
    فأدرك إن العقار الذي اخترعه، بعد سنوات طويلة من الشقاء، العناء، والكد سمح له وحده أن يعيش حياة طويلة، لكنها خالية إلا من مسرة أن يرى الجميع يذهبون إلى الموت، عداه!


[8] سؤال

سأل كبير البرغوث ذبابة كانت تقف بجواره وهما يراقبان مهرجان قتل الصغار، والإناث، إبان الفوضى الهدامة:
ـ في تصوّرك ِ...، من هو أقسى مخلوق ظهر في هذه الحديقة، بعد أن نجونا من الطوفان...؟
   كفت الذبابة عن الطنين، وأشارت إلى بلبل كان يغرد، بالقرب منهما:
ـ انه ذاك البلبل!
ـ ماذا تقولين أيتها الذبابة العزيزة؟
بعد صمت وجيز، قالت:
ـ أو ... هو ... أنت؟
ـ أنا؟
ـ  هو يغرد، وغير مكترث للمجزرة، بينما أنت َ، يا كبير البرغوث، لا تكف عن امتصاص الدماء!
ـ ولكني أعيد عليك السؤال: هو أم أنا..؟
ـ  هو سيمكث يغرد، رغم إنهم لم يتركوا له أحدا ً من البلابل، وأنت لن تكف عن أداء عملك حتى بعد أن تنتهي المجزرة.

[9] مفارقة
    عندما لجأ الذئب الجريح إلى حقل الأرانب، يبحث عن ملاذ امن له...، لم يجد سوى ثقب حشر فيه جسده حشرا ً...، ليسمع من يسأله:
ـ من أنت..؟
ـ أنا كبير الذئاب...
ـ واآسفاه أن تفطس معنا، نحن معشر الأرانب...، بينما كنا لا نسعى إلا كي نلقى مصارعنا في ساحات الذئاب!
  رفع رأسه وشاهد الذئاب تحاصره، بينما كانت أصوات الأرانب تأتيه من داخل الحفرة، فقال بشرود:
ـ عندما لا تعرف من هو عدوك..، ومن هو صديقك،  تدرك انك غير مضطر للشعور حتى بالأسف!


[10]نورس
    راح النورس يراقب أمواج البحر تحمل جثث الغرقى تلقى بها عند الساحل، في جزيرة نائية، فسأل نفسه: الآن لا اعرف أيهما أكثر قسوة؛ قلب الإنسان أم هذا البحر؟
سمع الريح تقول له:
ـ لا تحزن...، فالسماء مازالت زرقاء أيها النورس الأبيض!

[11] نباح
بعد أن افترس الكلب الحمامة، لم يستطع تجنب تذكر آخر حوار جرى معها:
ـ أتعرف كم أنا سعيدة...، وأنت تجهز علي ّ..
ـ تكلمي، أيتها الحمامة الوديعة...
ـ إنني لن اسمع نباحك، بعد هذا اليوم، لا في الدنيا، ولا في أي مكان آخر!

[12] بحث
ـ صف لي الجحيم؟
سأل العصفور البوم، الواقف بجواره، فلم يجب.
فقال العصفور:
ـ هل تود أن اصف لك الفردوس؟
  فلم يجب البوم. لكن العصفور راح يزقزق متندرا ً:
ـ يبدو انك تبحث عن مكان ثالث؟!
قرب البوم رأسه من العصفور، وقال له:
ـ كان الأحرى بك أن تسأل كلبا ً أو هرا ًأو واحدا ً من البشر...؟
لم يتوقف العصفور عن الضحك، والتندر، متمتما ً:
ـ سألت كبير الكلاب فقال لي: اقترب مني... كي أخبرك!
ضحك البوم:
ـ وماذا فعلت؟
ـ عندما رأيت أنيابه صرت استنشقت رائحة جهنم ممتزجة بعطور الفردوس! فقلت مع نفسي: انه لا يمتلك الإجابة، إلا بعد أن يفترسني، آنذاك رحت ابحث عن حكيم آخر، وها أنا جئت أسألك يا سيدي!
ـ ومن أوشى بي،  وقد قصد القضاء علي ّ...؟
ـ آ ...، الآن علي ّ أن ابحث عن هذا الحكيم!

[13] كمين
   عندما أوقعت الضفادع كبير التماسيح في الكمين، وكبلته بشبكات من الحبال، راحت تعزف نشيد النصر، فرفع كبير تماسيح الحديقة رأسه قليلا ً:
ـ لا اشعر بالأسف إنني لم اقض عليكم، ولم اجتثكم من الوجود...، بل اشعر بالأسف إنني لا امتلك شيئا ً آسف عليه!
فخاطبه عظيم الضفادع:
ـ لو شاركتنا هذا النصر...، لعفونا عنك، واعدناك إلى المستنقع!
هز التمساح رأسه، متندرا ً:
ـ إن أقسى ما في الأمر...، ليس أن تمنحوني رحمتكم، بل لأن قوتي لم تكن إلا وهما ً! إنما، هذه هي الحقيقة: أن أراكم ترقصون على قبري، وأنا لم أمت بعد!


[14] الشر أم الفضيلة
     تساءل الثعلب بصوت مسموع: لا اعرف أيهما أجدى: استئصال الشر أم منح الفضيلة فرصة الازدهار... وتبديد  الظلمات...؟
  رد مساعده بسؤال:
ـ ما الشر...، كي نحدد ما الفضيلة، وكلاهما يتناوبان على ديمومة هذا.... الذي لا يدوم؟!
  اطرق الثعلب مفكرا ً مع نفسه: بات مساعدي  يفكر كزعيم!
ثم رفع صوته:
ـ مادمت تخلط بينهما، فقد أصبح احدنا فائضا ً!
ـ اجل، سيدي، لكن البدايات لها نهايات واحدة...
صدم الثعلب بالرد، فاصدر امرأ ً بسجنه، فقال المساعد:
ـ أخبرتك، سيدي، كما إن للبدايات نهايات متشابهة، فان للنهايات  بدايات متشابهة أيضا ً، وسر هذا الذي لا يدوم، لا يكمن، إلا في ديمومته، فلا احد انتصر على احد، مثلما  من المستحيل أن تعّرض احدهما للخسران، إلا بما سيتعرض له الآخر!


[15] مناورة
ـ هل انتصرت...؟
سأل المساعد زعيمه الذئب، بعد رآه يفترس حملا ً وديعا ً، فرد الزعيم:
ـ أنا حذرته، ومكثت احذره، فلم يهرب، بل تجمد في مكانه، وراح يتبول، ويرتجف، فصرخت فيه: اهرب...، اهرب، الأرض واسعة! فانا لا ارغب أن افترس حملا ً متخاذلا ً!
ضحك المساعد:
ـ سيدي، وأين باستطاعته أن يهرب، وأنا كنت أسد عليه طرق الفرار، والنجاة، والهزيمة؟

[16] وداعة
    وهو يلفظ آخر أنفاسه، شعر وحيد القرن بقدرة مفاجئة على إكمال وصيته، لأحفاده:
ـ فانا أدركت، منذ البدء، إننا من أكثر المخلوقات قبحا ً في هذا العالم، مع إننا أكثرها وداعة، ورغبة بالوئام..!
ـ أحسنت، يا جدنا، أحسنت..لكن..
وأضاف حفيده  يسأله:
ـ ولكن لِم ً ترحل وأنت حزين، وكأنك تشعر بالأسف، والخسران؟
حدق في عيني حفيده بأسى عميق:
ـ لأن أكثر المخلوقات نذالة، شراسة، ومكرا ً أكثرها قسوة!
ـ ولكنك تستطيع أن ترحل بسعادة تامة..، فأحفادك لن يتخلوا عن وداعتهم، ولا عن دعواتهم للوئام.
هز رأسه:
ـ المشكلة إنني لن ادفن القبح معي فقط، بل لأنني ادفن الوداعة معي أيضا ً!

[17] طيران
   عندما تعلم الفيل الصغير الطيران، وراح يحّوم في فضاء القفص الحديدي الكبير، ضحكت الطيور، فهمس احد العصافير في آذن الأخر:
ـ تخيّل ... ها هو يسرق منا سر الطيران.... وصار يلفت الأنظار، ويجني الإرباح المخصصة لنا!
رد الآخر بثقة:
ـ لا تحزن...، لن يدوم هذا طويلا ً...، فالجميع سيكتشفون أن أجنحته وهمية!
ـ ولكنها حقيقية...، يا صديقي، وهو مازال يحلق عاليا ً.
ـ لكنه لن يستطيع الذهاب ابعد من ذلك..
ـ تقصد ...، انه ـ مثلنا ـ لن يغادر هذا القفص، إلا بعد أن يكف عن الطيران؟

[18] معرفة
ـ تخيّل...، كم قاسية هذه الحياة حيث لا تسمح لنا أن نتعلم فيها إلا ... هذا القليل... الذي ستسترده منا، لأنه أصلا ً لم يخلق لنا!
ـ ألا يكفي انك عشت كي لا تكسب أكثر من هذا القليل...، الذي تفقده، بدل أن تبحث عن الذي وجدت من اجله!


[19] جحيم
ـ المشكلة، في النهاية، إنها تخترع من ينشغل فيها، ولكن كل من عمل على تجنبها، أو نبذها يجد إنها أغوته بالعثور على حل لها! حد الثمالة، بل حد الموت!
ـ ولهذا ـ سيدي ـ لو انشغلنا جميعا ً بوضع حل لها لكان وجود الجحيم من أكثر الأوهام صلابة!
ـ ماذا قلت؟
ـ قلت لكان الفردوس من أكثر الحقائق وهما ً!
ـ أكاد افقد عقلي؟
ـ سيدي، لو كان لديك، أو لدي ّ، عقلا ً، لانشغلنا بتجنب هذه المشاكل!


[20] دماغ
ـ لو لم يكن لديك هذا الدماغ ...، بماذا كنت ستفكر؟
ـ سأخترع دماغا ً آخر كي أفكر بالعثور على وسيلة للخلي عنه، غير هذه الوسائل!
ـ وماذا لو تخلى ـ هو ـ عنك؟
ـ لا يكون هو ربح شيئا ً...، ولا أكون أنا خسرت شيئا ً يذكر!

[21] وداعا ً
   حدقت الأم في عيون أولادها الثلاثة، ثم بدأت، بشرود، لكن بعزم، بربطهم إليها، وراحت تتأكد من عملها كي لا يفلت أيا ً منهم، كانت تشعر إنهم أصبحوا كتلة واحدة، متماسكة، كي تقبلهم، الواحد بعد الآخر، من غير مشاعر أسى، أو أسف، قبل أن ترمي بالأجساد الأربعة إلى النهر، نهر الفرات.  لم ير المشهد إلا عابر سبيل، لم يقدر أن يفعل شيئا ً. صار الحادث متداولا ً بين الناس، حتى رواه احدهم عبر شاشة التلفاز، بكي، وهو يقول إن الأم لم تطق أن ترى أولادها يموتون من الجوع، فقتلتهم، وكف عن الكلام.
   أما الكاتب، فكان يراقب ظل أصابعه يتلاشى فوق الورقة...، وثمة عويل شعر أن انه صار مثل يد راحت تكفنه، وتدثر جسده الضامر، داخل فضاء الغرفة، الذي، هو الآخر، راح يضغط عليه، من الجهات كافة، فاستسلم له، من غير لذّة، وتركه يتوحد مع ظله.
أفاق...
فراح يرى سيدة  تناول ابنها البكر السم، فتناوله الابن، من غير سؤال، لكنها لم تحتمل أن تفعل الأمر نفسه مع ابنها الثاني...، فطلبت من مساعدتها القيام بالعمل...،  وراحت تراقب، حتى تناول السادس السم، وهو يبادل أمه ابتسامة لم  تفكر إن كانت علامة حزن، أم سرور بالغ...، لأنها راحت تتخيل الجثث السبع تصعد إلى السماء....، مع إنها كانت تأكد من موت الجميع، كي تتناول ما تبقى من السم، وتحتضنهم، بقوة.
   ثم تذكر حادثا ً مماثلا ً حتى كاد يراه يجري أمامه: سيدة تدخل الحمام، مع ابنتيها، لاستنشاق الغاز، لكنها وحدها لم تنج، ورحلت، بعد أن تم إنقاذ البنتين، بأعجوبة.
    رفع رأسه قليلا ً...، ليرى أصابعه تغادره، لكنه أحس إن الكلمات صارت تعمل كعمل المدية في القلب...، بحث عن أصابعه فلم يجدها...، شاهد الورقة تحوّم، مثل طيف، ثم رآها تتموج، ليرى سيدة تختفي في الماء، ثم لم يعد يرى إلا فراغات تشغلها ذرات خالية من الأصوات، لا أصداء لها...
وأفاق...
    كان يرى جنديا ً يصوب بندقيته ويطلق النار نحو جسد ممد فوق الأرض، بدم بارد، تماما ً...، تكرر المشهد، رآه مرة، وثانية، وثالثة لم يعد يرى إلا بياض الشاشة وقد فقد لونه...، غاب الفراغ، وغاب الفضاء...، آنذاك بحث عن رأسه، فرآه بلا حافات، وعندما حاول التأكد من جسده، وجده، هو الآخر، بلا وجود، فأدرك انه لم يعد يمتلك ما يأسف عليه، وليس لديه القدرة أن يأسف على انه لم فقد رغبته بالأسف...، فلم يعد لحضوره وجدود، إنما لم يعد لغيابه أي اثر يسمح له بتتبع مساراته، كان بلا لون، ولا خطوط، وبلا أصداء، كان يستعيد مشهد الجندي وهو يطلق النار على الأسير الجريح الممدد فوق الأرض...، رآه يتلوى، ورأى الجندي يبتعد عن الأخر، من غير أسف، أو تذمر...، فعاد يرى الأم تربط أولادها إليها وترمي الجميع إلى الماء، رآهم يغرقون، ويرى السيدة تراقب مساعدتها تناول أولادها السم، ورأى سيدة ترحل داخل جدران موصده بجوار ابنتيها ... ، فبحث عن كلمة ينطق بها...، وجدها غابت، كذلك لم يجد أحدا ً يصغي إليه..، فأدرك انه لم يعد يمتلك قدرة فتح فمه، لم يعد يمتلك فما ً، وانه لم يعد يرى أحدا ً يراه.
 [22] نظرية المؤامرة
    سأل صديق صديقه العجوز الذي لم يهرب من الحرب:
ـ أراك لم تعد تؤمن بنظرية المؤامرة..؟
ـ آ....
  تأوه، ولم يجب،  فسأله مجددا ً:
ـ إذا كنت لا تؤمن بالنظرية...، ولا تؤمن بالمؤامرة...، فلماذا مكثت معنا ولم تبحث عن مستنقع آخر...؟
    رفع رأسه قليلا ً ونظر له شزرا ً، بحيرة:
ـ  ما دمنا ـ كلانا ـ وكل من في هذا المستنقع، سيموت...، فأي معنى لوجودنا، هنا، أو في أي مكان آخر؟
ـ ها أنت لم تعد تؤمن حتى انك ولدت...؟
أجاب بلا مبالاة:
ـ  المشكلة التي انشغلنا بها، يا صديقي، لم تكن مشكلة نظرية بلا مؤامرة، ولا مؤامرة تنقصها النظرية....، بل مادام موتنا تقرر، قبل ولادتنا، فما فائدة إضاعة الوقت هذا بإثبات صواب النظرية أو دحضها؟!
ـ آ ....، هذه هي نظرية المؤامرة، يا صديقي، بلا زوائد، وبلا نقصان!

[23] اختلاف
    اقترب الحمل من قفص الذئب، وقال له بلا سخرية:
ـ لا تقارن ديمقراطيتنا، اليوم، إلا بالفردوس القديم الذي فقدناه!
   ابتسم الذئب، بمرارة مكتومة، وأجاب:
ـ تقصد إن فردوسنا القديم الذي فقدناه كان حقيقيا ً!
ـ ولِم َ ينتابني الشك...، مادمنا لا نستطيع نسيانه، أو إغفاله، أو محوه من عقولنا؟
ـ اجل ... أنت على حق، بعد أن تركوك تسرح وتمرح في القفص الكبير...، بينما أنا وضعوني وراء هذه القضبان!
ضحك الحمل:
ـ لا تكترث ...، فلا داعي للحزن، فلا أنت اخترت قيودك، ولا أنا اخترت حريتي...، وهذه هي الديمقراطية ـ الحقيقية ـ يا صاحب السعادة!


[24] إلى الأبد
قال الغراب للحمامة التي تقف بجواره، وهما يراقبان مصورا ً سينمائيا ً يتابع تصوير مجموعة كبيرة من السباع أوقعت غزالا ً وراحت تمزق جسده إلى أشلاء:
ـ  لقد انتهى الأمر..!
قالت الحمامة بحزن:
ـ بل الأمر غدا بلا نهاية..، انه بدأ توا ... لأن مليارات البشر ...، سيتلذذون بإعادة  مشاهدة السباع وهي تمزق جسد هذا الغزال!


[25]  النار

ـ من في اعتقادك...، كان على صواب...، ومن كان على خطأ...؟
    نظر الصقر إلى الحقل الذي تحول إلى رماد، وقال بصوت خفيض:
ـ اذهب واسأل النار التي لم تترك شيئا ً.
فقال الآخر حائرا ً:
ـ ولكن لا وجود للنار، فقد توارت!
هز رأسه:
ـ إذا ً لن تحصل على الجواب....، وإن حصلت عليه، لا يكون له معنى، وإن كان له معنى فلن تعرف من كان على خطأ ومن كان على صواب!
ـ كأنك تطلب مني أن أغلق فمي، واصمت إلى الأبد؟
ـ أنا لم اطلب منك أن تتكلم، كي اطلب منك أن تصمت...، ولكن ما دمنا لم نمت بعد، فان النار مازالت تتربص بنا!
22/4/2016

Az4445363@gmail.com




زمن الرواية أم زمن الأمية الثقافية؟-*سلمان عزالدين


زمن الرواية أم زمن الأمية الثقافية؟
*سلمان عزالدين




في جلسة خاصة، أسرَّ روائي عربي لأصدقائه، بأنه يشعر بالخجل كلما تذكر عناوين المعارك الأدبية التي كان يخوض غمارها قبل خمس أو ست سنوات من الآن، وقال بما يشبه الهمس:«لم يتبين فقط أننا كنا في واد آخر غير الوادي الذي يسكنه من يفترض أنهم قراؤنا، بل تبين أننا بالغنا كثيراً في شعورنا بالترف الفكري. وأعتقد أن الناس كانوا يسخرون منا مثلما يسخرون من بعض البرامج التلفزيونية التي كانت تعلمهم أصول الإتيكيت في حفلات العشاء، أو طريقة صنع الدجاج بالكاري.. فيما هم يخوضون معركة الرغيف الحاف كل صباح».

لم يذكر الروائي أمثلة من العناوين التي تشعره بالخجل، غير أن التكهن بذلك ليس عسيراً. فكثيرة هي المعارك النخبوية التي شغلت الأدباء والنقاد والمثقفين العرب، ودارت رحاها على الصحف ومواقع الإنترنت، قبل أن تأتي هتافات المظاهرات وأصوات المدافع لتسكتها، أو لترميها إلى زوايا ضيقة ومقاهٍ قصية..

من ذلك، مثلاً، المعركة التي أسالت الكثير من حبر المثقفين وتمحورت حول سؤال بدا لهم جوهرياً وقتئذ: «هل نحن في زمن الرواية أم في زمن الشعر؟».. وقد انقسم «المتعاركون» إلى فريقين، فريق رأى أننا في زمن الرواية «التي صارت بالفعل ديوان العرب»، فيما أصر الآخر أننا لا نزال في زمن الشعر «الذي كان وسيبقى ديوان العرب»، وقد ساق كل فريق الكثير من الحجج والبراهين الثقافية والتاريخية والسيسيولوجية والسيكيولوجية.. لدعم وجهة نظره. والطريف أن كليهما لجأ إلى الحجة الإحصائية، إذ احتج أنصار الشعر ب«الملايين من العرب الذين ما زالوا يقبلون على الشعر، قديمه وحديثه، ويحفظون أبياتاً، بل قصائد كاملة، ويرددونها ليل نهار..»، وكذلك فعل أنصار الرواية، إذ أشاروا بثقة إلى «جحافل القراء العرب الذين انصرفوا عن الشعر ليدخلوا حظيرة الرواية»..

ومعركة أخرى لا تقل شراسة، هي تلك التي فجرها ناقد معروف، عندما نشر كتاباً يسخر فيه من «البنيويين العرب»، متهماً إياهم بتضخم الذات والعيش في الأوهام. بالطبع لم يتأخر البنيويون في الرد، إذ كشف بعضهم أن الناقد المهاجم «مرتد».. أجل مرتد! فهو «كان بنيوياً ثم نكص إلى مدرسة النقد الجديد». وقد تساءل صحفي، يومئذ، ساخراً:«نعلم حكم الردة في الدين، ولكن ما هو حكم الردة في النقد الأدبي؟».
ولقد استمرت المعركة شهوراً، وشاركت فيها ملاحق أدبية ومواقع إلكترونية متخصصة وغير متخصصة، واستُعرضت خلالها مصطلحات من العيار الثقيل، ودوائر وأسهم ومعادلات شبه رياضية.

هناك معارك أخرى اقتصرت على نطاق محلي، كالسجال الذي نشب في أحد البلدان العربية بين شعراء الثمانينات وشعراء التسعينات، وقد اتسم السجال بالسخونة والمواقف الجذرية الحادة، ما دفع الكثير من القراء إلى التساؤل عن ذلك الحدث الجلل الذي حصل في اليوم الأخير من العام 1989، أو في اليوم الأول من عام 1990، وصنع هذه الهوة السحيقة، مقسماً التاريخ الشعري إلى ما قبل وما بعد..؟!

ولكن ما الذي يبعث على الخجل من مثل هذه المعارك؟ هل يتحتم على الأدباء أن يبتعدوا عن الاهتمام بقضايا تخصصية، وأن يتنصلوا من الدفاع عن وجهات نظرهم الجمالية والفنية والتقنية.. طالما أنهم يعيشون في مجتمعات متخلفة تغمرها مشكلات اقتصادية واجتماعية ومعيشية خانقة؟

هل عليهم، عوضاً عن الانشغال بالسجالات الأدبية، أن ينخرطوا في قضايا الخبز والمحروقات والرواتب، أو أن يتحولوا إلى نشطاء سياسيين يتفرغون للدفاع عن المظلومين والمهمشين؟
ليس هذا ما يسبب الحرج للروائي المشار إليه، ولا لغيره ممن يشاطرونه موقفه هذا. مصدر الحرج، على الأرجح، هو إدراك متأخر أن معظم المعارك كانت تدور حول قضايا مستوردة، وليست نتاجاً طبيعياً لواقعنا ولحياتنا الثقافية.. من هنا تأتي شبهة الترف، فالقضايا التي انشغلنا بها تكتسب معناها ووجاهتها في بلدان أخرى غير بلداننا، وفي سياق اجتماعي وثقافي مختلف عن سياقنا.

ما مبرر الانشغال، إلى هذا الحد،بسؤال «في زمن أي نوع أدبي نعيش»، إذا كانت كل المؤشرات تقول إننا نعيش بالفعل في«زمن الأمية الثقافية»؟، وما معنى الحديث عن «زمن الرواية» إذا كانت الرواية الأكثر رواجاً، في بلدان عربية كثيرة، هي التي تبيع بضع مئات من النسخ؟

وما أهمية الصراع بين شعراء الثمانينات وشعراء التسعينات، إذا كانوا جميعهم مجهولين تماماً، ليس عند أكثرية الناس، بل عند أكثرية القراء؟.. وكيف نتعاطى بجدية مع مقولة «زمن الشعر» إذا كان الشعراء المشهورون عندنا هم أربعة أو خمسة من الشعراء الأموات؟.

وما معنى أن تثار معركة بين «النقد البنيوي» و«النقد الجديد» في وقت يكاد فيه النقد العربي برمته أن يكون غائباً عن المشهد الثقافي؟
وما جدوى كل ذلك في بلدان تضم من القراء ما لا يتجاوز، إلا بالكاد، عدد الكتاب والشعراء؟

المصدر لكل هذه البضائع المستوردة هو عالم «ما بعد الحداثة».. هناك حيث أُعلن موت «السرديات الكبرى» وانتعاش «الجزئيات» و«التفاصيل». وكان استيراد هذا «الموت» وهذا «الانتعاش» سيغدو مفيداً لنا لو عنى، فقط، الإطاحة ب «القضايا الكبرى» الزائفة التي رسختها الأيديولوجيات الرسمية العربية، وباعتها لنا على شكل شعارات رنانة و«كليشهات» فارغة.. ولكن «ما بعد الحداثيين»، العرب أطاحوا في طريقهم بكل الأسئلة الجدية والشواغل الفعلية التي ينطوي عليها واقعنا: سؤال الحرية (حرية الرأي والتعبير وحرية الكاتب أساساً)، حق الإنسان في العيش بكرامة، العدالة الاجتماعية، موقع الثقافة في المجتمع، طبيعة السياسة المهيمنة، دور النخبة الثقافية في مسعى الخروج من التخلف الشامل، القيود الاجتماعية والسياسية المفروضة على العقل والإبداع، العقلانية الغائبة والتنمية المهدورة.. وقد جاءت الأحداث الأخيرة لتثبت أن هذه الأسئلة وهذه الشواغل لا تزال الأكثر راهنية وإلحاحاً.

لا نملك، كقراء، سلطة تخولنا تحريم النقاش في أي موضوع، أو منع الكتاب من الانشغال بأي قضية، حتى ولو كانت تندرج في باب الترف. مثل هذه السلطة ستقودنا إلى نصب محاكم تفتيش، وتعيدنا إلى زمن كانت فيه الشواغل الجمالية والمتعوية موضع تأثيم.

خلاف ذلك، نعتقد أن لنا حقاً يخولنا مطالبة الكتاب بإعادة ترتيب أولوياتهم، وإعادة توزيع مساحات انشغالاتهم.. عندها نصير جمهوراً وفياً لمعاركهم.. التي ستصبح معاركنا نحن أيضاً.
_____
*الخليج الثقافي

طارق بن زياد فاتح الأندلس.. مات متسولا!-*رشيد فيلالي

طارق بن زياد فاتح الأندلس.. مات متسولا!
*رشيد فيلالي



في تصوري أن شخصية طارق بن زياد تبقى لغزَ الألغاز لدى الباحثين والدّارسين لسيرته، فهذا القائد البربري العظيم تعددت الروايات حول مكان ولادته وإلى أي أرض ينتمي.

مع ذلك، تكاد تجمع الروايات على أنه بربري من شمال إفريقيا، رغم إصرار بعض المراجع البريطانية مثل موسوعة كامبريدج على كونه عربيا، بالنّظر إلى اسمه واسم والده، وما يهمنا نحن في هذه الوقفة هو تلك الخطبة التّاريخية التي ألقاها على جنوده الذين كانوا في غالبيتهم السّاحقة من البربر حديثي العهد بالإسلام والعربية(عام 711م)، علما بأن الأمازيغ البربر، حتى اليوم، فيهم من يجهل العربية ولا يفقهها جيدا.

والسّؤال في هذه الحالة هو: كيف تواصل هؤلاء الجند مع ما قاله طارق بن زياد في خطبته لحظة تعبئة جنوده لفتح الأندلس؟ والأقرب إلى المنطق والواقع أن تلك الخطبة نُسبت إليه ولم يلقها إطلاقا، ولاسيما وأنها في غاية الفصاحة وبيانها من السّحر ما يخطف الألباب ويستحيل أن يرتجلها قائد عسكري لم يشتهر عنه تعاطيه للأدب والشّعر، ومن هنا يمكن أن نضيف إلى حياة طارق بن زياد لغزا آخر، يُضاف إلى حياته الصّاخبة المليئة بالمآثر الجليلة والمآسي أيضا، خاصة حين نعلم أن قائده موسى بن نصير (640-716) أعمته الغيرة من إنجازاته وشجاعته الفريدة من نوعها وطمع في المغانم التي أحرزها، حتى أنه أمره بأن يوقف زحفه على الأراضي الإيبيرية إلى غاية التحاقه به والاستفادة من المغانم.
لكن طارق بن زياد، بحنكته ودهائه الحربي، علم بأن توقيف القتال سوف يشكل خطرًا على جنوده، كون الإيبيريين سيستجمعون قواهم ويباغتونه وجنوده، فيتحطّم كل ما أنجزه في وقت قصير، وعليه فقد واصل فتح بلاد الأندلس وكان يظنّ أنه حين يصل قائده موسى بن نصير سيشرح له موقفه ويقنعه، غير أن موسى بن النصير لم يصغ له عندما التقاه ووبّخه بعنف، حيث بصق على وجهه وضربه بالسّوط وزجّ به في السجن.

واستطاع طارق بن زياد أن يراسل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ويشتكي له ما قام به قائده موسى، وعندها أنصفه الخليفة وأمر موسى بن نصير أن يطلق سراحه ويواصلا معا فتح الأراضي الإيبيرية، قبل أن يرحل بعدها طارق بن زياد إلى سورية، وبعد موت الخليفة الوليد، لم يُعرف مصير هذا القائد البربري الفذّ، وذكرت مصادر بأنه توفي متسولا في شوارع دمشق في حالة يرثى لها، عام 720م..

وتذكرني هذه الحادثة المريعة للقائد الكبير طارق بن زياد بعدد كبير من العلماء والفنانين والشعراء والفقهاء الذين ماتوا شرّ ميتة، رغم ما قدموه من أعمال جليلة يشهد لهم التاريخ بها، ومن هؤلاء الفقيه المالكي الشّهير عبد الوهاب بن نصر، الذي رغم مكانته العلمية الكبيرة كاد يموت جوعًا في بغداد، حتى أنه هجرها مكرها إلى مصر الفاطمية، وفي طريقه التقى بأبي العلاء المعري الذي كان يعرف قدره، فقال عنه بيت شعر، اختصر فيه رأيه فيه حيث قال:

«إذا تفقه أحيا مالكا جدلا/ وينشر الملك الضليل إن شعر»..
والمسكين حين بلغ مصر عام 1030، وهو عام وفاته كذلك، استقبل استقبالا باهرًا يليق بمقامه العلمي، رغم كونه سنيا والمصريون حينها تحكمهم سلطة تدين بالمذهب الإسماعيلي الشيعي المتطرف، المهم أن العلامة عبد الوهاب بن نصر ومن شدّة جوعه اشتهى أكلة فارق بعدها الحياة، وحين كان على فراش الموت قال: «لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا!».. فتأمل.
___
*نفحة

الاثنين، 25 أبريل، 2016

أختام*-عادل كامل
















أختام*

   
عادل كامل
 [8] الجسد: المنفى مستعادا ً


     ليس للمعنى، خارج حدود الخامة، أو ما سكن الرأس، إلا حضور ذلك الذي شغل من حز فوق الصخرة إشاراته المبعثرة، ربما اللا متوقعة، والخالية إلا مما أخفاه، بحثا ً عن ذات لا يعرف عنها إلا وجودها المؤقت: حاضرها المبني بالمحفزات، والإنذارات، والمخاوف. فلم يبق لدي ّ من المعنى ـ بعد أن تحرر الختم من وظيفته في التداول، بل وحتى من العرض ـ إلا أن ادعه يسكنني. لقد قلبت المعادلة، فبدل أن اسكنه، تركت جسدي يستقبله للمغادرة معا ً في اتجاه ترك الأسئلة اقل إيذاء ً، أو ضررا ً.
     ربما، بهذا الهاجس كان للجسد مكانة الأرض، فكلاهما يخفيان مساحات لم ْ تدشن: الفضاء، كمشهد النجوم في ليلة باردة: أجزاء تعمل حد استحالة إدراك ما الذي وجدت لتعمله. فأنا حاضر بحدود وعيي لما لا يحصى من المغيبات، والمجهولات. فانا غائب إلا في حدود هذا الانشغال الودود: الفن.  وهو العمل المضاد لعصر غدا ساحة أسواق استبدلت جحيم الحروب بجحيم السلع، والبضائع، واستبدلت جلجامش أو الاسكندر، أو جنكيز خان، ومن قبله هولاكو، أو بكر صوباشي ـ أو كل من افزع تراب الأرض وقلوب اشد الرجال حكمة، ودمر براءة مجتمعات تقليدية ـ بتجار كبار يقودون شركات تخضع لأنظمتها أجهزة بالغة الدقة في التستر على جحيم عالمنا الحديث؛ وهو العمل المضاد، بالدرجة الأولى، لترك أحلامي تتسرب خارج الخامات الشبيهة بتلك التي تصالحت مع أصابعها، ومع نبضات مخاوف قلوب صانعيها.
     ما هذا الذي لا يمكن الاقتراب منه، لا لأجل لمسه أو رؤيته أو السكن بجواره، هل هو اله إنسان الكهف، قبل مليوني سنة، أم هو اله المصانع أو اله عصر أصبحت (الحرية) فيه أكثر السلع تداولا ًـ واستهلاكا ً، وابتذالا ً! هل هو أن أحافظ على (الحاضر) ـ بتراكماته ـ والخوف من فقدانه، كي استبدل عمل الصياد ـ في تدمير الطرائد وتمزيقها ـ بالسكن في الخامات: في الفن، وليس في القبر؟  يقينا ً أنني ولدت في الذعر، فأنا ولدت مذعورا ً، وكلما أنهكت رأسي بمعرفة القوانين، وأنظمتها، ومشفراتها، أزدت ذعرا ً، فليس ثمة إلا الأقنعة، من اللغة إلى الصمت، ومن الأعياد إلى مواكب الجنائز، والى المآتم الاحتفالية، ومن البطولة إلى الحضيض، ومن اللذة إلى المرارات، كلها، اشتبكت في حركة نهايتها أصبحت مرئية أكثر بكثير من مقدماتها.. فأي اختيار بإمكاني الاعتراف انه ليس ناء ٍ عن فناء حكمت به ...؟
     كان الجسد وحده ـ من الرأس إلى الأصابع ـ أراه لا يكف عن انشغالاته بالبحث عن هذا السكن المستحيل. فبعد  الخروج من الرحم، إلى مجتمعات المنافسة حد التصفيات، ما الذي يوازي انشغال المتصوف بنشدان أبدية لا أسئلة ولا عدم ولا انبثاقات فيها، ما الذي يوازي اللا فعل، الفناء في حضور لا إرادة لي فيه، وأنا اصطدم، عبر سنوات القسوة، بالثوابت الأشد صلابة من الوهم: البحث عن الأبدية، وعن متنزهات تتوفر فيها لذائذ الخمور، وغوايات عالم الحريم، والأبكار، والغلمان، ولحوم الطيور..وما لا يحصى من الهبات لمخلوقات كنت أضعهم في مرتبة ما بعد الطحالب، والرخويات!
     فلم يكن لأصابعي إلا إجابة من امسك بالمفتاح وتركه يدور في القفل: الختم. فالصمت ليس دلالة مضادة للكلام، والعدم ليس نقيض الوجود، بل، كلاهما يعملان عمل الجسد وقد غدا مأوى نفسه: الختم يكتم كتماناته بمغادرة التأويل، والشرح، والإضافات. فعمله شبيه برؤية مجرة قيد الاندثار، وقد تجمعت فيها ما لا يحصى من الأجزاء ـ كالشمس والأرض والقمر وبغداد وسومر ـ في تجنب أن اكتشف وقوعي في فخاخ طالما ذعرت منها: فخ الصياد، وأنا عملت أن لا أقوم بدور الضحية. لكن (الختم) لا يعلن إلا ما هو عليه: فك ملغزات هذا الانشغال، لأنه ـ في الأخير ـ وثيقة.
     واعترف ـ هنا ـ أنني بلغت إرادة اختيار كل ما لم اختره: نسج جسدي داخل هذه الشبكة من الخيوط، والعلاقات، داخل جسد آخر، لا اعرف أأنا أصبحت شريكه، أم هو الذي أصبح شريكا ً لي، أم كلانا  بلغ ذروة الشرود وقد غاب حضورنا، ولم يبق إلا الأثر ممتدا ً كما تكونت بذور الخلق في الخامات البكر: دورة تعقبها، إنما ـ في المسافة بينهما ـ أكون قد تلمست ـ ووضعت ـ زوالي موضع التنفيذ: ختمي!
[9] العطر: حافات الختم ـ وملغزاته


    كيف تكّون العطر، وليس كيف تكّون العفن ـ لو لم ينحدر من الشمس: العفن، وليس ما جرى في الظلمات، في القاع، بل ما غابت عنه النار. انها معادلة لوجود خاتمته امتدت بالمقدمات: عطور للصخور، وأخرى للحبيبات، للماء وثانية للأصابع، للفجر وأخرى للصحراء، عطور ورود لم يغب عنها النظام ذاته الذي لم يغب عن الأثر: عظم حك ونقش بالنبضات، وصخرة شذّبت حتى بدت آلهة. ألا أبدو قد أمسكت بالذي امسك بمصيري، وتركني استدل بآثار تمحو خطاي، وتثبتها، كأنني المخفي في حلقات جسر يمتد من المجهول إلى المجهول، كي لا يمتد، في نهاية المطاف، إلا وقد أصبحت مراقبا ً لأثري في هذه الدورة.
     عطر من كان يحرك في ّ حاسة المتابعة، لو لم يكن قد قلب نشأته البكر: المستنقعات، حيث تكّونا، كما تكّونت المجهريات، لندّب، بالإضافات والحذف، بالاختفاء والتمرد، بالصبر وبالمغامرة، كي تتكون أقدم الحواس: مع الملامس، والشم، والإصغاء ..الخ تقنية مبكرة للتملك: حدود الباثات، وإقامة علاقة (ما) معها. فما لا يحصى من الروائح، راحت تكّون أجهزتها، مثلما موجات الأصوات، والإشعاعات، بدأت بالتحول من الاضطراب إلى التخصصات، لكنها بدت مثل لعبة، ولا تخلو من براءة: عصر المكونات الأولى: العش/ الرحم/ والأرض. فالكيان لم يتميز بحجمه أو لونه أو عمله فحسب، بل بما ترك من رائحة ستبقى مدوّنه في موقعها في الدماغ: رائحة الجلد، والأم، والحيوانات، والرماد، والمطر، ورائحة الغرباء ...الخ تبقى عالقة داخل خلايا الدماغ ـ لقرن ـ وبالإمكان استرجاعها في جزء من الثانية: ما تتركه العاصفة، والأمطار، والبراكين. لأنها جميعا ً، في لحظة، تحول (الخامة) إلى (نص/ اثر) ـ و (أثر ـ نص) يغدو مستودعا ً، خزانا ً، وكنزا ً. ففي الختم تتراكم ـ وتتزامن ـ الروائح، لترقّم، ضمن  ومضات أخرى.
     فقد انجذبت، على سبيل المثال، إلى كهوف كانت تجاور بيتنا، لها رائحة سابقة على الأسئلة. من ثم  ـ وأنا انتقل من الجبل إلى الصحراء، فانجذبت إلى مدافن سومر، عند الزقورات. كانت خرائب القصور شبيهة بصور أفلام الرعب التي ـ هي الأخرى ـ جذبتني برائحة عنفها، وغموضها، ومخفياتها؛ رائحة العشب، والدم. فالأميرة السومرية مازالت تتعطر، قبيل رحيلها، بعطر حضارة لم يبق منها الكثير: سراديب مخربة، وسقوف منهارة، وجدران متآكلة، لكن شبعاد لها رائحة البلل: الحليب والبول. فكنت أجد أني أقمت علاقة ما مع أميرة سممت أتباعها وأخذتهم معها إلى العالم الذي لا عودة منه. تلك الرائحة لم تغب عنها رائحة الخفافيش، والثعالب، والطيور، وروث  البهائم، فالأميرة راحت تسكن رأسي.
     وفي المتحف ـ في بغداد ـ كنت أعيد تركيب وبناء ملكة معاصرة: ملكة ضد الزمن. فرائحة العرش لم تعد رائحة قبر، بل رائحة ختم. لأن الأخير غدا مركبا ً بعناصر راحت أصابعي تشاركه عبوره نحو الحاضر. ففي شرود لم يخل من انحياز للعناية، رسمت شبعاد، أميرة سومر، لذائذ غامضة لكنها راحت تغذي لدي ّ انشغالا ً بالجسد، رمزيا ً، كي يلبي متطلبات براءة لم تدرب على الهزيمة بعد. انه عشق العطر، في الغالب، لكنه سمح للحواس أن تكّون حمايتها، وجدرانها. إن شبعاد ـ وهي شبيهة بإنانا ـ مثلما سمحت لي كلمات الكاهنة انخيدونا أن تكون أول منفية في المنفى، تجرجر  مجذوميها إلى الجذام، فكنت أميز، بالدرجة الأولى، رائحة انتهاك: تارة أكون منفاها، هزيمتها، وموتها، وفي الغالب، فتاها المسحور. تلك لم تكن لعبة، بل صياغة. فالختم لم يعد جنسانيا ً، لا لها ولا لي، بل غدا وحدة المنفي بمنفاه، وحدة الدال بالمدلول، والأم بابنها.
     على أن للعطر غواية ترك الأصابع تنبش، تحفر، تفتش، تلامس، تغوص، وتجتاز ثوابت المحرمات نحو الداخل: ظلمات لها مذاق المتوحد وقد أدرك انه كلما ارتوى ازداد انجذابا ً للذي يقع وراء العطور. فالمحرمات تغدو خارج المعايير، والمفاهيم المتداولة. لا لان شرط الديمومة لم يقم على نعم أو لا ، ولم يقم على (يجب)، و (كما ينبغي) لأن من تقمص لغز السر ـ والمقدس اللا متناهي ـ لغز الآلهة، ليس إلا طبالا ً، وان كان يلهو بالمعاقبة، والدفن. إنما (الآخر) فقد كف أن يكون مع الحسنات أو الآثام: انه ـ وهو أنا ـ ترك خلاياه تشتبك بأكثر الجاذبيات تحررا ً من القيود: الكف عن الأنا ـ الآخر، لأجل خاتمة طالما كونت مقدماتها عبر آلام الوضع، إنما الذاكرة ليست مجموعة ملفات، بل بؤر لا مرئية للذي سيغدو ختما ً: عطرا ً يعيد للميت، في الانبثاق، كثافته وقد استحالت أثيرا ً، أو فنا ً، أو مسعى لا ينتظر الثناء، أو المعاقبة.
     هذا العطر وقد تجمّد، شبيه بالجهد وقد  تحول (عمله) إلى كتلة حجرية، معدنية، ورقية، رقما ً في حساب، مما يسمح للختم أن ينفي تاريخه التليد، ويتحول إلى جسد، إلى خط، إلى عثرات، والى مشفرات يصعب تتبع خطوطها الداخلية وما تهدف إليه، أكثر من أنني وجدت حياتي تنسج مصيرها لتستدل عليه، لا في زمن محدد، بل في زمن يسكن المصير ذاته: حركته، وعبوره من الكتلة إلى لا مرئياتها. فانا  ـ إذا ًـ محكوم ـ منذ بزوغ هذا الانتباه ـ باحتفال رحت اجمع عناصره، وأعتني بتراتيله، لإقامة أختام تكّون سكني: هذا المدفن وقد غدا مضادا ً لموته. إنها شروط غير اجتماعية، لكنها، لم تنشد الانفصال، بل ـ في هذا المسار الأنثوي الخالص وغير النسوي ـ تأخذ البذرة نظامها: إنها محكومة باستحالة أن تكون خاتمة، أو بالإمكان حذفها من الوجود. على أنني وأنا أشم كفن/ تاج/ خرز/ أساور/ عظام/ رماد/ ومخلفات أميرة سومر ـ وهي تترك نشيدها أعيد إنشاده بعد خمسة آلاف عام ـ أفيق، وأنا اصنع أختامي لمواصلة الاحتفال ذاته: الدخول في الجحيم، بطيب خاطر، في البحث عن الذي لا وجود له، والذي أصبح يترك غباره  غواية للمشي خلفه، كالسير وراء أعمى يدلنا أين هي مواقع الشموس التي ستتكون، بعد انطفائها، وكيف ستعيد ترتيب القمر وزحل والمشتري والأرض وغيرها، حبات لقلادة يتم ترتيبها خشية بقاءها مبعثرة، في جيد أبدية أن الإله وحده تام العلة، وناء ٍ عن تأويلاتنا، وبالدرجة الأولى: استحالة أن تكون للمحدود، جسارة التدشين بالعصيان، كي يقلق، يشوش، بخطابه أن اللا متناهي له، ما للعاشق، من تبعات، وذنوب.
     كان الختم صفرا ً تجمعت ( تجمدت/ تكومت/ انتظمت/ انصهرت/ تبعثرت/ تلملمت/ تآخت/ اشتبكت)  فيه الوحدات، الأعداد، المجهريات، الذرات، ولا مرئياتها، لا في اليسار ولا في المقدمة، إلا محّملا ً بعطر الكثافة، وغير قابل للزيادة أو للنقصان، بصفته، كاللاحافات تتجمع فيها العناصر، وفي مقدمتها، هذا الذي نمشي خلفه، بعد أن جرجرنا إليه، باستحالة أن يعلن عن وجوده، أو عن غيابه في الأخير.
     هو ذا نبض من عثر على حبيبة لا وجود لها إلا عبر وجودها نائيا ً بعد أن تركت لنا عطرا ً نكاد نراه، ونصغي إليه: نهاية الدم، والكف عن الدنيا للعابرين، شذاذ الآفاق، الخارجين على العفة، والطهر، والمخبرين، والمجندين عنوة، وحاملي الكاتم، والنافخين بالبوق، الطبالين، مع/ ضد، بحسب الضلالات، حيث الختم بوابة، وحجر أساس، وبخور ولادة. الختم ـ هو ـ من لامس النائي، وفارق القريب، فأي عطر هذا سكنني، وبذر منفاه في ّ، كي لا يكون الختم إلا الخاتم ـ به ندوّن محونا ـ وبه ـ نترك للمحو ـ أن يجاورنا، وخطانا أبدا ً لن تتمايل، مهما اتسعت/ وضاقت،  مسافاته، إذ ْ به يكون العدم تاما ً، مثلما الثنائيات، ليست إلا حافات أصفار.


* التجربة الشخصية في تحولاتها، ومتغيراتها: الفن بوصفه يعمل ضد الوهم ـ والغياب. وقد سبق أن نشر الجزء السابع في (سومريننت).